
ضمن مفاعيل الحراك الدبلوماسي للسياسة الخارجية السورية، وعلى مسار العلاقة السورية العربية المتحركة باتجاه الأمام دائماً، جاء هذا التحرك السوري المصري نحو إعادة رسم ملامح علاقة عربية متميزة، على هدي البناء السياسي الخارجي اللافت، الذي ما برحت تتبعه الحكومة السورية، منذ أن تم كنس نظام الاستبداد الأسدي، وإنهاء حالة الوجود المتغول على الشعب السوري، للطغمة التي كانت حاكمة في سوريا، أي مع بدايات التحرير لكامل الجغرافيا السورية في 8 كانون أول/ ديسمبر 2024.
لقد كانت العلاقات المصرية السورية على مدى التاريخ الحديث للمنطقة، تتساوق مع ما يمكن تسميته الارتباط التاريخي الذي يجمع الإقليم الشمالي مع الإقليم الجنوبي، كما يصطلح على تسميته في حقبة الوحدة الاندماجية السورية المصرية بين تاريخ 22 شباط / فبراير 1958 و28 أيلول / سبتمبر 1961، وقبل ذلك ما جمع بين البلدين أيام قدوم ابراهيم باشا بحملته إلى الجغرافيا السورية. بين هذا وذاك، وكذاك بعد تلك الحقب من التاريخ الحديث، دأبت العلاقة الشعبية السورية المصرية في حالة من الحراك والحيوية.
كانت بوابة العبور نحو إعادة إنتاج مجمل الأوضاع برمتها، والتي تؤثر بالضرورة في أنساق العلاقات الاقتصادية التجارية، وأيضاً السياسية، التي تجمع ولا تفرق، توحد ولا تفتت. وهو ما لاحظ السوريون آثاره الإيجابية خلال فترة التهجير القسري الذي عاشه معظم السوريين خلال أربعة عشر عاماً من زمن الثورة السورية. حيث وجد الشعب السوري ملجأً آمناً له، في مصر، وترحاباً جدياً شعبياً قل مثيله في بلاد اللجوء.
وهذا الأمر ساهم في بناء صرح من الاقتصاد السوري والمشاريع السورية، وتحرك الرأسمال السوري، داخل الحيز الجغرافي والمجتمعي العربي المصري. واليوم إذا كانت قد تأخرت قليلاً امتدادات وتواصل العلاقة المنجدلة، بين الحكومتين السورية والمصرية، لكن مصر كانت وعلى الدوام قبلة العرب والمسلمين. ومنهم بكل تأكيد الشعب السوري المميز ببناء العلاقات الفاعلة والمفيدة للطرفين، وانفتاحها على كل العرب وكل بلاد المسلمين.
لعل إعادة مد الجسور بين دمشق والقاهرة اليوم، هي تأكيد حقيقي على أهمية ذلك وضرورته للبلدين، وعلى حاجاته الاقتصادية والأمنية، التجارية والزراعية التبادلية. ويبدو أن ما جرى في المنطقة من حرب كبرى بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى دفع العرب إلى إعادة التلاقي من جديد، وأيضاً إعادة البناء، على أساس من الاحترام المتبادل، وتصويب المسارات، باتجاه الاشتغال الجدي على مشروع عربي أمني واسع.
مشروع يجب أن يواكب حالة الاستهداف، التي تتعرض لها المنطقة العربية، من قبل مشروعين خطرين على العرب جميعاً وهما المشروع الإيراني/ الملالي، وكذلك المشروع الصهيوني الاستيطاني الذي يهدد وجود الأمة كل الأمة. إن إعادة صياغة العلاقة اليوم بين مصر وسوريا، ضمن أتون الغوص العميق في جوانية الوجود، والبناء عليه، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، عبر صياغة شراكة جديدة تقطع مع الماضي الذي خلفه نظام بشار الأسد المجرم، الذي شوه العلاقة مع المحيط العربي والإسلامي، وانحاز إلى جانب حلف إيران/ الملالي، ثم خرب البناء التاريخي الذي بنيت على أساسه العلاقات العربية/ العربية.
لذلك فإن القطيعة اليوم باتت ضرورية مع جملة السياسات التي عمل عليها النظام المخلوع، حيث لابد من ذلك عبر الاشتغال حثيثاً على بناءات جديدة، تعيد رسم حيوات السوريين والمصريين، في مساراتها الضرورية، وضمن مفاعيل واضحة، تعمل على التوجه نحو المستقبل الجديد بكليته. من هنا فإنه يمكن القول: إن مد الجسور الجديدة مع مصر والعالم العربي، إنما تؤكد مدى وجود الوعي الموضوعي السوري الدبلوماسي لأهمية ذلك ولضرورته، من أجل المضي في عملية التنمية المطلوبة للوطن السوري، وإعادة الإعمار، التي تبتغيها الحكومة السورية.
حيث أنه لا غرو أن تمتين العلاقات بين مصر وسوريا، وبين دول الخليج وسوريا، سوف تؤسس إلى بنيان اقتصادي وسياسي، يمسك بأدواته الواضحة، ومن ثم ماهية العمل عليها، ويساهم بالنتيجة، في نمو الفعل المستدام المتطلع نحو مستقبل أكثر إشراقاً لسوريا والمنطقة العربية، لا يبتعد عن العلاقة التاريخية، ولا ينسحب منها، بل يكرس ذلك وفق المنظور الإيجابي للبناء والتطوير والتعاون ، مع المحيط العربي والإسلامي. وهذا من منطلق مفاده أن سوريا الجديدة تريد أن تبني وطناً، وأيضاً تمد يد العلاقة الطيبة مع الجميع، وهي التي لا تستعدي أحداً.
كما سبق أن أكد ذلك في غير لحظة زمنية الرئيس السوري أحمد الشرع عبر التطلع نحو المستقبل الزاهر للسوريين، والعرب والمسلمين جميعاً، بل والعالم، باعتبار أن سوريا هي جزء من هذا العالم المتغير والمتحرك، ولا ضير أنها تريد لنفسها موقعاً مميزاً ينتج بعداً إقليمياً متماسكاً ناهضاً نحو الأمام على طول المدى. وليس ذلك من السهولة بمكان، لكن تضحيات السوريين، كانت كبيرة ومريرة توخياً للوصول إلى هذا الملمح، من الحياة السياسية والاقتصادية، التي يصبو إليها السوريون جميعاً.
إن الاشتغال طويلاً على بناء علاقات سياسية واقتصادية مع العرب والمحيط الإقليمي كانت ومازالت مساراً تنتهجه الحكومة السورية وتعمل عليه، ولن تألو جهداً من أجل الوصول عبره إلى بناء سوريا الوطن الكبير المتماسك الموحد المستقر، رغم كل التحديات الصعبة والواقع الممض، الذي يعيشه الوضع السوري، ضمن واقع إقليمي متحرك، وفي أتون عمل متواصل على إنهاء الإشكالات الداخلية، التي حاولت سابقاً وضع العصي في العجلات.
المصدر: صحيفة الثورة السورية


