
لا تقاس الحروب الكُبرى في العصر الحديث بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بحجم الدمار الذي خلّفته على الخرائط، إنّها ترتكز إلى تغيّر الطريقة التي ترى بها الدولُ العالمَ ونفسَها وموقعَها فيه. والحرب مع إيران تبدو، في هذا المعنى، أقرب إلى زلزال سياسي بطيء، أعاد كشف طبقات عميقة كانت مستقرّةً ظاهرياً عبر تماسك هشّ تحت مظلّة النظامين، الإقليمي والدولي، وهذه الصورة، في تجلّياتها الصعبة، ستدفع الجميع إلى إعادة التفكير في الأسئلة التي ظنّوا أنّهم حسموها منذ عقود.
لقد عاش الخليج العربي طوال سنوات (وفق الاستراتيجية الأميركية) ضمن معادلة واضحة: مصادر الطاقة مقابل الحماية، والاستقرار مقابل الارتباط العميق بمظلّة واشنطن. كانت تلك المعادلة، رغم ما فيها من تعقيدات، كانت تملك قدراً من الوضوح يسمح ببناء السياسات والاقتصادات والتحالفات عليها. غير أنّ الحرب أخيراً دفعت هذه الصيغة إلى حافَة الاختبار الحقيقي، ليس لأنّ إيران امتلكت القدرة على تهديد الممرّات البحرية فحسب، وإنّما لأنّ المنطقة اكتشفت أنّ مفهوم الحماية نفسه لم يعد يحمل المعنى القديم ذاته.
دخل الخليج مرحلةً جديدةً من السيادة الحذرة، وتتطلب إعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة بطريقة أكثر براغماتية
انكشف في أثناء هذه الحرب فرق عميق بين وجود قوّة عظمى في المنطقة وامتلاك تلك القوّة إرادةً مفتوحةً للدخول في حرب شاملة دفاعاً عن حلفائها. إذ بدا أنّ الولايات المتحدة قادرةٌ على إدارة الإيقاع العسكري ظاهرياً ومنع الانهيار الأمني الكامل، لكنّها، في الوقت نفسه، متردّدة في الذهاب إلى نهاية المواجهة. وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأنّها تنقل الخليج من مرحلة الاعتماد على القوّة الأميركية إلى مرحلة التفكير في حدود هذه القوة وجدوى استعدادها.
من هنا لا بدّ أن يبدأ التحوّل الحقيقي في العقل السياسي الخليجي. فالقضية لم تعد تقنيةً تتعلّق بمنظومات دفاع جوّي أو بتحصين منشآت الطاقة، وإنّما أصبحت مرتبطةً بفلسفة الأمن ذاتها. ما معنى الأمن في منطقة يمكن أن تُغلق فيها الممرّات البحرية خلال ساعات؟ وما معنى التحالف حين تصبح مصالح الحليف الكُبرى موزّعةً بين آسيا وأوروبا والداخل الأميركي؟ وكيف يمكن لدول تعتمد على تدفّق الطاقة والتجارة والاستقرار المالي أن تبني حاضرها ومستقبلها على ضمانات باتت مرتبطةً بمزاج الانتخابات الأميركية وتوازنات الكونغرس والانقسام الداخلي في واشنطن؟
لهذا، يمكن القول إنّ الخليج دخل مرحلةً جديدةً من السيادة الحذرة. وليس المقصود هنا الانفصال عن الولايات المتحدة، فذلك غير واقعي، وإنّما إعادة تعريف العلاقة معها بطريقة أكثر براغماتية وأقلّ عاطفية. أي الانتقال من منطق التحالف الكامل إلى منطق تنويع الضمانات، حيث تصبح الشراكات متعدّدة، والرهانات موزّعة، والقدرة على المناورة جزءاً من الأمن القومي والوطني نفسه. وفي هذا السياق، لا يعود التقارب الخليجي مع قوى آسيوية كالصين والهند مجرّد انفتاح اقتصادي، وإنّما يتحوّل إلى محاولة استراتيجية لبناء توازنات جديدة في عالم بدأ يفقد تدريجياً مركزه الواحد. فالدول الصغيرة والمتوسّطة لا تبحث فقط عن الحماية، إنّها تقاتل سياسياً للحفاظ على هامش الحركة. وكلّما شعرت بأنّ النظام الدولي يتّجه نحو السيولة، زادت حاجتها إلى توزيع المخاطر لا الارتهان لطرف واحد.
كشفت الحرب الحالية حقيقة استراتيجية أخرى: أنّ طهران، رغم الضغوط الهائلة، لم تعد تُعامَل دولةً يمكن إسقاطها بسهولة. لقد رسَّخت صورتها بوصفها قوّةً إقليميةً تمتلك قدرةً عالية على إدارة الاستنزاف الطويل. وهذه النقطة تحديداً يبدو أنّها غيّرت من معادلة طبيعة التفكير في واشنطن. إذ تبيّن أنّ التفوّق العسكري لا يكفي دائماً لتحقيق نتائج سياسية حاسمة وفرضها، وأنّ امتلاك القوّة لا يعني امتلاك القدرة على فرض نهاية للصراع وصورة مشتهاة له. وهنا يظهر المأزق الأميركي بأوضح صوره. فالولايات المتحدة لم تعد تواجه خصوماً تقليديين يمكن هزيمتهم عسكرياً، ثمّ إعادة تشكيلهم سياسياً كما حدث في مراحل سابقة من تاريخها. العالم تغيّر، وخصومها أيضاً تغيّروا. هناك دول باتت تبني استراتيجياتها على الصمود لا على فكرة النصر، وعلى إنهاك الخصم، لا على مواجهته مواجهةً تقليديةً مباشرةً. وهذا النوع من الحروب مرهق للقوى الكُبرى، لأنّه يستنزف الوقت والموارد والشرعية الداخلية معاً.
الأزمة الأعمق أنّ واشنطن نفسها لم تعد تملك تعريفاً واضحاً للنصر. هل يكفي منع إيران من امتلاك سلاح نووي؟ هل المطلوب تغيير سلوكها الإقليمي؟ هل الهدف إضعاف النظام أم إسقاطه؟ ومن ثم جعل غياب الهدف المحدّد الحرب تتحوّل إلى حالة مفتوحة، أشبه بإدارة أزمة دائمة وليست مشروعاً استراتيجياً واضحاً. وقد علّمنا التاريخ أنّ القوى العظمى حين تفقد وضوح غايتها، تبدأ هيبتها بالتآكل حتى لو بقي تفوّقها العسكري قائماً.
هذا التخبّط الأميركي جعل الصين تقرأ المشهد بطريقة مختلفة تماماً. فبكين لا تنظر إلى الحرب باعتبارها صراعاً شرق أوسطياً محدوداً، إنّها في صورتها الحقيقية تمثّل اختباراً حقيقياً لقدرة الولايات المتحدة على تحمّل أعباء الهيمنة العالمية. والصين تدرك أنّ الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، وإنّما تُستنزف تدريجياً عبر تعدّد الجبهات، وتآكل الثقة، وتضخّم الالتزامات. لذلك، تتحوّل تلقائياً أيُّ حرب طويلة لا تحقّق فيها واشنطن حسماً سريعاً إلى مادّة استراتيجية في العقل الصيني.
جولات المواجهة التي شهدتها المنطقة بداية انتقال تاريخي من عالم الأحادية إلى عالم التوازنات المتحرّكة
الأمر هنا لا يتعلّق فقط بالذخائر أو حاملات الطائرات أو خطوط الإمداد العسكري، وإنّما بصورة القوّة نفسها. فقد أدركت الصين مبكّراً أنّ الهيمنة في العصر الحديث ليست قوّةً عسكريةً صرفةً، تتعدّى ذلك للقدرة على ترسيخ انطباع عالمي بالقدرة على الحسم. وحين تتراجع هذه الصورة، يبدأ النظام الدولي كلّه بإعادة التموضع. الحلفاء يصبحون أكثر قلقاً، والخصوم أكثر جرأةً، والدول المتردّدة أكثر استعداداً لتجريب مسارات جديدة.
ولعلّ أخطر ما كشفته الحرب أنّ التآكل لا يحدث خارج الولايات المتحدة فقط، بل في داخلها أيضاً. فالحروب الطويلة تغيّر المجتمعات التي تخوضها بقدر ما تغيّر خصومها. وقد بدا واضحاً أنّ السياسة الأميركية في زمن ترامب دخلت مرحلةً من الشخصنة الحادّة، فتراجعت المؤسّسات والأفكار لمصلحة الزعامة الفردية والاستقطاب العاطفي. وهذه بطبيعة الحال ليست مجرّد أزمة حزبية، إنّها عاصفة تضرب بنية سياسية كاملة في واشنطن، بدأت ملامحها تظهر في جلسات الاستجواب التي نُظّمت لوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث. وهذا ما يعكس تحوّل الدولة إلى امتداد للصراع بين الشخصيات، وهذا بدوره سيجعل من الصعب بناء استراتيجيات طويلة الأمد أو الحفاظ على توافق داخلي مستقرّ حول دور أميركا في العالم.
الولايات المتحدة دخلت الحرب مع إيران حاملةً صورة القوّة التي لا غنى عنها، لكنّها تخرج منها وهي تواجه سؤالاً أكثر تعقيداً: هل ما يزال العالم قابلاً للإدارة بالطريقة القديمة؟ أمّا الخليج، فقد خرج وهو يدرك أنّ الأمن لا يُستورد كاملاً، وأنّ التحالفات مهما بلغت قوّتها لا تعفي الدول من بناء قدرتها الذاتية على المناورة والتكيّف.
لهذا، يجب ألّا تُقرأ جولات المواجهة الساخنة والباردة التي شهدناها (ونشهدها) باعتبارها حرباً إقليميةً عابرةً، وإنّما يجب التعامل معها على أنّها بداية انتقال تاريخي هادئ أو صاخب من عالم الأحادية الواضحة إلى عالم التوازنات المتحرّكة. عالم لا يختفي فيه النفوذ الأميركي دفعةً واحدةً، لكنّه يفقد تدريجياً طابعه المطلق. وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية، لا تكون القوة الحقيقية لمن يملك السلاح الأكثر تطوّراً فقط، وإنّما لمن يملك القدرة على قراءة التحوّل مبكّراً، ليعيد ترتيب موقعه قبل أن تستقرّ الخريطة الجديدة في جغرافيا قابلة للاشتعال والانفجار في أيّ لحظة.
المصدر: العربي الجديد






