مدينة صور وذاكرة العهد القديم

  توفيق شومان

تقدّمت مدينة صور اللبنانية إلى واجهة الاهتمامين المحلّي والخارجي في الأيّام القليلة الماضية، بعدما تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية عليها، فأسقطت التهجير على سكّانها، والتدمير على عرائس أبنيتها، وهدّدت بجرف تاريخ المدينة الموغل في ألفيات التاريخ وقرونه. ومع الاستهداف الممنهج لآثار صور وهياكلها، بما تؤشّر إليه من عمق حضاري فينيقي يعود إلى ما يقارب 2700 عام قبل الميلاد، وفقاً للمؤرّخ الإغريقي هيرودوتس الذي زار المدينة في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد… انتعشت الذاكرة الصدامية بين التاريخين، الصوري والعبراني، كما تنصّ أسفار العهد القديم، وإلى حدود بدا فيها أنّ ما تفعله إسرائيل في تلك المدينة الفينيقية اللبنانية امتداد للعلاقة بين النصّ التاريخي والفعل الراهن، وتحويل الفكرة النبوئية بدمار صور إلى واقع معاش.

ورد في محاضرة أستاذ التاريخ القديم واللغات الساميّة، أنطوان القسّيس، بعنوان “دور صور في تطوّر الحضارة الفينيقية”، (5/10/2009)، أنّ علاقة صور ساءت مع الممالك العبرانية إثر وفاة النبي سليمان، وقام بين المدينة وتلك الممالك “صراع تصادمي بين رؤيتَين وفكرتَين، حوّله العهد القديم إلى صراع ديني لتبرير أسلوب الكتابة أو لغاية أيديولوجية تحكّمت في الفكر التوراتي العبراني، تجاه صور بخاصّة، وتجاه الشعوب غير الكنعانية بشكل عام”.

وهذا الصراع ذكره المؤرخ فلافيوس يوسيفوس (توفي عام 100 ميلادية) في كتابه الشهير “العاديات والآثار”، والمعروف بـ”تاريخ يوسيفوس”، فيقصّ ابتهاج العبرانيين بانتصار الإسكندر المقدوني على مدينة صور بعد حصارها وتدمير أجزاء منها، واستقبالهم إيّاه في مدينة القدس، وإقناعه بعدم دخول “هيكل الرب”. وفي التعريف الذي يقدمه قاموس “الكتاب المقدَّس” (بيروت، 1995) أنّ أنبياء بني إسرائيل شكوا الصوريين لأنّهم سلّموا بني إسرائيل إلى أدوم وجرّدوهم من سلعهم وباعوهم عبيداً إلى اليونانيين، و”تنبّأ” سفر إرميا التوراتي بخضوع صور، “وأمّا النبوءة الشهيرة والأكثر توسّعاً ضدّ صور، فواردة في سفر حزقيال”. وفي تتبّع هذه الأسفار وغيرها، سيُلاحَظ حجم خطاب الكراهية الذي يثقل هذه الأسفار ويُظهر رغبات كاتبها بتدمير المدينة ومحوها وإهلاكها، وعن هذا جاء في سفر حزقيال: “في السنة الحادية عشرة بعد السبي، في الأول من الشهر، قال لي الرب: يا ابن آدم، بما أنّ صور شمتت في أورشليم وقالت بوابة الشعوب تحطّمت وخُرّبت وتحوّلت كنوزها إلينا، لذلك هكذا قال السيّد الربّ: ها أنا خصمكِ يا صور، فأُصعد عليكِ أمماً كثيرة كما يصعد موج البحر، فيدمّرون أسوارك ويهدمون بروجك، وأجرف ترابك عنك وأجعلك صخراً عارياً، فتصيرين منشراً لشباك الصيادين في وسط البحر، وتكونين نهباً للأمم”.

تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية على مدينة صور، فأسقطت التهجير على سكّانها، والتدمير على عرائس أبنيتها، وهدّدت بجرف تاريخ المدينة الموغل في ألفيات التاريخ وقرونه

وممّا ورد في سفر حزقيال عن صور أيضاً: “هذا ما قاله السيّد الربّ: حين أجعلك مدينة خَرِبة كالمدن التي لا ساكن فيها، وأُصعد عليكِ الغمر فتغطيك المياه الغزيرة، أُهبطكِ مع الهابطين في الهاوية من الشعوب القديمة، وأُسكنكِ في الأرض السفلى بين الخرائب الأبدية مع الهابطين في الهاوية، فلا تعمّرين من بعد، ولا يكون لك مكان في أرض الأحياء، أجعلكِ عدماً”.

وجاء في سفر إشعيا: “ولولي يا سفن ترشيش، فسفن صور دُمّرت وما بقي بيت ولا مرفأ، ولولوا يا سكّان الساحل، أهذه مدينتكم الزاهرة منذ قديم الزمان؟ من قضى على صور، وهي التي تتوّج الملوك وباعتها أمراء وتجّارها أغنياء الأرض؟ الربّ القدير هو الذي قضى بذلك، ليذلّ كلّ من تباهى بمجده ويُفقر كلّ غني في الأرض، ولولي يا سفن ترشيش لأنّ صور الحصينة انهارت”.

ويرد في سفر يوئيل: “يا سكّان صور وصيدون وجميع بقاع فلسطين، أنتم أخذتم فضّتي وذهبي، وحملتم منّي ما غلا وطاب إلى هياكلكم، وبعْتم بني يهوذا وأهل أورشليم عبيداً لليونانيين، لكنّي أطلبهم من الموضع الذي بعتموهم فيه، وأردُّ شرّ جميلكم على رؤوسكم، وأبيع بنيكم وبناتكم بأيدي بني يهوذا، أنا الربُّ تكلّمتُ”. وينطق سفر زكريا بهذا: “كلام موحى من الربّ: بنتْ صور حصناً لها وكنزت الفضّة كالتراب، والذهب كوحل الشوارع، ها السيّد يمتلكها ويضرب في البحر قدرتها، فتؤكل بالنار، ترى ذلك عشقلون فتخاف، وغزّة فتنحلّ عزيمتها، وعقرون فتُخزى من ضعفها”. وبحسب سفر عاموس، تكلّم الربّ فقال: “لأجل معاصي صور المتكرّرة، وبالأخصّ لأنّهم أجلوا شعباً بكامله وسلّموه إلى أدوم، حكمتُ عليهم حكماً لا رجوع عنه، فأُرسل ناراً على صور فتأكل قصورها”. وقال الربّ أيضاً لأرميا النبي في سفره: “قبل أن يهاجم فرعون غزّة، تفيض مياه من الشمال وتصير سيلاً جارفاً، فتغمر الأرض وجميع ما فيها، فيصرخ البشر ويولول أهل الأرض من صوت حوافر الجياد واندفاع المركبات، فلا يلتفت الآباء إلى البنين من انهيار العزائم، في ذلك اليوم يُدمَّر جميع الفلسطينيين، ويُقتلع أهالي صور وصيدون وجميع من بقي من مناصريهم”.

هل يبقى شيء؟ يبقى التالي ممّا ينصّ عليه سفر زكريا: “افتح يا لبنان أبوابك/ فتأكل النيران أرزك/ ولول أيّها السرو على سقوط أرز لبنان ودمار أشجاره العظيمة/ ولول يا بلّوط باشان (الجولان) على تكسّر غاباته الوارفة/ ها صوت ولولة الرعاة على خراب مراعيهم/ ها صوت زئير الأشبال على دمار أعالي الأردن”.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى