
منذ اليوم الأول للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، طُرح السؤال عن المساعدات العسكرية الروسية لإيران. تعددت الخلفيات التي تقف وراء طرح السؤال. منهم (خصوصاً أصحاب السوابق اليسارية البلشفية) من لا يزال على قناعة بأن روسيا هي الاتحاد السوفياتي، وأن بوتين هو “الرفيق بوتين” الذي لا يتخلى عن صديق يقاتل أميركا. ومنهم من يصدق أن روسيا بوسعها فعلاً بناء عالم متعدد القطب، بدلاً من العالم أحادي القطب بقيادة “الغرب الجماعي”. وهو الهدف الذي أعلنته روسيا لدى إشعالها الحرب على هذا الغرب عبر أوكرانيا.
من السذاجة الافتراض أن نظام الملالي يولي الصداقة مع روسيا ثقة غير مشروطة، ولا تثير الكثير من شكوكه. في السنوات التي سبقت الصفقة النووية الإيرانية، وكانت روسيا ضمن مجموعة الدول التي تفاوض إيران بشأنها وانضمت إلى عقوبات الأمم المتحدة ضد إيران، نالت روسيا من الرئيس الإيراني حينها محمود أحمدي نجاد ما يكفي من الاتهامات بخيانة إيران ومصالحها.
في حرب الإثني عشر يوماً صيف العام المنصرم، قام وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي بزيارة موسكو، حاملاً معه رسالة من المرشد الأعلى السابق علي خامنئي يطلب فيها المساعدة من بوتين. ونفى الكرملين حينها تلقيه “أي وثيقة مكتوبة”، واعترف فقط بتلقيه “إشارات معينة”.
تاريخ العلاقات بين روسيا وإيران حافل بالحروب للسيطرة على منطقة بحر قزوين وجنوب القفقاز. ولا ينسى الإيرانيون الاحتلال السوفياتي البريطاني المشترك لإيران أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث عقد مؤتمر طهران الشهير بين قادة الحلفاء العام 1943، والذي تقرر فيه فتح الجبهة الثانية في الحرب على هتلر.
زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى روسيا في 27 المنصرم، تمت ضمن جولة قام بها الوزير الإيراني إلى باكستان وعُمان، الوسيطين في المفاوضات مع الولايات المتحدة. وقرر زيارة روسيا للتحقق من إمكانية انضمامها إلى الوسطاء أيضاً، والذين تشاور معهم بشأن الرد الإيراني على الشروط الأميركية لاستئناف المفاوضات.
الخبير الروسي بالشؤون الإيرانية نيكيتا سماغين، نشر في 27 المنصرم موجزاً عن تعليقه على مقالة نشرتها قي اليوم عينه صحيفة نيويورك تايمز بمناسبة زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى روسيا.
رأى الخبير أن روسيا، وكما في السابق، تواصل توخي الحذر في المجالات التي تحتاجها إيران بشدة، لا سيما فيما يتعلق بإمدادات الأسلحة. وهي لا ترغب في تأجيج العلاقات مع دول الخليج العربية وإسرائيل وترامب، الذي لا يزال يعلق بعض الأمل على أوكرانيا. ولذلك، فإن دعمها لطهران محدود وحذر. ومع ذلك، تسعى روسيا لتعزيز أهميتها في الصراع وكسب المزيد من أدوات التأثير على الصراع. صحيح أن الكرملين يحصل على منافع جدية من احتدام الصراع نتيجة ارتفاع أسعار النفط، لكن المشكلة الرئيسية تكمن في فقدان موسكو لأي إمكانية للتأثير في مجريات الأحداث.
وكان سماغين قد نشر على موقعه في الفايسبوك في 26 المنصرم تعليقاً مفصلاً على زيارة الوزير الإيراني إلى روسيا. قال إن الزيارة تتم على خلفية الجمود في المفاوضات الأميركية الإيرانية وحصار مضيق هرمز. ورأى أن موقف إيران التفاوضي وسلوكها يشيران إلى أن طهران تعتبر المواجهة العسكرية طويلة الأمد مع إسرائيل والولايات المتحدة (وربما حتى مع دول الخليج العربية) هي السيناريو الأساسي بالنسبة لها. لذا هي بحاجة لمختلف الأسلحة، ويفضل الآن. لكن إذا لم يتسن ذلك الآن، فلا بأس من أن يكون لاحقاً، فالحرب مستمرة بشكل أو بآخر، وطويلاً.
الهدف الثاني للزيارة يتعلق بالتعاون الاقتصادي. فقد خسرت إيران الكثير بسبب دمار البنية التحتية وحجب الإنترنت والحصار البحري. كما أن العلاقات مع البلدان العربية في المنطقة لن تكون على سابق عهدها بعد تبادل الضربات. وكانت لإيران مصالح بالغة الأهمية في هذا الاتجاه، إذ كانت الإمارات من بين أكبر ثلاثة شركاء تجاريين لإيران، حيث كان حجم التجارة معها أكبر بمرتين إلى ثلاث مرات من حجم التجارة مع روسيا.
ورأى أن المطلوب من روسيا في هذا السياق، أولاً، عدم التخلي عن مشاريع البنية التحتية مع إيران. فمحطة بوشهر النووية لتوليد الطاقة الكهربائية، قد تم إخلاؤها كلياً تقريباً من قبل الروس. كما تم تعليق المشاريع المتبقية (مركز توزيع الغاز، ومشروع الطريق بين الشمال والجنوب)، ناهيك عن الخطط المستقبلية، مثل محطة الطاقة النووية الجديدة لتوليد الطاقة الكهربائية في هرمزغان. وتريد طهران أن تعود روسيا إلى هذا كله في أول فرصة سانحة.
ثانياً، قد تصبح موسكو مصدر ترانزيت حيوي بالنسبة لطهران. فإذا استمر الحصار الأميركي، فإن بحر قزوين والروابط البرية مع روسيا ستصبح من بين الطرق القليلة المتبقية لإيران إلى الأسواق العالمية.
يشير سماغين إلى أن مصالح روسيا تتطابق جزئياً مع الحاجات الإيرانية. فعلى الرغم من عائدات النفط الكبيرة التي تجنيها من الحرب مع إيران، تتمثل المشكلة الرئيسية لموسكو في أنها لا تملك قدرة حقيقية على التأثير في الوضع. علاوة على ذلك، تقوم إسرائيل والولايات المتحدة بقصف أهداف روسية في إيران من دون أي رد فعل على غضب الكرملين، وهو ما يُعد سابقة مقلقة بالنسبة لموسكو. لكن في الوقت الحالي، تحاول روسيا اختبار الوضع ببطء، من خلال زيادة التعاون العسكري التقني مع إيران تدريجياً، وذلك لتجنب استعداء إسرائيل ودول الخليج العربية وتركيا وحتى ترامب نفسه. بمعنى آخر، الكرملين على استعداد لتزويد إيران بمزيد من الأسلحة، لكن ليس بالكميات التي تطلبها. أما فيما يخص الاقتصاد، فمن المنطقي التريث في التعامل مع إيران حتى تتضح الصورة.
بعد أيام من شن الحرب الأميركية الإسرائيلية على نظام الملالي، نشر موقع haqqin الأذري في 6 آذار/مارس الماضي نصاً نقل فيه عن خبيرة بالشؤون الإيرانية قولها إن “روسيا، بمعنى ما تبدو عاجزة”.
استهل الموقع النص بالإشارة إلى أن المحللين غالباً ما يصفون العلاقات بين موسكو ونظام طهران بعبارة “الأعداء الأعزاء”. فهما، من جهة، شكلا جبهة موحدة ضد الغرب وكانا حلفاء أيديولوجيين متماسكين. ومن جهة أخرى، انخرطا في تنافس جيوسياسي حاد على النفوذ الإقليمي.
نقل الموقع عن المستشرق رسلان سليمانوف قوله في حديث لشبكة BBC بأن الأحداث التي وقعت أولاً في فنزويلا ثم في إيران، قد وجهت ضربة قوية لخطط موسكو بشأن تشكيل “نظام عالمي جديد”. فمنذ أن اجتاحت روسيا أوكرانيا، كانت تعلن عن إنشاء نظام عالمي جديد، وتحاول تعزيز نفوذها في دول الجنوب العالمي. من الناحية النظرية، تريد موسكو أن ترعى دول الجنوب العالمي، لكنها في الواقع عاجزة أمام الغرب، الذي يمثله الأميركيون، الذين يمكنهم اختطاف القادة أصدقاء موسكو وحتى قتلهم.
كما نقل عن مديرة برنامج أوراسيا في مركز دراسات حظر الانتشار النووي هانا نوت (Hannah Nott) قولها إن ما يحدث في إيران يضع روسيا في موقف غير مواتٍ. فلم تتمكن روسيا من فعل أي شيء لوقف الصراع، في حين أن ترامب يفعل ما يريد، “وبمعنى ما، تبدو موسكو عاجزة”.
لكن الباحثة تشكك في أن هذا “العجز” سيلحق الضرر بصورة روسيا بالنسبة لشركائها. إذ في العديد من دول الجنوب العالمي، لا يُنظر إلى روسيا على أنها مجرد دولة تشن حرباً ضد أوكرانيا، بل على أنها دولة تعارض الغرب الجماعي.
المصدر: المدن






