
في أواخر عام 2012، حين كانت سوريا تنزفُ حريةً وتنتفضُ من أطرافها قصائد ضد الاستبداد والظلم، كان “وهم السيطرة” هو القشة التي حاول النظام الساقط التشبث بها ولا سيما في الحواضر الكبرى مثل حلب ودمشق وحماة، وفي قلب حلب، كانت جامعة حلب تتهيأ لتكون الرئة التي تتنفس منها المدينة، وصحيح أن الحرم الجامعي كان مغلقاً على تفاعلاته، لكنه كان مفتوحاً على فضاء الحلم المشترك مع جميع السوريين، حيث كانت الساحات تغلي والمظاهرات تملأ الأروقة على مدار الساعة ولا سيما في المدينة الجامعية، في مشهدٍ أربك “سلطات الأمن” وعطل فاعلية “قطعان الشبيحة” المنضوية تحت راية الحزب والاتحاد الوطني لطلبة سوريا مما جعلهم يدبرون الخطط والإجراءات لخنق هذا الحراك. ولعل يوم السابع عشر من أيار لعام 2012، يظلُّ الوشم الأبرز في ذاكرة الحجر والبشر في جامعة حلب، حين رفع آلاف الطلاب علم الثورة السورية أمام بعثة المراقبين الدوليين، هاتفين لوطنٍ “يتحقق فيه الحلم”، وكاتبين على زجاج سيارات البعثة نبوءة السقوط الحتمي للطاغية والإصرار على التحرر.
أمام هذا الهدير الشبابي، انتقلت السلطة من المواجهة بأدواتها الناعمة إلى أدوات وحشيةٍ مبتكرة، فلم يكن القمع بالرصاص والاعتقال كافياً، فكان لا بد من اغتيال “الفضاء العام” الذي يجمع الطلاب ويشهد حواراتهم وتفاعلاتهم، وهنا برزت فكرةٌ غريبة في توقيتها، خبيثة في أهدافها وهي تحويل “مقصف كلية العلوم” إلى فرنٍ لإنتاج الخبز وتوزيعه.
إن جوهر القضية في اغتيال مقصف العلوم لم يكن صراعاً على مساحة جغرافية أو مرفقاً خدمياً بل كان صراعاً على هوية الجامعة ذاتها، فبينما أرادتها السلطة مجرد قاعات ومدرجات لتلقين المعرفة وتقديم العلوم الجافة..
لماذا مقصف كلية العلوم تحديداً وليس غيره ولماذا تحويله إلى فرن للخبز؟
تتوسط كلية العلوم قلب الجامعة ويمر آلاف الطلاب يومياً عبر درجها الطويل والوارف الظلال قادمين من المدينة الجامعية أو عائدين إليها من كلياتهم ومعاهدهم، وتكمن خصوصية هذا المقصف بأنه يحتوى على صالة رياضية تجذب الشباب لممارسة الأنشطة الرياضية ويقع قريباً من كليات الاقتصاد والصيدلة وطب الأسنان وكذلك الزراعة، فتجده دائماً يضج بالنشاط والحيوية والحوارات والنقاشات بين جيل الشباب المتحمس للتغيير، وأصبح نقطة انطلاق وتنسيق لعدد من المظاهرات والنشاطات الطلابية، وكان في تلك الآونة أحد أبرز القيادات الحزبية المتشددة بالولاء والتشبيح من أبناء تلك الكلية مما سهل عملية ابتكار إيقاف هذا المركز المؤرق وهذه البوابة التي يأتي منها الكثير من الرياح التي لا تشتهيها سفن الرفيق.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن هناك الكثير من المرافق والمساحات الممكنة والمناسبة لإنشاء فرن في المدينة الجامعية لو كانت الغاية فعلاً تأمين مادة الخبز لمحتاجيها، لكن الهدف كان واضحاً حيث أن فكرة الجامعة كمساحة للتفاعل والحوار بين جميع أطياف الشباب السوري كانت تخيف النظام، وعليه فكان لابد من إفساد هذا التفاعل أو إيقافه بشكل تام، وبإيعاز من القيادات الحزبية والأمنية، تم تفكيك المقصف والصالة الرياضية ومنصات النقاش لتُنصب مكانها آلات العجين، تحت لافتة “تأمين احتياجات الطلاب” من مادة الخبز في ظل الظروف الأمنية الصعبة التي تمر بها مدينة حلب، إلا أن الحقيقة كانت أشد مرارة من طعم الخبز الممزوج بالتشبيح؛ فالفرن لم يكن مرفقاً خدمياً، بل غدا أداة تحكمٍ وسيطرة بيد “اتحاد الطلبة والقيادات الحزبية والأمنية”، وتحول الحرم الجامعي المقدّس إلى ساحةٍ مستباحة للميليشيات والعساكر بذريعة “الفرن”، مما زرع الخوف في قلوب كثير من الأهالي ودفعهم لمنع أبنائهم وبناتهم من ارتياد الجامعة خوفاً من الاعتقال أو التحرش أو الاعتداء، وأصبح من الطبيعي أن تشاهد شارات “فاطميون” و”زينبيون” و”رجال الأسد” و”كتائب البعث” في الوسط الجامعي، كما تمت عمليات اعتقال وملاحقة عند نوافذ الفرن مراراً و تكراراً .
إن جوهر القضية في اغتيال مقصف العلوم لم يكن صراعاً على مساحة جغرافية أو مرفقاً خدمياً بل كان صراعاً على هوية الجامعة ذاتها، فبينما أرادتها السلطة مجرد قاعات ومدرجات لتلقين المعرفة وتقديم العلوم الجافة، أدرك الشباب السوري الجامعي المتنوع مبكراً أن الجامعات في أصل تكوينها ساحات اجتماعية كبرى للتفاعل والحوار، وهي الفضاء الوحيد الذي تذوب فيه الانتماءات الضيقة لصالح هوية وطنية جامعة، حيث يلتقي الطالب القادم من أقاصي الأرياف والبلدات بزميله من قلب المدينة، وكذلك من مختلف المكونات الإثنية والدينية والاجتماعية، وتتشكل في ممرات الجامعات ومدرجاتها ومقاصفها العقدة الاجتماعية التي ترسم ملامح مستقبل البلاد في مرحلة حرجة وأكثر ما نحتاجه فيها هو الحوار و التآزر ضد سلطة الاستبداد.
اليوم وبعد أن تحررت البلاد من رجس الأسد وعصاباته نأمل أن تأخذ الجامعات دورها الاجتماعي في رأب الصدع الذي خلفته سنوات الصراع في تماسك النسيج المجتمعي، وأن تصان الحرية الأكاديمية وتعود الاستقلالية والحرية للحرم الجامعي.
لقد خشي النظام وسلطاته الأمنية من هذا التلاحم، ففكرة الجامعة كمساحة حرة للتفاعل بين جميع أطياف الشباب السوري كانت تمثل تهديداً وجودياً لمنظومة تقوم على “سياسة فرق تسد وسياسة التخويف من الآخر” لذا كان قرار تحويل المقصف إلى فرن للخبز محاولة بائسة لإيقاف هذا الحوار الصاخب واستبدال ضجيج الأفكار والحوار بضجيج آلات العجين وإحلال قلق الرغيف محل شغف التغيير.
لقد أخطأ النظام حين ظنّ أن “إسكات الكلمة بالخبز” سيمحو فكرة الجامعة كساحة للتفاعل والحوار وحين فشلت “سياسة اللقمة” في ترويض “قوة الكلمة”، انتقل النظام إلى التصعيد الأكثر توحشاً، ليمطر الجامعة بصواريخ غادرة في الخامس عشر من كانون الثاني من عام ٢٠١٣ وهو أول أيام الامتحانات في ذلك العام، مخلفاً وراءه أكثر من ثمانين شهيداً، رووا بدمائهم الطاهرة ساحات جامعة حلب، تلك الساحات التي رفضت المقايضة بين رغيف الخبز وصرخة الحرية، وكان هذا الاعتداء السافر بمثابة الإنذار الأخير للحراك الجامعي. ولكن الأنظمة السياسية المستبدة تخطئ على الدوام بمنظورها للجامعات باعتبارها مؤسسة تنتج المعرفة وتقدم العلوم كوجبة جاهزة ولا تدرك أن الجامعات ساحات اجتماعية للتفاعل والحوار وتلعب دوراً محورياً في فهم احتياجات المجتمع وتلبية تلك الاحتياجات وتشارك في صياغة مستقبله.
واليوم بعد أن تحررت البلاد من رجس الأسد وعصاباته نأمل أن تأخذ الجامعات دورها الاجتماعي في رأب الصدع الذي خلفته سنوات الصراع في تماسك النسيج المجتمعي، وأن تصان الحرية الأكاديمية وتعود الاستقلالية والحرية للحرم الجامعي.
المصدر: تلفزيون سوريا


