
ملاحظتان لن تجد اليوم، في أفق التحضير للانتخابات التشريعية التي ستُجرى في 23 سبتمبر/ أيلول المقبل، من يجادل في أهميتهما إلا إذا كان جاهلاً بأهمية التطورات الجارية في ساحة السياسة بالمغرب. أولها أن الجهات المعنية، وفي مقدمها وزارة الداخلية شرعت منذ فترة في التحضير لمناسبةٍ لا تُعْقَد، إذا لم تتأجل، إلا مرّة كل خمس سنوات، فاستصدرت مشروعاً “يستحضر الهاجس المتعلق بتوفير الإمكانات المالية التي غالباً ما تقف عائقاً أمام انخراط الشباب بكثافة في العملية الانتخابية، وَتَحُول، في حالاتٍ كثيرة، دون ترشحهم لعضوية مجلس النواب”، ووضعت لتنفيذه “تحفيزات مالية مهمة” لا تشترط أي انتماء حزبي في تقديمها للمترشّحين من الجنسين الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، مبرّرة هذا بمساهمة الدولة “في تغطية مصاريف الحملة الانتخابية”، اعتباراً للهدف النبيل الرامي إلى “تحفيز الشباب بدون انتماء حزبي من الجنسين على الولوج إلى العمل السياسي”.
الملاحظة الثانية موضوعها طبيعة المعارضة السياسية، في الوقت الحالي، التي يهمّها قبل وزارة الداخلية نفسها، فضلاً عن الأحزاب المشاركة في الحكومة، أن تختبر في الانتخابات البلدية والتشريعية حجم وجودها وقوته في المجال السياسي، تعبيراً عن “قوتها الاجتماعية” التي هي نسيجها والمحفز لأدوارها في النضال وفي الدفاع عن مصالحها ومصالح من تمثلهم، متى ما كانت تلك المصالح مصوغة على الوجه المطلوب تبعاً للأهداف المتوخاة في مجال الصراع الاجتماعي. وقد خص الدستور المغربي لسنة 2011 هذه المعارضة بمجموعة من الوظائف والحقوق والاختصاصات، من جملتها، في الفصل العاشر، المشاركة الواضحة في مسطرة التشريع، ومراقبة العمل الحكومي والمساءلة من خلال الأسئلة المكتوبة والشفوية، وتكوين لجان تقصي الحقائق، فضلاً عن الرقابة التشريعية على السلطة التنفيذية، وكل ما يضمن لها مبدئياً حرية التعبير والرأي… إلخ.
ملاحظتان ترتبطان بسلطة الدور التنفيذي ذي الطبيعة التقريرية الذي يقوم به جهاز حكومي من خلال الاقتراح والتطبيق وتبرير الأهمية ورسم الاختصاصات والأدوار، بما في هذا التصرّف في المال العمومي على الوجه الذي يراه لمختلف تلك الأغراض. والسؤال الذي يثار بناء على هذا: لماذا تخصيص الشباب دون سن 35 سنة بما أرادت وزارة الداخلية، هكذا بقرار فوقي، أن يَخْتَصّ به سياسيّاً وماليّاً واستقلالية، أي المشاركة في الانتخابات والتحفيز المادي وبدون اشتراط الانتماء الحزبي؟ كما أن السؤال الآخر الذي يجب أن يطرح في علاقة بالمعارضة السياسية وله قيمة خاصة فحواه: هل هناك معارضة سياسية فعلية في خريطة المجال الشرعي القائم في الحياة السياسية المغربية، بديلاً خاصّاً للديمقراطية المطلوبة (أو البرلمانية كما تقول بها فئات يسارية ممثلة في البرلمان)، تستطيع التفاعل مع المجال السياسي بما فيه من تصورات وتناقضات وصراعات، بالإضافة إلى المشاركة في الانتخابات بالصورة التي يمكن أن تضمن بها، على صعيد البرلمان، بعضاً من الحقوق المَمْنوحة لها دستورياً؟
تسعى أجهزة السلطة لتقديم “تحفيزات مالية مهمة” لا تشترط أي انتماء حزبي في تقديمها للمترشّحين من الجنسين الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، مبرّرة هذا بمساهمة الدولة “في تغطية مصاريف الحملة الانتخابية“
لن يكن الجواب عن السؤالين مفيداً إلا إذا أشرتُ إلى أنّ وزارة الداخلية، ودور جهازها التنفيذي الفاعل بوصفه سلطة تقريرية في العملية الانتخابية، جماعية وتشريعية، أصبح منذ بداية سنة 2020 مُهَيْكَلاً على ضوء اختصاصات “مبتدعة”، بحيث توسع مجالها التنظيمي بصفة شمولية أحاطت فيه بكل شيء يستحقّ، أو لا يستحقّ، التدخل كالإدارة الترابية، والحفاظ على النظام والأمن العموميين، ومواكبة “الجماعات في تدبير شؤونها”، طبقاً للنصوص والقوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، بالإضافة إلى مهام التنسيق بين القطاعات والهيئات المعنية في التنمية الترابية، وتزويد الحكومة بالمعلومات العامة… إلخ.
فَأنْ تعمد وزارة الداخلية، بحرص من الدولة، على “ترشيد” العملية الانتخابية من خلال دعم الفئة العمرية الأقل من 35 سنة، وصرف قدر من المال العام على هذا الإجراء الذي ستكون له، في تلك العملية الانتخابية، نتائج فعلية وملموسة، لا يمكن فصله بطبيعة الحال، مهما كان الاختصاص والدافع، عن الاختيارات السياسية التي تقرّرها الدولة، ونظامها السياسي، للتحكّم في أوضاع المجتمع وفي تعبيراته السياسية وإخضاعهما معاً للسلطة التنفيذية على قاعدة الإلزام-الموالاة. وقد لا يكون الهدف من هذا، وإن بصورة غير ميكانيكية، إلا العمل، أو المساعدة، على “توليد” نخب جديدة، أو تجديد ما تقادم منها، وتحويلها إلى “قوة تشريعية” تجعل منها الدولة، من خلال الجهاز التنفيذي، قوة إسناد أساسية لكل فعلٍ حكوميٍّ مرسوم في الاختيارات العامة التي يفترضها النظام الحاكم لكل تطور أو ثبات، الانفتاح على الديمقراطية في علاقة بأزمة بنيوية ما، أو الرسوخ في الاستبداد لمزيد من إحكام الهيمنة والإجبار. ولن يكون هذا في مصلحة المعارضة السياسية مبدئياً ونظرياً، كما لا تستطيع هذه المعارضة مقاومة أي اختيار تقريري بالطريقة الدستورية المتاحة حتى ولو كانت معارضة فعلية وذات أهداف ديمقراطية، لأنها أقلية محكومة بالاختصاصات ذات الطابع الحصري (exclusive jurisdictions) التي للأغلبية في كل شيء. والأهم من هذا وذاك أن السلطة التشريعية التي للبرلمان في الدستور المغربي (الفصل 70 على وجه الخصوص) مُلْزِمَة، على نحو ما، للقبول والمصادقة على كثير من القرارات والإجراءات في القضايا الوطنية (الصحراء مثلاً) والسياسية العامة، التي “يُشرٍّعها” الجهاز التنفيذي، أي من خارج سلطتها التشريعية، ويهيمن بها قصداً، رغم فصل السلطة النظري، تبعاً للأهداف التي يتوخاها نظام الحكم، أو يريد إقرارها في شتى مناحي الحياة العامة بالمراسيم الإدارية اللازمة الملائمة.
أقوى المعارضات السياسية هي التي ظهرت وتطورت وانتشرت وحققت أهدافاً قصوى في ظل أنظمة غير ديمقراطية تماماً، أو هي استبدادية بشكل صريح
وأهمية الملاحظة المتعلقة بالمعارضة السياسية في المغرب أنها تطرح اليوم سُؤالين، في الجواب عنهما تكمن الأهمية المعلقة باستمرار على دور تلك المعارضة في البناء الإصلاحي (أو التغيير) على صعيد المجتمع، خصوصاً أن دورها، من خلال الانتخابات، غالباً ما يرمي إلى احتلال الموقع التمثيلي الذي يُحَوِّلُها، في الشروط العادية، إلى سلطة منتجة وفعالة اعتماداً على الاختيارات التي تتبنّاها والتوجهات السياسية التي تُمَكِّنُها من تلك السلطة.
يمكن للملاحظ أن يصوغ سؤاله الأول بطريقة سلبية، قائلاً: هل يمكن اعتبار المعارضة في المغرب، كما هو الحال في دُوَلِ المؤسسات، ضمانة لاستقرار الديمقراطية، والحال أن نظام الحكم الذي يُشَرِّعُ للحياة السياسية ويتحكّم في النظام الانتخابي (من خلال التقطيع واللوائح… إلخ) ليس ديمقراطياً، بل شرعيٌّ يقوم على البيعة وإمارة المؤمنين والولاء الوطني وسوى ذلك؟ والمعارضة نفسها تتقيد بما يتقيد به المجال الشرعي المحكوم بقضايا الأمة والوطن، أو السيادة والوحدة، أي ذلك الزَّوْج التلفّظي الذي نجد تكثيفاً له في الشعار التاريخي المعروف (الله، الوطن، الملك).
يمكن طرح السؤال الثاني بصيغة إيجابية للقول إن الإقرار بأن المعارضة السياسية لا تقوم إلا في النظام الديمقراطي، وهو قول دستوري مبني على طبيعة الأنظمة الديمقراطية الغربية، ويحيل على رسوخ وفعالية المؤسسات التمثيلية المنتخبة انتخاباً نزيها، لا يمكن الاستئناس به كَحُكْمٍ مطلق، لأن أقوى المعارضات السياسية هي التي ظهرت وتطورت وانتشرت وحققت أهدافاً قصوى في ظل أنظمة غير ديمقراطية تماماً، أو هي استبدادية بشكل صريح لا شأن لها بقيام الديمقراطية على أي وجه من وجوهها. معارضات سياسية غير شرعية من وجهة نظر القانون السائد، ولكنها شرعية بحكم مَدَدِهَا الشعبي ودورها الاجتماعي والسياسي.
الجهاز التنفيذي سوف يكون له الدور الفعال في “صناعة” شكل من أشكال الخريطة الانتخابية المرجوّة بمواصفاتٍ لم تألفها النخب السياسية مِنْ قَبل
النتيجة السياسية المنطقية المترتبة عن الملاحظة الأولى أن الجهاز التنفيذي سوف يكون له الدور الفعال في “صناعة” شكل من أشكال الخريطة الانتخابية المرجوّة بمواصفاتٍ لم تألفها النخب السياسية مِنْ قَبل (منع المترشّحين المحكوم عليهم في قضايا فساد، تشديد العقوبات الجنائية ضد الجرائم الانتخابية، تزوير النتائج، أو استعمال المال، أو الأخبار الزائفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، تحفيزات مالية مهمة للوائح التي تضم شبابًا دون 35 سنة، تخصيص دوائر جهوية للنساء فقط، رقْمَنَة مساطر الترشيح والتصويت بالوكالة، السماح للمجلس الأعلى للحسابات بتتبع نفقات الحملات الانتخابية).
ولن يكون للمعارضة السياسية في الملاحظة الثانية التي بلورتُهَا سابقاً، خصوصاً في علاقتها بمشروع تعديل قانون الأحزاب (القانون التنظيمي 29.11)، أي دور ملموس لتعديل تدخل الجهاز التنفيذي، أو معارضته، في العملية الانتخابية برمتها، لأنها، بحكم طبيعتها البرغماتية الممعنة في المساومة والتزكية، فقدت أدوارها “التقليدية” التي كانت مرتبطة بها في ثلاثة اتجاهات متكاملة: المجال السياسي، من خلال المطالبة بالديمقراطية والحرية والتقدّم. المجال الاقتصادي، من خلال التنديد بالاستغلال والحيف وكل مظاهر التفقير والتفاوت التي أصابت الفئات الدنيا من المجتمع. المجال الرمزي، أي من خلال الدفاع عن القضايا ذات الطبيعة الفكرية والثقافية والحقوقية، والإنسانية بعامة، في مواجهة السلطة الأيديولوجية المحافظة وتقاليدها البالية الراسخة في المجتمع.
المصدر: العربي الجديد






