
“مجلس السلام مُغلق.. منخرطون حالياً في عدة حروب”… يتخيل كاتب هذه السطور رسماً كاريكاتيريا بهذا المعنى للفنان عماد حجّاج، وهو يتأمل ما آل إليه مجلس دونالد ترامب الذي تم الإعلان عنه في منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، بمشاركة دولية وإقليمية واسعة، ومقاطعة دول وازنة، مثل فرنسا وإيطاليا والسويد والنرويج، فيما غابت عنه الصين وروسيا. كان الهدف المعلن له حشد الإمكانات لإعمار قطاع غزّة وضمان ازدهاره. لكن مسار هذا المجلس اتسم منذ بدايته بالتراخي من الراعي الأميركي، علاوة على ما اكتنف إنشاءه من خبث سياسي، تجلّى في عدم إيراد اسم غزّة. ومن البديهي أن هذا الإغفال لم يكن نتيجة سهو، فقد أضمر هذا الامتناع سعياً إلى نزع هوية المكان وأصحابه، ثم امتد الأمر لتسمية القائد السياسي لحرب الإبادة بنيامين نتنياهو في عداد قادة هذا المجلس، مع الامتناع عن إشراك أي شخصية فلسطينية في عضوية هيئات هذا المجلس المناط به إعادة بناء ما هدمته الحرب في منطقة فلسطينية، ما كشف عن الدوافع السياسية وراء تشكيله.
جاء تشكيل المجلس بعد أكثر من ثلاثة شهور على اتفاق وقف إطلاق النار، الذي رعته واشنطن. وبدا حينها كما لو أنه ذروة الاهتمام الأميركي بإحلال السلام وإنقاد مليوني غزّي من محنة التقتيل والتجويع والتشريد. وبعد ستة شهور على وقف إطلاق النار، وثلاثة على تشكيل المجلس، ما زال أبناء غزّة يتعرّضون لعقاب جماعي يحرمهم من أبسط مقومات الحياة وسط تجاهل الراعي الدولي هذه المحنة التي شارك في صنعها بتقديم كل أشكال الدعم السخي لحرب نتنياهو الاستئصالية. وقد أدّى شن الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران إلى تعميق التغاضي الأميركي عن الكارثة في القطاع، وتناسي الوعود الخلبية بالإعمار والازدهار، إذ يدرك كل طفل في غزّة وفي واشنطن أن الإنقاذ يبدأ باحترام حق الحياة والكف عن قتل المدنيين، وتأمين مستلزمات الغذاء والماء والدواء والوقود. وقد تجاهلت واشنطن تعهّدها بضمان دخول 600 شاحنة مساعدات يومياً، وفتح جميع المعابر. وهو ما ورد ضمن المرحلة الأولى لتنفيذ الاتفاق، وكذلك فعل الممثل السامي للمجلس نيكولاي ملادينوف (بلغاري)، والأشد بشاعة أن جيش الاحتلال يواصل، من جانب واحد، جانبه، انتهاك وقف إطلاق النار بصلافة وبطريقة استعراضية، فقد بلغ عدد الشهداء 757 حتى يوم 14 إبريل/ نيسان الحالي. كل هذا العدد من الضحايا الأبرياء سقط في ظل سريان وقف إطلاق النار، وبالتزامن مع مباشرة مجلس السلام العتيد أعماله.
نجح مجلس السلام في تخفيض وتيرة حرب الإبادة، لكنه لم يوقف هذه الحرب الوحشية أبداً
وكان المبعوث ملادينوف قد أعلن، في 26 الشهر الماضي (مارس/ آذار)، عن خطة لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وتقضي بنزع السلاح في القطاع مقابل انسحابات إسرائيلية متدرّجة. وكان الرد الفلسطيني من داخل القطاع أن من الواجب، قبل تنفيذ المرحلة الثانية، استنفاد المرحلة الأولى وضمان تطبيقها، غير أن الطرف القائم بالاحتلال (يحتل نحو 53% من مساحة القطاع إلى جانب احتلاله لكامل الضفة الغربية) يرغب في تطبيق انتقائي للاتفاق، وهو ما لا تعترض عليه بصورة جدية إدارة ترامب، ولا يتوقف طويلاً عنده الممثل السامي ملادينوف.
والآن وتحت مسمّى مجلس السلام، تتواصل حملة تمويت القطاع، بمنع أسباب الحياة عن سكانه مع تعريض السكان لخطر الهلاك نتيجة القصف الإسرائيلي الذي يقع في أي ساعة من الليل أو النهار. فيما تمنع سلطة الاحتلال عملية البدء برفع الأنقاض التي يرقد تحتها زهاء سبعة آلاف ضحية. وتجد الاستقالة من الإنسانية أوضح صورة لها في قطاع غزّة المدمّر والمنكوب، ويتباهى وزراء إسرائيليون بأنهم سوف يكرّرون في لبنان، وبالذات في الجنوب منه، ما ارتكبوه في غزّة.
تمنع سلطة الاحتلال عملية البدء برفع الأنقاض التي يرقد تحتها زهاء سبعة آلاف ضحية
في الأيام الأولى لإعلان تشكيل مجلس ترامب للسلام، تم الكشف عن تعهّدات مبكرة بتخصيص ملياري دولار لتمويل المجلس، ولم يجر وضع أي جزء منها لإنقاذ آلاف العائلات. والحصيلة أن المجلس نجح في تخفيض وتيرة حرب الإبادة، لكنه لم يوقف هذه الحرب الوحشية أبداً، ولا يبدو أن إيقافها يشغل الرئيس الأعلى له، ما حمل دولة كبيرة هي إندونيسيا على تجميد مشاركتها في المجلس الذي بات يُستخدم ستاراً لاستمرار الحرب. وفي هذه الأثناء، يُراد للحرب على لبنان أن تكون مفتوحة والمساعي الأميركية الحالية تقتصر على تأمين هدنة قصيرة مؤقتة. فيما النزاع مع إيران مرشّح للاستمرار حتى لو جرى تمديد وقف إطلاق النار، فهناك الخلافات حول مضيق هرمز، وهناك الأطماع المعلنة بالنفط الإيراني، والرغبة في أن تتولى شركات أميركية إعادة الإعمار بأموال الأرصدة الإيرانية المجمّدة بعد تسييلها. نزاع طويل سوف يعقبه الذهاب إلى كوبا، كما بشّر ترامب، فيما الأنظار تتطلع إلى ما وراء التفوهات الإسرائيلية المتكرّرة بحق تركيا وتشخيصها العدو الجديد لإسرائيل بعد إيران. حروب متناسلة منتظرة، لن يشعر معها ترامب ونتنياهو بالملل، وذلك على الأقل حتى إجراء الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
وفي هذه الأثناء، يتوقف محفل الخداع الاستراتيجي المسمّى مجلس السلام عن العمل، فيما لا يتوقّف المبعوث الدولي عن ترديد تعويذة نزع سلاح “حماس”، فيما الجاري على الأرض نزع أسباب الحياة بصورة روتينية ومنهجية عن المنكوبين في قطاع غزّة، علاوة على منع لجنة التكنوقراط التي تشكلت قبل شهرين لإدارة القطاع من الدخول إليه. والسؤال هنا: لماذا تقبل عشرات الدول التي شاركت في إنشاء المجلس، ومنها دول عربية وإسلامية، هذا الخداع، وبحيث يُستخدم الوجود الشبحي لهذا المجلس ستاراً لاستمرار الحرب المتوحشة؟
المصدر: العربي الجديد


