أن نُحْيي ذكرى النكبة وهي تحدث مجدداً

   عمر قدور

قد لا يكون خبراً مهماً، بالمعنى المباشر، أن تنقل هيئة البث الإسرائيلية عن الوزير إيتمار بن غفير قوله إنه يريد الاستيطان في لبنان، داعياً إلى فعل ذلك بلا تخوّف من الضغوط الدولية. لكنه خبر مهم فيما ينطوي عليه، فالمتطرف بن غفير يرى أن مشروع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية يسير كما يشتهي هو وحكومته، وأن السبيل مفتوح اليوم لتجاوز حدود أرض فلسطين.

بصرف النظر عن التصريح نفسه، تواترت مع إحياء ذكرى النكبة الإشارة إلى الظروف التي يمرّ بها الفلسطينيون حالياً في فلسطين، وفي الشتات الملاصق حيث الأوضاع العامة لا تسرّ فيما كان يُسمّى سابقاً “بلدان الطوق”. في غزة المنسية مثلاً، تسيطر قوات الاحتلال على مساحات واسعة، بينما يُضطر المدنيون إلى التكدّس في مساحات ضيقة أشبه بأسوأ أنواع السجون، مع التذكير بأن قطاع غزة هو أصلاً (بسبب نزوح النكبة الأولى) من المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم.

مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ليست بدورها بمعزل عن مصير غزة، فالمستوطنون الجدد يواصلون إقامة البؤر في الضفة، حيث يستولون على الأراضي بقوة أسلحتهم وبحماية الحكومة الأشد تطرفاً. بعد إقامة البؤر يأتي شق الطرقات الالتفافية إليها، لربطها بمستوطنات أخرى في الضفة أو بأراضي عام 1948، ومن المعتاد اختيار مواقع تحقق أكبر قدر من الأذى بالفلسطينيين، من خلال موقع البؤرة وشبكة الطرقات غير الاعتيادية بزعم تحقيق الأمن لثلة من المستوطنين.

النتيجة المرجوة إسرائيلياً في جميع الحالات هي إفراغ الأراضي من الفلسطينيين، بالتضييق عليهم عندما لا يكون ثمة مبرر، ولو واهٍ، لاستخدام أقصى درجات العنف المباشر. أما استعادة سيناريو النكبة الأولى فقد لا يكون متاحاً حالياً، مصر مثلاً رفضت استقبال أهالي غزة، سواء ضمن تطلعات تل أبيب إلى تهجيرهم نهائياً أو ضمن مشروع ترامب الذي يزعم أنه يريد نقلهم مؤقتاً إلى الخارج. الأردن أيضاً، وهو البلد الثاني الذي تربطه اتفاقية سلام مع إسرائيل، غير مستعد لاستقبال عدد من الفلسطينيين قد يرجّح كفتهم في التوزيع الديموغرافي داخل الأردن. وهذا هو حال لبنان أيضاً، أما “سوريا الجديدة” فمن الواضح أن حكومتها تسعى إلى الانقطاع عن “الهم” الفلسطيني برمّته.

ولّى زمن اعتبار فلسطين “القضية المركزية”، وعلى العكس من ذلك شاع الإعراض عما يتصل بالوضع الفلسطيني، بما يمكن وصفه بأنه تبرّؤ من ذلك الزمن. ولئن ارتبط زمن “القضية المركزية” بالشعارات الجوفاء، وباستثمار القضية من قبل أنظمة مستبدة، فإن زمن الإعراض عنها ليس أكثر واقعية كما يزعم كثر. بالأحرى، المشكلة تأتي من صعوبة إقناع إسرائيل بهذا الخيار، في حين لا تفصل تل أبيب سلوكها الإقليمي على هذا النحو، وقد أوردنا مثالاً فكرة تهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر التي تربطها بها اتفاقية سلام.

الانفكاك العربي عن القضية الفلسطينية حدث فعلياً مع اتفاقيات أوسلو، إذ كان واضحاً بموجب الاتفاقية والمفاوضات السرية التي سبقتها أن منظمة التحرير الفلسطينية اعتمدت مقولة القرار الفلسطيني المستقل إلى أبعد حد، وهو ما كان ينتظره كثر من القيادات العربية للخلاص من الالتزامات المعنوية إزاء الفلسطينيين، وفي رأسها موضوع التطبيع الذي كان مشروطاً بالسلام. الاستمرار في النهج ذاته، ما بعد أوسلو، كان يتجسد واقعياً بذهاب الوفد الفلسطيني إلى مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وهو لا يملك شيئاً من أوراق القوة، لا الداخلية ولا ما كان يأتي به السند العربي. الحصيلة المنطقية كانت الارتطام بالحائط الإسرائيلي، فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تجد نفسها مضطرة لتقديم “تنازلات” جديدة.

إذا كان من مقايضة في اتفاقيات أوسلو فهي الحصول على نوع من الحكم المحلي مقابل تخلي منظمة التحرير الفلسطينية عن ميثاقها، وعن مشروعها ككل، وعن مكانتها “الثورية” بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. ومن المعلوم أن إسرائيل اشترطت تخلّي منظمة التحرير عن ميثاقها من أجل توقيع أوسلو، وقد راج حينها أن المقصود أولاً بالاشتراطات الإسرائيلية هو تخلي المنظمة عن الكفاح المسلّح، ثم ما يتعارض مع قبولها حل الدولتين، بما أن الميثاق ينص على حل الدولة الواحدة للفلسطينيين واليهود معاً.

يمكن نظرياً القول إن منظمة التحرير، بتخلّيها عن ميثاقها، انتقلت من مرحلة الثورة إلى الدولة. إلا أن النقلة لم تحدث، لأن الحصول على الدولة بقي متعذّراً، ومهما قيل عن فساد السلطة الفلسطينية فهو ليس السبب في تعذّر وصول المفاوضات إلى الحل النهائي الذي يمنح الفلسطينيين دولة. لقد سعت تل أبيب في آخر جولات المفاوضات إلى الحصول على اعتراف فلسطيني ودولي بيهودية إسرائيل المطلقة، بينما لم توافق على دولة فلسطينية ولو أنها جغرافيّاً مقطّعة الأوصال. نتحدث عن اتفاقيات مضى عليها ما يقارب ثلاث وثلاثين سنة، من دون أن تُستكمل على النحو المتفق عليه، ولن تُستكمل لأن النية لم تكن أصلاً منعقدة على ذلك، ولأن ما تشهده المنطقة حالياً يشير إلى ما هو أدهى.

إذن، خلال أكثر من ثلاثة عقود، من التسويف في المفاوضات ومن توقفها التام، بقيت السلطة الفلسطينية بحكم المؤقتة، لأن الوضع النهائي الدائم لم يُتفق عليه. في الغضون، استقرّ هدف السلطة على الاستمرار في المفاوضات والتمسك بالاتفاقيات الموقَّعة، حتى إذا رفضت إسرائيل الاستمرار بها، والالتزام بما تم التوقيع عليه! الغريب هو تسويق موقف السلطة على أنه الخيار الواقعي الوحيد، رغم أنه لم يُثبت واقعيته إطلاقاً، فهو مثلاً لم “يُحرج” تل أبيب ويجبرها على الالتزام والتفاوض.

بالتأكيد لا تملك السلطة الفلسطينية خيارات متعددة ومريحة، وليس مطلوباً منها التخلي عن الفتات الذي حصلت عليه في اتفاقية أوسلو. المسألة هي أن توسّع السلطة خياراتها، وفي رأس ذلك اقتراح البديل عن خيار أوسلو المهدَّد بأن تنقضّ إسرائيل على ما تبقّى منه. ثمة مسار فشل وانتهى، والمرجَّح بنسبة ساحقة أنه لا يملك فرصة البقاء، والواقعية هنا أن تستلهم السلطة إرث منظمة التحرير من أجل تكوين رأسمال رمزي يعوِّض فقر خياراتها العملية.

لقد اشتُهرت في يوم مضى عبارةُ الزعيم ياسر عرفات، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 1974، إذ قال: “لقد جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية ثائر.. فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”. والمهم حقاً في العبارة أنها لم تكن نفاقاً ولا اعتباطاً، بل كانت أصلاً في صلب ميثاق منظمة التحرير التي كانت صاحبة مشروع سياسي لفلسطين بعربها ويهودها، فكانت نقيضاً للصهيونية ولفكرة نقاء الدولة اليهودية. ولعل أي مشروع جديد، قابل حقاً للحياة، لا بد أن ينطلق من الإقرار بأن فلسطين غير قابلة للقسمة الجغرافية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لذا من المستحسن الإسراع في دفن سراب أوسلو، والبحث عن صيغ مستحدثة للعيش المشترك.

بمشروع سياسي يخاطب طرفي الصراع يستطيع الفلسطينيون بناء رأسمال مشابه لما بنته منظمة التحرير، والواقع يقول إن المهمة أوسع من أن تُلقى على عاتقهم وحدهم، فالتفكير في المستقبل المترابط لبلدان المنطقة مطلوب من جميع أبنائها. اليوم يدفع الفلسطيني الثمن الأكبر، إلا أن بلدان الطوق بأسرها في نكبة، والخلاص لكل بلد على حدة يبدو متعذّراً؛ على الأقل هذا ما تقوله آلة الحرب الإسرائيلية التي تتحرك في الجوار بلا رادع.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى