
أثار مسلسل قيصر الكثير من الإشكالات الفنية والدرامية، إضافة إلى الأخطاء التوثيقية والمغالطات بحق الثورة وتاريخها وتفاصيلها. وزاد الطين بلّة، اللقاءات التي أُجريت مع المخرج وبعض الممثلين، والتي أبرزت جهلهم بأحداث الثورة، وعدم التعمّق في أحداثها المفصلية وتفاصيلها وشخصياتها، وتسرّعهم في معالجة يوميات الثورة درامياً، لكسب موسم عام 2026 ومنافسة باقي شركات الإنتاج على كعكة الإنتاج الفني المتعلّق بالثورة ويومياتها.
فمن ناحية البناء فإن تقسيم المسلسل إلى ثلاثيات مؤشر على عدم قدرة الكاتب والمخرج على طرح إطار درامي متماسك، يقدّم حبكة وشخصيات قابلة للتحليل والتطور على مدار ثلاثين حلقة. هذا يحتاج إلى كاتب ليس فقط مؤيد للثورة، بل عاش تفاصيلها، واختبر الكثير من مواقفها وأحداثها.
من الناحية الفنية فإن الحوارات تفتقر إلى الحساسية، ولا تنتمي إلى أحاديث الثورة ويومياتها. مصطنعة وتقريرية، وأقرب إلى لغة دراما ما قبل سقوط نظام الأسد، التي تميل إلى فرض الواقعة أكثر من تصويرها كما هي بكل تناقضاتها وآلامها وأخطائها. لقد أخطأ المسلسل بطرح وقائع الثورة وكأنها حتميات تاريخية، وأحداث إيجابية معصومة. وكأن جمهور الثورة لم يرتكب الكثير من الأخطاء التي كلّفتنا أربعة عشر عاماً من العذابات، ونحن نعمل ونخطئ ونجمع الخبرات ونتلمّس طريق الخروج من المآزق والمطبات الكثيرة التي اعترضتنا.
الأحداث التي رواها المسلسل فهي تحمل الكثير من الأخطاء التاريخية، ولا تمّت لواقع الثورة بصلة.
كان مسار الأحداث تصاعدياً، لا يحمل أي مراجعات فكرية واجتماعية. لا يسلّط الضوء على إشكاليات وتناقضات سياسية واجتماعية، سواء في بيئة النظام التي أدت لهذا الانفجار، أو في بيئة الثورة والتي واجهت الكثير من الإشكاليات والأسئلة المعقدة على صعيد المجتمع مثل الخلافات بين مختلف فئات الشعب، والتي صنعها نظام الأسد على مدى عشرات السنين وأدارها لتنفجر في لحظة كهذه، والسياسية والإدارية والتي أدت لمواجهات دموية بين الفصائل.
أما الأحداث التي رواها المسلسل فهي تحمل الكثير من الأخطاء التاريخية، ولا تمّت لواقع الثورة بصلة. ففي الثلاثية الأولى على سبيل المثال، أبرز المسلسل الضابط المنشق وكأنّه عنصر مارينز، يقوم بحركات بهلوانية على شاكلة هوليوود، وهو مناف للحقيقة. فالضابط السوري هو خريج الكليات الأسدية، ذات المنهج السوفيتي القديم. يفتقر إلى الإعداد التقني والنفسي والعقائدي على السواء. يفتقرون إلى أساليب القتال الحديثة، كما يفتقرون لأساليب قتال المجموعات الصغيرة ومهاراتها، ناهيك لافتقارهم إلى مهارات التواصل الاجتماعية والسياسية. وهذا أحد أهم أسباب فشل الجيش الحر في تكوين فصائل قتالية منضبطة وذات فاعلية قوية.
لا يعيب هذا الضباط المنشقّين، الذين أخذوا أكثر القرارات شجاعة وخطورة في ذلك الوقت، في حقّ أنفسهم وحقّ أبنائهم وعائلاتهم. ولكن تجاوز تلك الحقائق الموضوعية تُسيء إلى الضباط المنشقّين وإلى الفصائل العسكرية وتاريخ الثورة على السواء. حيث تبرز أسئلة كثيرة من مثل: لماذا تمّ تهميش الضباط؟ لماذا لم تتوحّد الفصائل؟ ولماذا حدثت كل تلك العمليات القتالية الفاشلة، التي أدّت إلى مذابح طوال 14 عاماً الماضية، إذا كان المنشقون بتلك الخبرة والمهارة؟
الجواب عليها يأتي من جمهور الثورة وقادة الفصائل أنفسهم، وهو حديث يطول وأسباب كثيرة ومعقدة بقدر أهوال الثورة نفسها، والتي تجاهلتها الدراما بكل بساطة، نتيجة استعجالها موسم العام الجديد. لكنها تحفر في عقول الشباب الفتية أجوبة مشوّهة. وتظلم الضباط المنشقين الذي لم يشاركوا في القتال، رغم أنهم مؤهّلين وخبراء حسب زعم المسلسل!
على صعيد التفاصيل اليومية بدت الأحداث غريبة، لا تنتمي ليوميات الثورة لمن عاشها. فمثلاً دخول زوجة الضابط إلى الغوطة بهذه البساطة رغم عدم ارتدائها الحجاب غير صحيح. توجّه نساء غير محجبات في الفترة الزمنية التي طرحها المسلسل إلى الغوطة يؤدي إلى اعتقالها، أو استجوابها مطوّلاً والتدقيق في معلوماتها. لذلك كنّا نلجأ لتحجيب النساء الناشطات لتسهيل
مرورهم على الحواجز. صحيح أنه تفصيل بسيط، ولكن يجعل الرواية غريبة على جمهور الثورة ولا تنتمي لها، وإهمال ذلك التفصيل الصغير يُسقط فكرة سعي النظام لفصل غير المتدينين عن محيطهم، ومحاولاته المبكرة لضرب أي بعد وطني للثورة السورية، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
ثالثاً كانت حبكة أحداث الكيماوي ضعيفة وسطحية. حيث بدا اتخاذ القرار من الضابط نفسه، ولأسباب انتقامية، وليس صادراً من جهات عليا، نتيجة الضغط العسكري الذي تعرّضت له العاصمة من الفصائل في تلك الفترة. ومع أنه من غير الواضح حقيقة الأسباب التي أدّت لاتخاذ هكذا حماقة في دائرة القرار الأسدية، إلا أنّ البديل لا يكون بتسطيح الرواية، وجعلها أشبه بتصرّف فردي من ضابط عمليات مسؤول عن الغوطة الشرقية.
سردية المسلسل المتعجّلة لم تُرضِ جمهور الثورة، ولم تحقّق مستوى درامياًً عالياً.
تفاصيل يوم الكيماوي في الغوطة الشرقية 2013 كان أشبه بيوم القيامة. ولقد صوّره المخرج بشكل خاطئ تماماً. فمثلاً أمرت الدكتورة البطلة (كزوجها الضابط الهوليودي) أمرت الناس أن ينزلوا إلى أسفل الأبنية كي يحتموا من القصف. وهذا خطأ علمي كبير. والحقيقة أن تصرّف الأهالي العفوي بنزولهم إلى أسفل الأبنية في الحقيقة هو ما ضاعف الإصابات. حيث كان عليهم أن يصعدوا إلى أعلى ووضع مناشف مبللة على وجوههم. ولكن مَن يدري، ومَن الخبير في مجتمع أهلي وطبي لم يختبر ضربات كيماوية من قبل!
سردية المسلسل المتعجّلة لم تُرضِ جمهور الثورة، ولم تحقّق مستوى درامياًً عالياً. كما أنها خنقت العدالة ونتائجها قبل أن تكتمل. وإذا كان هدف الفن أن يطرح الأسئلة ويسلّط الضوء على الإشكالات الأخلاقية والاجتماعية، فإن قيصر بدت فعلاً بلا زمان ولا مكان. بدت “رواية المنتصر” أكثر منها حقائق حدثت وجرائم ارتُكبَت فعلاً. والسؤال الوحيد الذي طرحه المسلسل من حيث لا يقصد، هو مَن يملك حقّ رواية أحداث الثورة وقصص أناس ما زالت دماؤهم طازجة، وأولياؤهم ما زالوا أحياء، وهم الأحقّ بروايتها.
المصدر: تلفزيون سوريا


