باكستان تحاول أن تصبح مركزاً جديداً للسياسة الإقليمية

يوليا يوزيك

تصدرت العاصمة الباكستانية إسلام آباد عناوين الصحف العالمية في نيسان/ أبريل، حيث اتفق ممثلو الطرفين المتحاربين، إيران والولايات المتحدة، على اللقاء فيها. أما لماذا عهد دونالد ترامب بعملية تفاوض معقدة كهذه إلى باكستان، فالأمر كله يعود إلى علاقته الشخصية التي تطورت بشكل غير متوقع مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير.

وللتذكير، فإن باكستان ومنذ أن تأسست في العام 1948، كان الجيش هو مركز السلطة فيها، والقائد الأعلى للجيش هو الشخصية الأولى والأقوى في البلاد. وباكستان نفسها، التي أنشأ البريطانيون بشكل أساسي جيشها وجهاز استخباراتها، تُعتبر في جوهرها مركزاً متقدماً للندن وواشنطن في غرب آسيا. وكان رؤساء وزراء باكستان في أغلب الأحيان يتلقون تعليمهم ويعيشون في بريطانيا، بينما النخب العسكرية يتم تدريبها في الولايات المتحدة.

مع كل رئيس أميركي جديد، كانت النخب الباكستانية  تطورعلاقتها الخاصة التي شهدت صعودًا وهبوطًا. وأحيانًا كانت تنجرف نحو الصين، التي لديها مشاريع بنية تحتية ضخمة على الأراضي الباكستانية، مثل مبادرة حزام واحد ــ طريق واحد.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، أصبح الجنرال عاصم منير القائد الحادي عشر للجيش الباكستاني. وقد ولد عام 1968 في إقليم البنجاب، وتلقى تدريبه العسكري في باكستان وماليزيا واليابان، في قاعدة لقوات الدفاع الذاتي البرية التي تقع عند سفوح جبل فوجي. وعلى الجانب الآخر من الطريق يوجد معسكر تابع لقوات مشاة البحرية الأميركية. وقد تولى منصبه وسط أزمة سياسية حادة في البلاد، حيث قام الجيش بإزاحة رئيس الوزراء عمران خان من منصبه قبل الأوان عملياً، وواجه أزمة عميقة مع حركة طالبان في أفغانستان.

لقد أثبت منير أنه دبلوماسي ماهر، إذ شرع سريعاً في محاولة تحسين العلاقات مع كل من لندن وواشنطن في آن واحد (مع اختلاف أهدافهما واستراتيجياتهما رغم شراكتهما الاستراتيجية)، ساعياً، إن صح التعبير، إلى الجلوس على كرسيين. لكن نجم الجنرال سطع في الحقيقة مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض. خلال فترة ولايته الأولى، كانت تربط ترامب علاقات ممتازة مع رئيس الوزراء السابق عمران خان، وكان من المتوقع أن يصر فريقه على إطلاق سراح رئيس الوزراء، الذي كان محتجزاً لدى الجيش، من السجن. وكان هذا الأمر يعد منير بمشاكل جدية، لذلك فعل كل ما في وسعه لنيل إعجاب ترامب.

في أيار/ مايو 2025، اندلعت فجأةً حربٌ بين الدولتين النوويتين باكستان والهند، واستمرت أربعة أيام فقط. وقد توقفت بتدخل ترامب ومطالبته باكستان بإنهائها. وعقب الحرب، منح عاصم منير نفسه رتبة فيلد ماريشال، ليصبح ثاني فيلد ماريشال في تاريخ باكستان يحصل على هذه الرتبة، كما رشّح منير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ترامب لجائزة نوبل للسلام باعتباره صانع السلام الأبرز في العالم.

إثر ذلك، عرض منير على عائلة ترامب وشركتهم للعملات المشفرة، وورلد ليبرتي فاينانشال (World Liberty Financial) شراكة مع شركة العملات المشفرة التابعة للدولة الباكستانية. وحمل معه إلى اجتماع مع ترامب في البيت الأبيض حقيبة ضخمة مليئة بعينات من معادن مختلفة، حيث أقنعه بأن باكستان هي المخزن الطبيعي الرئيسي لجميع المعادن الثمينة على الأرض، إضافة إلى النفط والغاز. وذكرت مجلة نيويوركر أن ملايين الدولارات أُنفقت على شركات اللوبي المقربة من ترامب. ويضاف إلى ذلك أن زوجة عاصم منير، إرام، تنتمي إلى الطائفة الشيعية الباكستانية الموجودة بكثرة في المدينة الساحلية كراتشي، التي تقع جنوب البلاد، وتُعد أكبر مدينة وميناء رئيسي في باكستان على ساحل بحر العرب.

لذلك، ليس من المستغرب أن تصبح إسلام آباد مركزاً للسياسة العالمية في نيسان/  أبريل، حيث اجتمعت وفود دولية ضخمة من الولايات المتحدة وإيران والمملكة العربية السعودية والصين وغيرها الكثير في فندق سيرينا في الفترة من 10 إلى 12 الشهر الجاري. بل وأمر منير بمرافقة طائرات قاذفة لمرافقة الطائرتين الإيرانيتين اللتين أقلتا المفاوضين. لكن للأسف، لم تسفر المفاوضات عن أي نتيجة. وغادر نائب الرئيس فانس الاجتماع فجأة ليلة 12 الجاري، مباشرة بعد انتهائه، معلناً أنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق.

قبل ذلك بوقت قليل، كان قد توجه إلى إسلام آباد على وجه السرعة وفد آخر من طهران، يتألف من جنرالات الحرس الثوري الإيراني، الذين يمثلون السلطة الفعلية في إيران اليوم.

تمسك الأميركيون بالمواقف نفسها تقريباً التي كانوا عليها قبل الحرب. ودفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بأجندة التوصل إلى اتفاق محتمل، لذا كان من المنطقي أن ينتهي الأمر بالفشل. لكن بعد بضعة أيام، أعلنت إسلام آباد والولايات المتحدة أن الجولة الثانية من المحادثات ستعقد مرة أخرى في غضون أسبوع. وفي هذا الأسبوع بالذات أرسلت باكستان دفعة من الطائرات المقاتلة والطيارين إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في المنطقة الشرقية من السعودية.

ليس سراً أن باكستان والسعودية وقعتا اتفاقية شراكة عسكرية استراتيجية في أيلول/سبتمبر 2025، تدفع بموجبها السعودية لباكستان أموالاً، مما يضعها تحت المظلة النووية الباكستانية ويوفر لها الحماية العسكرية. وكان توقيت إرسال الطائرات المقاتلة إلى السعودية (والتي من الواضح أنها ليست وسيلة ردع أو دفاع، بل وسيلة هجوم، على غرار سلاح الجو الإسرائيلي) بدعم فني من الجيش الباكستاني، سبباً لإثارة قلق الإيرانيين.

أمضى عاصم منير يومي 16 و17 نيسان/ أبريل في طهران، حيث التقى بوزير الخارجية ورئيس البرلمان باقر قاليباف وقيادة الحرس الثوري الإيراني. وقد حملوه رسالة واضحة إلى ترامب مفادها أنه يجب عليه رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية (والذي كان جزءًا من الجولة الأولى من الاتفاقات المتبادلة بعد إسلام آباد: إيران ترفع الحصار عن مضيق هرمز طوال فترة وقف إطلاق النار، وترامب يرفع الحصار عن الموانئ الإيرانية).

التزمت إيران بالجزء الأول من الاتفاق، لكن ترامب لم يفعل. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن عاصم منير نصح الرئيس بأنه إذا أراد المضي قدماً في المفاوضات، فعليه تنفيذ هذا الاتفاق. شكره ترامب على النصيحة، لكنه تمسك بموقفه.

لا بد هنا من التساؤل: هل ستستمر محادثات إسلام آباد؟ إيران، أو بالأحرى الحرس الثوري الإيراني، متشككة بذلك، وعلى الرغم من المصافحات والأحضان مع “شقيقها الباكستاني العزيز”، إلا أنها تبلغ الرسالة من خلال مسؤوليها. فقد صرح يوم الخميس أمير حسين هاشمي، الرئيس السابق لصندوق الشهداء (وهي مؤسسة خيرية تملك مليارات من الأصول وتسيطر عليها قوات الحرس الثوري الإيراني)، قائلاً: “باكستان، وبسبب اعتمادها المالي على السعودية والنفوذ الأميركي الكبير في أجهزة الأمن والجيش في البلاد، ليست دولة مناسبة للوساطة”. وأضاف: “إن وجود الأجهزة الأمنية والمالية الإماراتية في بلوشستان الباكستانية ودعمها للجماعات الانفصالية جعل البلاد (باكستان) بيئة غير مناسبة للمفاوضات”.

ولربما يقول الإيرانيون لأنفسهم: إذا كان مثل هذا الفيلد ماريشال المبجل في الجيش الباكستاني غير قادر على تغيير موقف ترامب بأي شكل من الأشكال، فما جدوى الترويج لباكستان والمخاطرة بالأمن من خلال الطلعات الجوية الأمنية.

وهكذا، فإن ضباب الحرب حاليًا أشدّ وطأةً من أيَّة مبادرات سلام، وهو يتجمع الآن فوق مياه مضيق هرمز.

وسننتظر لنرى ما إذا كانت باكستان (وهي بالمناسبة من أكثر الدول معاداةً للسامية في المنطقة، حيث تبلغ نسبة الشيعة فيها حوالى 15%) ستتمكن من التأثير فعليًا على مسارالحرب، بدلًا من الاكتفاء باستعراض دعائي.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى