
يمثل “حسن إسماعيل عبد العظيم” الانسان، المحامي، المناضل، والسياسي، نموذجا من الرجال الذين رهنوا حياتهم دفاعا عن حق أمتهم في حياة كريمة عزيزة، وحقها في دولة تتسع لآمالها ودورها ومكانتها وفاعليتها الحضارية، وعلى طول الطريق الذي قطعه في هذه الحياة وقف في معارك العمل السياسي، كما في ساحات القضاء إلى جانب القطاع الأوسع من هذه الأمة، فقراءها وأصحاب الدخل المحدود فيها، الذين كانوا دائما عمادها في النهوض، وأداتها في البناء، ومنبع قوتها الرئيسية في التصدي لكل قوى البغي والعدوان، ولكل قوى الطغيان والاستبداد، ولكل قوة التفتيت والفرقة والطائفية.
حسن إسماعيل عبد العظيم، ابن بلدة حلبون التابعة لمنطقة التل في ريف دمشق، الذي غادر هذه الحياة عن أربعة وتسعين عاما، كان عنوانا من عناوين العمل الوحدوي ثم الناصري في سوريا، قبل تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي، وحين ولد هذا التنظيم. وعاء للحركة الناصرية، ورفضا لجريمة الانفصال، كان من أعمدته الرئيسية، وتقدم في سلم المسؤولية والمكانة والدور، حتى أصبح أمينا عاما مساعدا للحزب في العام 1985، ثم تولى منصب الأمين العام عقب رحيل الدكتور أمينه العام جمال الاتاسي في 21 مارس من العام 2000. لذلك فإن “أبا ممدوح” كان حاضرا في كل ما يذكر لهذا التنظيم، وما يسجل له من مواقف ونضالات ومعارك، كانت الراية التي ترفرف فوق رأسه هي راية وحدة الأمة، وتحررها، والعمل على بناء قوتها، وكان مجسدا لمواقف حزبه في صلابة التصدي للبعث ومن ثم لنظامه على اختلاف المراحل التي مر بها هذا النظام منذ 28 أيلول / سبتمبر 1961، ومن ثم انقلاب 8 آذار / مارس 1963، وحتى سقوط هذا النظام في العام 2024.
وعلى طول هذا المسيرة دخل سجون البعث في كل مراحله: القيادة القومية “حتى شباط / فبراير العام “1966، والقيادة الشباطية ” حتى تشرين ثاني / نوفمبر 1970″، والقيادة الأسدية بوجهيها الأب والابن حتى تم كنس هذا النظام من خلال عملية ردع العدوان عام 2024. وكان نعم الممثل لخط حزب الاتحاد، ولمواقفه وقناعاته.
وإذ التزم تحت قيادة الدكتور جمال الاتاسي خط الاتحاد بالعمل على بناء جبهة عمل وطني تضم كل القوى السياسية السورية وتعمل من خلال النضال السياسي المتصاعد على إخراج سوريا من ظلمة ديكتاتورية حزب البعث، فإنه استمر ملتزما بهذا النهج بعد ذلك، فقاد الاتحاد في كل محاولات التي بذلت لبناء المعارضة الوطنية وصولا إلى “هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي”، فكان المنسق العام لها، ورغم المخاطر التي كان يتعرض لها منذ بدء الحراك الثوري في سوريا في العام 2011، ورغم عمليات القتل والخطف والاخفاء القسري التي طالت عددا من رفاقه في قيادة هيئة التنسيق من أبرزهم رجاء الناصر والدكتور عبد العزيز الخير، فإنه رفض كل العروض والاغراءات والضغوط لمغادرة البلاد، متمسكا بحقيقة أن إفراغ الساحة السورية من قيادات المعارضة خطيئة لا يجوز الوقوع فيها، فكان بذلك الوجه البرز للمعارضة الداخلية.
حينما نذكر أن أبا ممدوح ابن حلبون، لا نذكر ذلك لمجرد التعريف، وإنما لنقول إنه ابن ريف دمشق، ابن منطقة التل وجبال القلمون، حيث يولد الانسان في ظل الطيبة والصلابة والصدق والكرم، والخلق الإسلامي السمح، وفي ظل الانتماء الطبيعي غير المتكلف إلى الجغرافيا والتاريخ، إلى التنوع بمختلف مظاهره. ولعل ما ساعده على المحافظة على هذه الطبيعة رفيقة عمره “أم ممدوح” التي سبقته الى دار الخلود في العام 2012، وقد كانا يتنافسان في إظهار هذه الطبيعة في العلاقات الإنسانية مع جميع من يتصل أو يحتك بهما.
يُذكر لأبي ممدوح على امتداد حياته أنه كان يتمتع بقدرة “الجمع والمواءمة، والبحث عن المشترك” من خلال ميزان دقيق تملكه بالطبيعة أو الخبرة، ميزان يفرق بين ما هو جوهري، وما هو ثانوي. ما هو مرحلي، ما هو استراتيجي. ما يمكن التغاضي عنه، وما يجب الوقوف عنده. ولأن معظم القضايا التي تثير الخلاف في الحياة السياسية والاجتماعية هي من قبيل “الثانويات”، فإنك غالبا ما تفتقده في مواقف الخصومة والشقاق، وتجده حاضرا وفعالا في مواقع الجمع المواءمة والتوحيد.
وأقدر أن هذه الميزة للراحل ذات صلة وثيقة بأصله الريفي، وبتربيته الإسلامية التي تتفهم بحق معنى “الوسطية، والحسنى”، وبالتزامه القومي الوحدوي “الناصري” القائم على جمع عرى الأمة وتوحيدها.
لا شك أن كل دراس للحياة السياسية في سوريا على امتداد العقود الستة الماضية ستبرز أمامه شخصية “حسن إسماعيل عبد العظيم” كإحدى الشخصيات التي لم يغب حضورها ولا تأثيرها ولا جهودها في مسار التصدي للتجزئة، والاستبداد، والفساد، والطائفية.
في الزمن القادم، وكلما مررنا بدمشق سنفتقد أبا ممدوح، ولعل من بشائر الخير لهذا الشيخ المناضل أنه لم يغادر الحياة إلا بعد أن منً الله عليه برؤية البلاد وقد تخلصت من “الحكم والسلطة والقوة الطاغية الباغية” التي وقف عمره كله يتصدى لها، ويعمل على التخلص منها.
25 / 4 / 2026






