انتخابات فلسطينية… تحوّلات أعمق من الصناديق

ريما كتانة نزال

             

كشف إجراء الانتخابات المحلّية في الضفة الغربية (ودير البلح في قطاع غزّة) في إبريل/ نيسان الجاري، تحوّلاتٍ لم تعد في إطار التوقّع أو التحليل النظري، بل باتت مثبّتةً بأرقام ونتائج ملموسة. فما كان يُناقش سابقاً بوصفه فرضياتٍ حول التأثير السلبي للقانون الجديد، أصبح اليوم حقائقَ قابلةً للقياس والتفكيك.

لقد وضعتنا النتائج أمام مستويين من القراءة: ما تعكسه الأرقام بشكل مباشر من اتجاهات التصويت ونسب المشاركة وتوزيع القوائم. وما تخفيه هذه الأرقام في طيّاتها من دلالات أعمق تتّصل بطبيعة التحوّلات الاجتماعية والسياسية، وبمدى قدرة القانون الانتخابي الجديد على إعادة تشكيل الحقل والساحة السياسية.

وإذا ما انتقلنا من العموم إلى الأرقام، تكشف النتائج صورةً أكثر حدّةً ممّا كان متوقّعاً. ففي مدن كبرى مثل نابلس، حيث عدد من يحقّ لهم الاقتراع نحو 89 ألفاً، تشكّلت قائمة واحدة فازت بالتزكية، وكذلك الحال في رام الله مع نحو 23 ألف ناخب. وفي قلقيلية، لم تترشّح أيُّ قائمة وأدارت ظهرها للانتخابات. وحيث جرت الانتخابات فعلياً، كما في دير البلح، التي تُحسب انتخاباتها نقطةً إيجابيةً لصالح لجنة الانتخابات المركزية، فقد بلغت نسبة التصويت نحو 22% فقط، وهي نسبة متدنّية تعكس عزوفاً واضحاً. وبصورة إجمالية، لم يتوجّه أكثر من مليون ناخب في المحافظات الفلسطينية منهم إلى صناديق الاقتراع سوى ما يزيد قليلاً على نصف عدد الناخبين، بواقع 512.410 من أصل مليون و40 ألف ناخب/ة، وبنسبة تقارب 53.44%، وارتفاعها يُعزى عموماً للمجالس القروية.

لا يمكن قراءة هذه الأرقام بوصفها مجرّد نتائج انتخابية، بل مؤشّرات سياسية واجتماعية على تآكل الحماسة للمشاركة، واهتزاز الثقة بجدوى العملية الانتخابية ذاتها، عدا عن أسباب أخرى تتوزّع على العزوف والمقاطعة السياسية. ولا يمكن فصل النتائج عن أثر القانون الانتخابي الجديد، الذي لم يقتصر تأثيرُه على شكل القوائم وآليات الترشّح، بل امتدّ ليعيد تشكيل السلوك الانتخابي نفسه في سياق فلسطيني مُحبَط، وهي النتائج التي تثير القلق بسبب طمس التعدّدية السياسية لمصلحة التعدّدية العائلية، وبسبب إسهام القانون في بناء العلاقات المصلحية الضيّقة. ما انعكس في بعض ممارساتٍ شهدتها العملية الانتخابية، وفي مقدّمتها مطالبة مرشّحين الناخبين بتصوير ورقة الاقتراع دليلاً على التصويت.

نسبة مشاركة المرأة في القوائم بلغت نحو 33%، وهي نسبة متقدّمة، بل تتجاوز الحدّ الأدنى الذي تفرضه “الكوتا

وفي مستوى أعمق، تعكس النتائج التحوّلات الجارية، وتعميقها من صنّاع القانون، بهدف إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني لتغييره، وهو ما لا يمكن تجاهله أو اختزاله في السياق الانتخابي فقط، أو في مصالح الحزب الحاكم. فالقانون الجديد، بصيغته الحالية، لم يُضعِف التعدّدية فقط، بل أسهم فعلياً في إقصاء الأقلّيات الحزبية وبرامجها السياسية، لوضعها في يد البنى العشائرية ومصالحها الضيقة.

جاءت النتائج في ظلّ مقاطعة رسمية من قوى المعارضة، وإن لم تكن مطلقةً، إذ شاركت بعض قواعدها بشكل غير منظّم أو عبر بوابات محلّية، ما أضفى على العملية الانتخابية طابعاً جزئياً من حيث التمثيل السياسي، وكرّس حالة الغياب شبه الكامل للتنافس السياسي الحقيقي. وهو ما يثير القلق فيما إذا ما استمرّت الأمور نحو اعتماد النظام الانتخابي نفسه في قوانين انتخاب المجلسَين الوطني والتشريعي. لقد أكّدت المعطيات هذا الاتجاه بوضوح؛ إذ لم تتجاوز نسبة القوائم ذات الطابع الحزبي 12% فقط، وهي في معظمها محسوبة على القوائم الرسمية لحركة فتح، ما يعني أنّ الغالبية الساحقة من القوائم جاءت من خارج الأطر الحزبية التقليدية، وبمرجعيات محلّية أو عائلية أو توافقية. وفي إضافة أخرى، لم يتمكّن القانون المُختلَط من تحقيق الهدف الخاص بتوحيد قوائم حركة فتح وإنتاج حالة سياسية أكثر تماسكاً، بل أظهرت النتائج استمرار التشتت الداخلي. وهكذا، وبين إقصاء الأقلّيات وعجز الأكثريات، ومع مقاطعة واضحة لحركة حماس وغيرها، ومشاركة أطرافها، تتشكّل ملامح مشهد جديد تميل فيه الكفّة لمصلحة البنى الاجتماعية التقليدية على حساب العمل السياسي المنظّم.

ملامح مشهد تميل فيه الكفّة لمصلحة البنى الاجتماعية التقليدية على حساب العمل السياسي المنظّم

في قراءة أخرى خاصّة بتمثيل المرأة، أظهرت النتائج أنّ نسبة مشاركة المرأة في القوائم بلغت نحو 33%، وهي نسبة متقدّمة، بل تتجاوز الحدّ الأدنى الذي تفرضه “الكوتا”. إلا أنّ هذه النسبة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها القانوني والسياسي والاجتماعي (من دون تفسير حاسم من كاتبة هذه السطور بانتظار أبحاث أكثر عمقاً) وأنّها قد جاءت نتيجة أنماط تصويت معقّدة؛ إذ دعمت بعض الأصوات النسوية من النساء والرجال المرشّحات، فيما استفادت أخرياتٌ من الثقل العائلي الذي يشكّل عاملاً حاسماً في هذا النوع من الانتخابات، من دون تجاهل سلوك انتخابي لافت لدى بعض الناخبين، وخصوصاً من الذكور داخل القوائم، تمّثل في توجيه أصواتهم نحو المرشَّحات، ليس بالضرورة دعماً لتمكين النساء، بل خيار تكتيكي لتفادي ترجيح كفّة منافسين مباشرين لهم من الرجال داخل القائمة، انطلاقاً من افتراض أنّ النساء أقلّ منافسةً على المدى السياسي. لذلك، ينبغي عدم قراءة التقدّم الكمّي مؤشّراً على تحوّل في البنية الذهنية والثقافية. وفي كلّ الأحوال، تمكّن هذه النتيجة الحركة النسائية من الاستناد إلى المعطيات في مطالبها لتعزيز ورفع “الكوتا”.

وفي سياق التحوّلات الأعمق، يبرز بوضوح أثر إدخال الشرط السياسي في العملية الانتخابية، ليس معياراً تنظيمياً فقط، بل أداة لتكريس التفرّد بالقرار وإعادة هندسة الحقل السياسي، تقوم على إقصاء الشركاء الطبيعيين والتاريخيين من فصائل منظمة التحرير، بدلاً من تعزيز الشراكة التي شكّلت جوهر النظام السياسي الفلسطيني عقوداً. وإذا ما تم تعميم نهج الشرط السياسي على قانون انتخاب المجلس الوطني، يكون من شأنه خلق مخاطر جدّية على وحدة الشعب الفلسطيني ومستقبله.

في المحصّلة، لا تبدو هذه الانتخابات مجرّد استحقاق محلّي عابر، بل محطّة كاشفة لعدم تناسب القانون مع الحالة الفلسطينية. فبين أرقامٍ تعكس عزوفاً واضحاً، وقانونٍ لم ينجح في تعزيز التعدّدية، وتمثيلٍ نسوي يتقدّم شكلاً ويتأخّر مضموناً، تتجمّع مؤشرات لا يمكن تجاهلها.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى