
اعتاد الإعلام الرسمي في عدة أنظمة عربية ذات الطابع التسلّطي التعامل مع ظاهرة العنف والإرهاب بوصفها وصمةً حصريةً تُلصق بتيار ديني أو سياسي بعينه، كالتنظيمات الشيوعية سابقاً، ولاحقاً التيارات الإسلامية التي دخلت ساحة الصراع على المجال العام بخلفيات متباينة. ومن هذه القوى، برز التيّار الذي سعى إلى بناء جسور بين الثقافة الإسلامية والحداثة السياسية، بوصفه أحد أكثر التيارات تعرّضاً للوصم والاستهداف. والمفارقة اللافتة، في المشهد العربي، أنّ قوى محسوبة على الحداثة والعلمانية لم تتردّد في الاستعانة بتيّارات أكثر تشدّداً لتجريف الحياة السياسية والمدنية، والالتفاف على فكرة الدولة الديمقراطية، هروباً من نموذج يتيح مشاركة قوى إسلامية معتدلة تلتزم بقواعد العمل الديمقراطي.
القوّة التي تحتاجها المجتمعات ليست قوّة الاجتثاث، بل قوّة الحماية التي تُخضع الجميع لقواعد قانونية عادلة
وفي هذا السياق، تحوّلت الآلة الإعلامية إلى أداة لتسميم المجال الثقافي والسياسي المدني عبر حملات شيطنة ممنهجة تستهدف القوى الأكثر فاعلية، تمهيداً لتبرير ما تتعرّض له من اعتقالات واغتيالات وإحراق مقارّ ومطالبات باجتثاثها وإلغاء وجودها. غير أنّ الحقيقتَين، السوسيولوجية والسيكولوجية، تؤكّدان أنّ العنف ليس حكراً على تيّار بعينه، بل يرتبط بقابلية كامنة في النفس الإنسانية، يمكن وصفها بغريزة الطغيان وبالنزعة المثالية. فكثيراً ما ترفع أنظمة دكتاتورية شعار محاربة الإرهاب، بينما تمارس هي نفسها أشدّ أنواعه قسوةً في مواجهة خصومها. وفي هذا السياق، يمكن التذكير بما سبق أن أكّده كاتب هذه السطور في مناسبة سابقة (مقال بعنوان “الأديان والعنف: أيّة علاقة؟”) “أنّ في داخل كلّ إنسان منّا إرهابياً مستتراً يوسوس له أحياناً بإبادة الآخر المختلف، متلبساً بجوهر مثالي ينشد الكمال أو الفردوس المفقود على الأرض”، سواء تجسّد هذا الكمال في صورة مثالية للعدالة الاجتماعية، أو النقاء العقدي، أو العرقي، أو المناطقي، أو طغيان القوّة المادّية.
أسهمت هذه النزعات المثالية في العالم العربي، إلى جانب جذور ثقافة الاستئثار والتسلّط، في تبادل التيّارات اليسارية والإسلامية والقومية ممارسات الإقصاء، بما أضعف حضورها وأفسد فرص التحوّل الديمقراطي العربي. وتفاقمت هذه الأزمة بفعل تدخّلات إقليمية غذّت الصراعات، في سياق دولي يتّسم بتآكل اليقين الديمقراطي وصعود النزعات الشعبوية، كما في الظاهرة الترامبية التي أعادت الاعتبار إلى خطاب القوّة الفجّة. وجاءت أحداث غزّة لتعمّق هذا المسار، إذ عزّز التوحّش الإسرائيلي منطق حقّ القوّة على حساب قوّة الحقّ، وجرى توسيع مفهوم دفاع إسرائيل عن أمنها ليغدو مبرّراً لمصادرة الحقّ الفلسطيني في الوجود وحقوق شعوب المنطقة واستهداف استقرار الدول العربية ووحدتها وسيادتها الوطنية.
في خضمّ هذه التحوّلات، يبرز سؤال حاسم: هل لا تزال السياسة ممكنة حين تُختزل في منطق الاجتثاث؟ أم أنّنا ننزلق إلى ما قبل الدولة، فلا يحكمنا سوى قانون القوّة العمياء؟
قد يبدو لبعضهم أنّ الواقع يفرض منطق “إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب”، غير أنّ هذا المنطق ليس حلّاً بقدر ما هو فخّ أهوج تسعى قوى الاجتثاث إلى جرّ خصومها إليه. فالقضية لا تتعلّق بامتلاك القوّة، بل بطبيعتها ووظيفتها: هل هي قوّة ذئبية حيوانية للإلغاء والافتراس، أم قوّة للدفاع عن حقّ الوجود وحقّ المشاركة في المجال العام والإلزام بقواعد العيش المشترك؟ قوّة إلزام بالحقوق المشتركة أم قوّة إعدام للآخر؟… القوّة التي تحتاجها المجتمعات ليست قوّة الاجتثاث، بل قوّة الحماية: قوّة تُخضع الجميع لقواعد قانونية عادلة، وتمنع أيّ طرف من احتكار الحقيقة أو السلطة. إنّها قوّة تُرغم الخصوم على التعايش، لا على الاختفاء. وهنا يكمن الفارق الجوهري: بين مَن يستخدم القوّة لإعادة خصمه إلى مربّع المواطنة والتعايش المشترك، ومن يستخدمها لمحو وجوده.
وفي هذا السياق، يحضر تحذير الفيلسوف فريدريك نيتشه في كتابه “ما وراء الخير والشر” (المتّهم بالتنظير لإرادة القوّة العمياء): “من يصارع الوحوش، فعليه أن يحذر من أن يصير هو نفسه وحشاً… وإذا ما أطلت النظر في الهاوية، فإنّ الهاوية أيضاً تطلّ فيك”، فالصراع مع الطغيان ينبغي أن يظلّ صراعاً ضدّ منطق البغي، لا إعادة إنتاج له بأدوات جديدة.
والدول العربية، خصوصاً دول الصراعات الداخلية، بحاجة إلى اتخاذ موقف صارم تجاه ثقافة الاجتثاث وحماية المجال السياسي من التدخّلات الإقليمية التي تبارك هذه الثقافة، وتحرّض القوى المحلّية بعضها على بعض. وعلينا أن نتذكّر دائماً أنّ الصراع مع القوّة الباغية صراع مع البغي يستهدف إلغاء واقع البغي، لا وجود الفئة التي تورّطت في البغي.
وتبدو هذه الإشكالية أكثر حدّةً في الحالة اليمنية، إذ تتشابك الصراعات الداخلية مع تدخّلات إقليمية، وتتصاعد دعوات الاجتثاث المدفوعة بأوهام الطهورية الأيديولوجية أو الدينية أو العرقية أو المناطقية. وقد أسهمت هذه النزعات في تغذية الانقسامات، ودعم دوائر الاغتيال، وتأجيج الخلافات داخل معسكرات يفترض أنّها متقاربة.
رفض ثقافة الاجتثاث في اليمن لا ينبغي أن يقتصر على مكوّنات الشرعية، بل يجب أن يمتدّ إلى طبيعة الصراع مع الحوثيين
ورفض ثقافة الاجتثاث في اليمن لا ينبغي أن يقتصر على مكوّنات الشرعية، بل يجب أن يمتدّ إلى طبيعة الصراع مع الحوثيين. فرغم طبيعة الحركة الحوثية المرتبطة بالعنف والاستحواذ العنصري على السلطة والمعرفة، فإنّ تحويل الصراع معها إلى معركة اجتثاث وجودي لا يمثّل حلّاً، فهو يعيد إنتاج الأزمة ذاتها. والمشكلة ليست في وجود الخصم، ولكنّها في نمط سلوكه وثقافته، أي في ثقافة الطغيان وادّعاء الحقّ الحصري في الحكم، واستباحة البغي على المجتمع، وسبيل مواجهة ذلك هو الدفاع عن حقّ الشعب وإرغام الباغي على الامتناع عن البغي والقبول بقواعد التعايش.
فالمعركة الحقيقية هي لإجبار الجميع على الامتثال لقواعد سياسية مشتركة، لا مكان فيها للاستعلاء أو الإقصاء. فاجتثاث ثقافة الطغيان أولى من اجتثاث الخصوم، ومقاومة البغي تعني إنهاء شروطه، لا القضاء على حامليه. ويحضرني هنا قول الشاعر اليمني عبد الله البردوني: “أيّ نفع يجتني الشعب إذا/ مات (فرعون) لتبقى الفرعنة؟/ نفس ذاك الطبل، أضحى ستّة/ إنّما أخوى وأعلى طنطنه/ يمّنوني، يسّروني، توّجوا/ من دعوها الوسط المتزنة/ جاءنا المحتلّ في غير اسمه/ لبست وجه النبي القرصنة”.
رفض اجتثاث طرف لا يعني منحه حقّ ممارسة الاجتثاث، بل يعني إعادة تعريف المقاومة لتستهدف الجرثومة لا حياة المريض ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. فالمعركة في اليمن اليوم معركة لإنقاذ السياسة من العدمية، ولإنقاذ الدولة من أن تتحوّل إلى أداة في يد نزعات احتكارية عنيفة تعيد إنتاج دورات الصراع. وفي النهاية، يبقى الفارق الأخلاقي والسياسي واضحاً بين مَن يسعى إلى إنهاء الحرب بإرغام الخصم على الدخول في نظام مشترك، ومَن يسعى إلى إنهائه كلّياً. الأول يؤسّس لمستقبل قابل للحياة، أمّا الثاني فلا يفضي إلا إلى دوّامات لا تنتهي من العنف، لأنّ منطق الاجتثاث لا يعرف التوقّف عند حدّ.
المصدر: العربي الجديد






