عون والحزب يتفهّمان الاصطفافات: الصّدام مؤجل

نور الهاشم

لا يتلاءم التسعير السياسي القائم في مواقع التواصل الإجتماعي، مع الوقائع والاتصالات السياسية التي لم تتوقف، منذ شهرين، على خلفية الحرب وخيارات “حزب الله”، كما خيارات الدولة اللبنانية. فالطرفان، يتفهّمان مواقف بعضهما البعض، وينتظران انجلاء الصورة التي تتشكل في واشنطن وطهران وإسلام آباد.

منذ 2 آذار/مارس الماضي، بدأ صراع سياسي موازٍ للحرب التي أطلقها “حزب الله” ضد إسرائيل، واختلفت سردية الحزب من “الثأر لاغتيال الخامنئي” إلى “الدفاع عن لبنان”.. فيما اعتبرت السلطات اللبنانية أن الانخراط في هذه الحرب، يناقض كل الالتزامات التي قدمها الحزب للحكومة وللرئيس جوزيف عون، مما دفعهما لاتخاذ المواقف المناسبة، وكان أبرزها مقررات جلسة 2 آذار التي جرّمت القتال، وفصلت بين جناحي الحزب العسكري والسياسي.

خياران اضطراريان

استعر الخلاف السياسي، وتصاعدت التصريحات، لكنها لم تخرج عن إطار تفهم الطرفين لبعضهما البعض. فالحزب يدرك أن الظروف تغيرت، وأن الدولة التي تولت التفاوض في وقت سابق، لا خيار أمامها اليوم سوى التفاوض.. أما الدولة، فتدرك أنه لا خيار أمام الحزب إلا القتال.

الطرفان يعطيان الفرصة لبعضهما البعض، بمعزل عن التشنج والتصعيد السياسي، ذلك أن أي نتيجة يحققها أي منهما، ستؤدي الى وقف الحرب والانسحاب الاسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وبالتالي، ستؤسس لمسار سياسي آخر داخل لبنان.. بمعنى أن مَن ينتصر خياره، سيفرضه على المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.

التفهّم عملياً

يُستدلّ الى هذا الواقع من مؤشرين: الدولة لم تمنع القتال ضد الاحتلال، كما أن الحزب لم يواجه خطوة التفاوض، بل حاول تليين مسارها من خلال عدم الذهاب الى تفاوض مباشر. في المعطى الأول، أوقفت الدولة ملاحقة مقاتلي الحزب بعدما أوقفت عدد من المسلحين وأفرجت عنهم في وقت لاحق. هي سلّمت بأن هذا الخيار أمر واقع، ويمكن أن يؤدي الى نتيجة، من دون أن تتبنى الخيار القتالي.. كذلك فعل الحزب الذي لم يواجه خطوة التفاوض بالمطلق، بل تحفّظ على التفاوض المباشر، لكنه في الواقع لم يمنعه.

تكامل المسارات.. وانحسارها

والخياران اللذان يتصادمان إعلامياً في هذا الوقت، من دون أن تترتب على التصعيد الإعلامي بينهما أي مفاعيل عملية، كانا في وقت سابق متكاملان. في حروب 1993، 1996، 2006، و2024، كذلك في ترسيم الحدود البحرية في العام 2022، كان الخياران متكاملين: حزب يقاتل بغطاء سياسي، ودولة تفاوض بتنسيق مع الحزب..

الآن، وصلت هذه التجربة الى نقيضها. لم يعد التكامل بين القتال والتفاوض قائماً، كذلك التعايش بين فكرة الدولة وفكرة المقاومة. باتت الأولى جزءاً من مشروع سياسي، والثانية كذلك.. خطان متوازيان لا يلتقيان، لكنهما يتسابقان لتحقيق وقف إطلاق النار، كل من وجهة نظره. الحزب يضغط بالنار، للقول إن المقاومة (خيار القتال) ما زال الأنجع.. وفي المقابل، تسابق الدولة بخيار التفاوض، للإثبات بأن الدبلوماسية هي الخيار الأنجع.

خسائر

والحال أن الخيارين، تترتب عليهما خسائر. خيار القتال، محكوم بخسائر في الأرواح والممتلكات، فضلاً عن توقف دورة الحياة والاقتصاد وتشريد المدنيين في عز أزمة مالية مستمرة.. أما خيار التفاوض العازم على الوصول الى اتفاقية سلام، فيهدد علاقات لبنان العربية، والتضامن الداخلي حول الدولة. في الواقع، يعرّف كل من الخيارين، المشروع السياسي للبلد وهويته، لذلك لا يمكن لأي منهما أن يفوز من دون أن تترتب على فوزه تداعيات داخلية.

رغم ذلك، لا يصطدم المشروعان في هذا الوقت. لقد أخّرا المواجهة الى ما بعد فوز أحدهما. يمضي كل منهما في تطبيق خياره، ريثما يحقق نتيجة فعلية. ومن الآن حتى تظهر النتائج، يتواجه المشروعان في الإعلام، ويعبّئ كل منهما جمهوره ويستقطب المناصرين.. أولئك الذين يمكن أن يكونوا وقود الصدام في المرحلة التالية.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى