
كان من البديهي والمتداول منذ عقود أن يكون يوم السادس من أيار عيدًا للشهداء في لبنان. مر ذلك اليوم وكأنه لم يكن ولم يكن هناك شهداء ولا من يحزنون..
السادس من أيار كان يوم أن أقدم الوالي العثماني على لبنان وسورية المجرم جمال باشا الملقب بالسفاح على تنفيذ الإعدام على عشرات المناضلين الوطنيين ولم تكن تهمتهم سوى أنهم يطالبون بدولة عربية واحدة مستقلة عن دولة ” الخلافة ” شكلا ويحكمها الطورانيون الترك دعاة العصبية القومية التركية وطليعتهم جماعة الإتحاد والترقي سلائل يهود الدونمة الذين تظاهروا بالإسلام وتسللوا في مؤسسات الدولة العثمانية إلى أن تمكنوا من سوقها في عصبية عنصرية تعادي العرب والعروبة كما تعادي الاسلام ؛ كانت نتيجتها سقوط دولة الخلافة وظهور دولة الأتراك العلمانية الحاقدة على الإسلام والعروبة معا..
الشهداء هؤلاء ، الذين أعدمهم جمال باشا السفاح في السادس من أيار كانوا تعبيرا أمينا عن وحدة الانتماء العربي والهوية العربية..كانت مواصفاتهم وما يجمعهم؛ تجسيدا لجوهر قومي عربي فوق كل العصبيات والانتماءات الإقليمية والطائفية والدينية. كانوا من أبناء بلاد الشام قبل أن يؤسس الفرنسيس الفرنجة دويلة لبنان ويسلخونها عن سورية..كانوا لبنانيين وسوريين : بلغة اليوم الإقليمية..كانوا مسلمين ومسيحيين..وكانوا سنة وشيعة ودروزا ..جمعتهم العروبة وحركهم انتماؤهم إليها ومشاعر مخلصة صادقة تتطلع إلى مستقبل عربي موحد..وهو ما كان شوكة في حلق العنصرية التركية وتحديا لها..
من هنا كان تخصيصهم بيوم ليكون عيدا لتخليد ذكراهم وأسماءهم ودورهم؛ تقديرا لبسالتهم وهويتهم الجامعة وتضحياتهم بأغلى ما يملكون فداء للعروبة الواحدة المتحررة من الوصايات والإرتهانات حتى ولو كانت لدولة مسلمة تجاور بلاد العرب في منطقة ممتدة من الجغرافيا الخصبة والإستراتيجية ..
ومنذ ان كنا صغارا ويافعين كنا نحتفل بعيدهم وتلقى علينا سيرتهم ومقومات هويتهم وانتمائهم العربي بما كان يسهم في بلورة شخصيتنا العربية وتعزيز روحية انتمائنا إلى العروبة مع كل الفخر والاعتزاز..
إلى أن جاء قرار رسمي لبناني بإلغاء هذا العيد والاحتفال به عيدا للشهداء والشهادة ..فكان قرارا أثار الكثير من الشبهات حول دوافعه الخفية وإن كان الهدف الحقيقي واضحا لا يحتاج إلى أدلة أو براهين..
لم يكن القرار البائس هذا إلا تكملة لسلسلة من الإجراءات التي بدأتها السلطات الرسمية اللبنانية لمحو آثار انتماء لبنان إلى العروبة ومسح مقومات هويته ونسخها ومحوها من عقول وأفكار اللبنانيين ولا سيما الناشئة الشبابية جيلا بعد جيل..لتفسح المساحات الشاشعة في النفوس كما في العقول للهويات ما دون العروبة من طائفية ومذهبية ومناطقية وعرقية..التي فتحت لها الأبواب مشرعة مع كل الدعم والرعاية والتسويق وصولا إلى أن ينسى الناس حتى مجرد ذكر العروبة وتاريخها وتراثها..كان المطلوب ولا يزال إستبدال العروبة بالهويات الشائنة والمشينة بكل ما فيها من تفاهة وتهافت وتخلف عقلي وإعاقة نفسية وضمور اجتماعي ..ولم يكن قرار إلغاء عيد الشهداء إلا في سياق حروب الإستبدال المتشعبة تلك..
وكان الوجه الخفي الآخر تمرير الإلغاء بحجة استبداله بعيد التحرير والمقاومة وكأن هناك من يريد أن يقول أنه لا علاقة للعروبة بالتحرير كما لا علاقة للمقاومة بالعروبة. وفي هذا تسفيه للمقاومة وتشويه للعروبة..
كان ذلك القرار تكملة لإجراءات أخرى كثيرة متعاقبة منذ أوائل سبعينات القرن العشرين تركزت فيما تركزت ، في ميادين التربية والثقافة والتعليم..منذ إنشائه تولى المجلس التربوي للبحوث والإنماء تلك المهمة القذرة ضد كل مظاهر العروبة في لبنان وتعبيراتها في الفكر والثقافة..فكان ما سنه المجلس من مناهج ” تربوية حديثة ” بداية حرب مدروسة ومتكاملة الحلقات لمحاربة العروبة في لبنان..ومحاربة لبنان في عروبته..كان الإشراف الأميركي على المجلس واضحا ومعروفا واستمر وكأنه لا يزال قائما وأضيفت إليه كل تقنيات الإعلام والقهر الدعائي ووسائله وأدواته الكثيرة..ولم يكن كل هذا بمستغرب. إنما الذي أثار الاستغراب والدهشة والتعجب كان بقاء كل مجالات التعليم والتربية وتنشئة العقول تحت الرعاية الأمريكية في كل العهود التي تعاقبت على لبنان منذ تلك السبعيات المشؤومة..ولربما تعاظمت تلك الحرب على العروبة طوال العقود الثلاثة التي وقع لبنان فيها تحت وصاية النظام السوري السابق السافل الساقط. ورغم تدخل الأجهزة السورية يومذاك في كل كبيرة وصغيرة في لبنان إلا أنها بقيت مكفوفة اليد في مجالات الثقافة والفكر والتربية والتعليم..طبعا لصالح تنشئة ورعاية وتزخيم كل دعوة تقسيمية وكل فكر مذهبي وكل عصبية شعوبية..فكان حزب البعث ( على سبيل المثال ) التابع لسورية أقل من ” شرابة خرج ” في الحياة اللبنانية سواء السياسية كما الثقافية كما الحزبية..( كما يقول المثل الشعبي اللبناني ) ..
في أحد الأيام من سنة 1996 التقيت بالمؤرخ السوري الدكتور سهيل زكار..ودار حوار بيننا حول الوضع في بلاد الشام..وكان رأيه أن سورية أخطأت كثيرا في التعامل مع لبنان لا سيما لجهة نشر فكر وثقافة العروبة فيه..وأخبرني أنه اقترح على حافظ الأسد إنشاء فرع لجامعة دمشق في لبنان لتكون بابا لكسب اللبنانيين إلى ثقافة العروبة ..ولكنه رفض الفكرة من أساسها..وحينما عرضت مؤسسة عمر المختار على المعنيين في سورية تسمية الجامعة المنوي إنشاؤها باسم الجامعة اللبنانية السورية ؛ رفضوا الفكرة أيضا..
إلى عشرات الوقائع التي بينت أن الذين فوضوا النظام إياه بالدخول والهيمنة كفوا يده عن ميدان الثقافة والفكر..في حين أطلقوا يدهم في تنشئة كل ما هو مذهبي انقسامي يشل حركة العروبة وتعبيرات العروبيين في كل مجال..وكانت إباحة أنظمة التعليم والتدريس- بكل جامعاتها الخاصة والمدارس المتناقضة المناهل والمشارب – لكل ما هو مرتهن للفكر الخارجي والثقافات الانقسامية ركنا ثابتا في تلك المراحل ولا تزال تتدفق فيها دماء الوصايات والتبعيات..
وفي كل المراحل التي أعقبت انهزام النظام السوري عن لبنان بقرار أمريكي قطعي وحاسم؛ بقي ميدان التربية والثقافة والتعليم مرهونا بتوجيهات العم سام ذاته إمعانا في خلخلة هوية لبنان وانتمائه العربي تمهيدا لاستنبات هويات بديلة وانتماءات – إرتهانات تتخطى جغرافيا الهوية العربية نشأة ومصيرا..
واستمرت ثقافة الهبوط المذهبية والطائفية تتغلغل في كل الأوساط لتخرج منها ثقافة التوحيد والانتماء القومي الجامع. تتغلغل وتتمظهر بكل انواع المؤسسات الحياتية والسياسية والإعلامية. وكأنها لا يحق لها الولوج إلى ثقافة التوحيد كما أنها قد لا تريدها ولا تجيدها أصلا..
إلى أن كان قرار إلغاء عيد الشهداء خطوة في هذا السياق ذاته. ولا يزال الجميع بعيدا عن أي حديث في ثقافة الهوية الواحدة وتوحيد الانتماء. إلى الدرجة التي لا تسمح إلا بالكاد، بأية توعية بمخاطر المشروع الصهيوني وطبيعته وخلفياته الاستعمارية في حين كل الاتساق في أحاديث وتخرصات العصبيات المذهبية بكل ما تحمله من خطر وجودي يطال الجميع ولا يستثني أحدا..
كل ما يعادي العروبة لا يخدم إلا أعداء الحقيقة والحق والعدل.







الخلافة الإسلامية العثمانية إنتهت بإنقلاب الطورانيين “جمعية الإتحاد والترقي” عام 1909 بقيادة الباشوات الثلاث “طلعت باشا، وأنور باشا، وجمال باشا” الذين قادوا الحكم بعد إجبارهم السلطان عبد الحميد بالتحي وتنصيب “محمد الخامس ” ومارسوا عنصريتهم ضد العرب بقيادة “جمال باشا” الذي نفذ إعدامات بيروت ودمشق ، ليكونوا شهداء العروبة والوطن . وعنصريتهم ضد العرب أجبرت الشريف حسين للثورة على جمعية الإتحاد والترقي وليس الخلافة العثمانية .