
لم يكن اللبنانيون بحاجة لشهادة المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، السيدة جانين هينيس- بلاسخارت، أمام مجلس الأمن آخر الشهر المنصرم، التي رأت فيها أن حرب إسرائيل وحزب الله جعلت لبنان “ظلاً لنفسه”. وأكدت المنسق الخاص أن العنف المتواصل والدمار الشامل حوّل المدن التي كانت مزدهرة يوماً ما إلى أشباح وحطام يغطي الأرض.
اللبنانيون يعانون منذ عقود من كابوس حزب الله وحربه على الدولة، ومن حروبه المتناسلة مع إسرائيل، والتي لا شأن لهم بها، وحولت مدنهم التي كانت “يوماً ما” مزدهرة إلى حطام يغطي الأرض. وأسوأ ما في الأمر أن الكابوس تغلغل في أعماق من سويت حواضرهم بالأرض، وتحول خوفهم من الحزب إلى متلازمة تشبه متلازمة استوكهولم التي تجعل الضحية متعلقة بجلادها وتتماهى معه. ففي حين ينعي ممثلو الأمم المتحدة والعالم لبنان الذي أصبح “ظلاً لنفسه”، تمكن حزب الله ، ولأسباب متنوعة، من جعل ضحاياه جنوداً في حروبه المتناسلة عليهم، يموتون “سعداء” بموتهم ويقتلون من لهم، يدمرون ما شيدت أياديهم، ويحتفلون بانتصارهم وفوزهم بموتهم ودمارهم.
يستحيل على بشري عاقل أن يقول: دعهم لموتهم “السعيد” الذي اختاروه طوعاً. فهذا القول يعفي القاتل من جريمته، وينسب إلى الضحية حرية الاختيار. والأسوأ من ذلك، أنه يبرر للمجرم مواصلة جريمته، بل وإلقا ء اللوم على من يخالفه الرأي وتخوينه.
من يختارون “الموت السعيد” يدفع بهم حزب الله بوجه القائلين بالحياة، القائلين بعودة مدن لبنان إلى الازدهار، بعودة الدولة إلى نفسها وليس إلى ظلها، القائلين بانتزاع لبنان من فم التنين الإيراني وفصيله في لبنان.
يستحيل على اللبنانيين جعل العالم يتوقف عن نعي لبنان قبل أن يحرموا التنين، وبكافة وسائلهم المتاحة، من أنيابه التي يتذرع بخطرها الوحش الإسرائيلي الآن. وقد منح العالم اللبنانيين الكثير من الفرص والدعم، إلا أن متلازمة استوكهولم الحزب اللاهية جعلتهم يتسربلون بتماهيهم مع التنين، ويضيعون كل الفرص والدعم. ووجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع شراسة الوحش الإسرائيلي وافتضاح عجز التنين الحزباللهي عن صده. والأنكى من ذلك، أن التنين ارتد بعجزه على اللبنانيين، ويتهمهم بالتخلي عن حماية أرضهم، ويطالبهم برد الوحش عنه وعنهم. وهو لم ينبت في تربة لبنان، بل زرعه فيها التنين الأكبر الإيراني، ويدافع عنها كأرض صالحة لحفر أنفاقه وبناء مخازن سلاحه، وتوفير المساحة لإطلاق صواريخه دفاعاً عن سيده الولي الفقيه.
يعتبر التنين الحزباللهي صواريخه وأنفاقه مقدسة، ويرفض الاعتراف بعجزها عن ما ادعاه من قدرتها على الدفاع عن اللبنانيين وأرضهم. ويصر على الاحتفاظ بها وسيلة لاستفزاز الوحش الإسرائيلي كلما دعت حاجة نظام الملالي لإشعال حرب مساندة جديدة لإسناد نظامهم. ويعهِّر كل دعوة للاعتراف بتحول سلاحه إلى أداة يتحجج بها الوحش الإسرائيلي لشن حروبه على لبنان وتدمير ما تبقى من عمار وما سلم من حياة بعد الحروب السابقة.
العالم سيبقى ينعي لبنان دولة وكياناً، طالما لم يلمس أي محاولة جدية من قبل اللبنانيين للخروج من متلازمة استوكهولم الحزباللهية. بل أخذ يناقش مسألة استعصاء نزع سلاح حزب الله، ليس على الدولة اللبنانية فقط، بل وعلى أي قوة أخرى، بما فيها إسرائيل. ويستشهد العالم على ذلك بمرور شهر وبداية الشهر الثاني على الحرب الإسرائيلية على حزب الله، ولا يزاال الجيش الإسرائيلي يتحجج بالعثور على أنفاق وترسانات سلاح جديدة، ليواصل تدمير لبنان وحواضر عمرانه.
موقع caliber ليس على ثقة بما ستنتهي إليه المواجهة بين إسرائيل وحزب الله. فقد نشر في 27 الشهر المنصرم نصاً تساءل في عنوانه كيف ستنتهي المواجهة بين حزب وإسرائيل.
تحدث الموقع عن العملية البرية التي بدأتها إسرائيل في 16 المنصرم ضد حزب الله، ويشير إلى تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي الذي أعلن فيه أن العملية ستستمر، طالما بقي هناك تهديد لسكان المناطق الشمالية في إسرائيل، وإلى أن يتم إبعاد مقاتلي حزب الله إلى وراء نهر الليطاني.
طرح الموقع عدة أسئلة على الخبراء الذين استضافهم حول اتساع العملية داخل لبنان، وبرنامج أدنى وبرنامج أقصى للعملية، وكيف تبدو نتائجها بمنظور تلك اللحظة.
الخبير العسكري الإسرائيلي سيرغي أوسليندر (Sergey Auslender) أكد توفر برنامج أدنى وآخر أقصى لدى الجيش الإسرائيلي للعملية في لبنان، على غرار ما هو متوفر لديه في إيران.
قال الخبير أن البرنامج الأدنى يتمثل في إضعاف إمكانيات حزب الله العسكرية إلى الحد الأقصى، وإلحاق هزيمة أشد به، وتحميله خسائر أكثر، وإبعاده إلى مدى إطلاق النار المباشر من الصواريخ المضادة للدبابات. وأشار إلى تعذر إمكانية التخلص من جميع الصواريخ بعيدة المدى المتوفرة لدى حزب الله، ولكنه رأى ضرورة جعل الحزب غير قادر على إطلاق صواريخ مضادة للدبابات.
تحدث الخبير عن خطورة الصواريخ المذكورة وشبه غياب سلاح مضاد لها. لكنه رأى أنه يمكن التعويض عن ذلك بتوسيع حدود المنطقة العازلة. لكنه اعترف بعدم إمكانية القيام بذلك حتى الآن. وبرر ذلك بكون حزب الله جزء لا يتجزأ من الشيعة الذين يشكلون 25% من سكان لبنان برأيه. وقال بأن إسرائيل لا تستطيع القضاء على كل الشيعة، وزعم بأنها لا تنوي القيام بذلك. وقال “ما دام المجتمع الشيعي في لبنان موجودًا، سيبقى حزب الله موجودًا. .. ولا حيلة لنا في ذلك”.
رأى الخبير العسكري الإسرائيل أن مصير المجابهة يعتمد على تنفيذ المهام، وعلى مزاج الأميركيين الذين يمكن أن يبدأوا المفاوضات مع إيران في اي لحظة. وإذا أبرم الإيرانيون اتفاقًا مع الأميركيين الآن، فسيتعين أن تحصل إسرائيل على تعويض ما، “وقد يكون هذا التعويض هو حزب الله”.
طرح الموقع الأسئلة عينها على المستشرق الأوكراني إيغور سيميفولوس. لكن “المدن” فضلت الإطلاع على الرد من المستشرق شخصياً.
رأى المستشرق أن الصراع في لبنان يتميز بمأساوية تميزه عن أي صراع آخر في المنطقة. فالدولة اللبنانية، ورغماً عن إرادتها وجدت نفسها في دوامة حرب غريبة تدور رحاها على أراضيها.
وفي تفسريه لمأساوية الصراع في لبنان، أشار المستشرق إلى إدانة رئيس الوزراء علناً في الثاني من الشهر الجاري تصرفات حزب الله ووصفها بأنها “غير مسؤولة وتتجاوز سلطة الدولة اللبنانية”. كما أعلنت الحكومة حظراً كاملاً على الأنشطة العسكرية لحزب الله وطالبت بتسليم أسلحته إلى الدولة. وفي 24 الجاري، أعلن لبنان السفير الإيراني شخصاً غير مرغوب فيه لتدخله في شؤونه الداخلية. هذه الخطوات تؤكد على أن الحكومة اللبنانية قامت بما عليها القيام به، “ومع ذلك لا تزال تعاني. وهذا هو الجانب الأكثر مأساوية في الوضع”.
بعد الحديث عن الاجتياح الإسرائيلي، وتأكيد المستشرق بأن أعمال إسرائيل العدوانية تجاه لبنان، قد قدمت المبرر لنشوء حزب الله بحجة مقاومة عدوانها، وتستمر حتى الآن بتقديم المبرر لما يقوم به الحزب، يخلص المستشرق إلى الاستنتاج بأن لبنان الآن لم يعد بلداً في حالة حرب، بل بلد في حالة انهيار، يخوض على أرضه الحرب أطراف آخرون.
المصدر: المدن





