بين غموض ترمب وحسابات طهران.. حرب بلا مسار

صهيب جوهر

في هذه الحرب، لا تكمن المشكلة في كثافة النيران ولا في حجم الخسائر، بل في طبيعة القرار نفسه. القرار الذي لم يعد يخضع لمنطق التدرج السياسي أو الحسابات التقليدية، بل لإيقاع مختلف، شخصي إلى حد بعيد، يتقاطع فيه الاستعراض بالقوة مع حسابات الربح والخسارة. من هنا، يصبح من الصعب التعامل مع سلوك دونالد ترمب بوصفه امتداداً لمدرسة سياسية معروفة، لأن الرجل، في جوهره، يعيد تعريف مفهوم القرار في زمن الحرب، لا كأداة ضمن مسار، بل كحدث بحد ذاته قادر على تغيير المسار بالكامل.

التجربة القريبة تؤكد ذلك بوضوح. في لحظة كانت فيها قنوات التفاوض مفتوحة، ووسط أجواء بدت واعدة بإمكانية الوصول إلى تفاهم مرحلي، جاء التحول المفاجئ نحو الضربة العسكرية، ليؤسس لقاعدة جديدة: لا مؤشرات يمكن الوثوق بها، ولا مسارات يمكن البناء عليها. اليوم، يتكرر المشهد نفسه تقريباً، ولكن ضمن نطاق أوسع وأكثر تعقيداً. إشارات متناقضة تتدفق في وقت واحد: حديث عن قرب نهاية الحرب، يقابله تصعيد لوجستي وعسكري يوحي بالتحضير لمرحلة أكثر حدة، وليس أقل.

هذا التناقض ليس ارتباكاً في القرار، بل هو جزء من هندسة القرار نفسه. فمن جهة، يظهر ميل واضح إلى تقليل كلفة الانخراط العسكري، خصوصاً مع تضخم الإنفاق اليومي للحرب، وهو عامل أساسي في عقلية إدارة ترى في الأرقام معياراً مركزياً للحكم على النجاح أو الفشل. ومن جهة أخرى، يجري الحفاظ على مستوى مرتفع من الضغط العسكري، ليس بهدف الحسم، بل لإبقاء الخصم تحت ضغط دائم يدفعه نحو تقديم تنازلات.

في هذا الإطار، يمكن فهم ما يُشبه “إعادة تعريف الأهداف” خلال الحرب. فالسقف الذي بدأ بالحديث عن إسقاط النظام، تراجع تدريجياً نحو تغيير السلوك، ثم إلى ضبط البرنامج النووي والصاروخي، وصولاً إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على إدارة التوازن لا كسره. هذا التدرج لا يعكس بالضرورة تراجعاً، بل يعكس محاولة لإنتاج إنجاز يمكن تسويقه سياسياً، بأقل كلفة ممكنة.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل المؤشرات الميدانية التي تسير في اتجاه مختلف. فالتعزيزات العسكرية، وحجم الانتشار، وكثافة الحركة الجوية، كلها عناصر تشير إلى أن خيار التصعيد لا يزال مطروحاً بجدية. هنا تحديداً، يبرز نموذج “الغموض المسلّح” كأداة مركزية في إدارة المشهد. فالتصريحات المتناقضة ليست زلة لسان، بل وسيلة مدروسة لإبقاء جميع السيناريوهات مفتوحة، وإرباك الخصم، وحتى الحلفاء.

هذا الغموض يفتح الباب أمام سيناريو العمليات المحدودة، التي جرى التحضير لها منذ سنوات. عمليات لا تهدف إلى احتلال شامل، بل إلى توجيه ضربات دقيقة لمفاصل حساسة، جزر استراتيجية، منشآت نفطية، أو بنى تحتية حيوية. الفكرة هنا ليست السيطرة بقدر ما هي القدرة على تعطيل الاقتصاد وإعادة تشكيل موازين القوة من دون الغرق في حرب طويلة. لكن هذه المقاربة، على الرغم من جاذبيتها النظرية، تحمل مخاطر عالية، لأن أي خطأ في التقدير قد يدفع نحو تصعيد يتجاوز حدود السيطرة.

إيران، في المقابل، لا تتعامل مع هذه المعادلة بوصفها مواجهة تقليدية. هي تدير الحرب كصراع متعدد المستويات، لا يقتصر على الجغرافيا الإيرانية، بل يمتد عبر شبكة من الساحات المرتبطة بها. لذلك، فإن أي ضغط مباشر عليها يقابله عادة توسيع غير مباشر لساحات الاشتباك، سواء عبر تهديد الملاحة، أو استخدام أدواتها الإقليمية لإعادة توزيع الكلفة.

هنا يصبح لبنان جزءاً لا يتجزأ من هذه المعادلة. ليس لأنه مركز القرار، بل لأنه أحد ميادين تطبيقه. من داخل “حزب الله”، تبدو القراءة مختلفة نسبياً. هناك قناعة بأن طهران لا تزال تمسك بإيقاع المعركة، وأن ما يجري، رغم قسوته، لا يخرج عن إطار السيطرة الاستراتيجية. هذه القناعة تترافق مع تحوّل واضح في أساليب القتال، حيث جرى التخلي تدريجياً عن نمط المواجهة التقليدية لصالح تكتيكات أكثر مرونة، تقوم على الاستنزاف، والتخفي، وتقليل البصمة التكنولوجية.

كما أن الرهان لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يشمل أيضاً البعد النفسي والسياسي. ففكرة أن المجتمع الإيراني التف حول قيادته، رغم الضغوط، تُقدم كعنصر قوة إضافي، يعزز قدرة النظام على الاستمرار، ويقلل من فاعلية الرهان على تفككه الداخلي. وفي المقابل، يجري التعويل على أن أي تصعيد إضافي سيُنتج كلفة مرتفعة على إسرائيل، خصوصاً إذا ما توسعت دائرة الاستهداف.

لكن هذه القراءة لا تتطابق مع ما يُنقل في الأوساط الإقليمية والدولية. هناك اتجاه متزايد نحو اعتبار أن إسرائيل تستعد لمرحلة مختلفة في لبنان، مستفيدة من انشغال إيران، أو من أي تفاهم محتمل معها. الحديث هنا لا يدور فقط حول ضربات موضعية، بل عن محاولة إعادة تشكيل الواقع الأمني في الجنوب، وربما فرض معادلة جديدة بالقوة.

هذا التباين في التقدير يعكس فجوة عميقة في فهم مآلات الحرب. ففي حين يراهن “حزب الله” على توازن ردع طويل الأمد، ترى أطراف أخرى أن اللحظة الحالية قد تكون فرصة نادرة لإحداث تغيير جذري في البنية العسكرية والسياسية للحزب. وبين هذين التصورين، يبقى لبنان عالقاً في منطقة رمادية، لا يملك فيها القدرة على الحسم، بل يكتفي بالتكيّف مع ما يُفرض عليه.

العامل الحاسم في نهاية المطاف سيبقى مسار المواجهة الأميركية مع إيران. فإذا اتجهت الأمور نحو تسوية، حتى لو كانت جزئية أو مؤقتة، فإن ذلك سينعكس مباشرة على وتيرة التصعيد في لبنان، وقد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب داخلية، سياسية وأمنية. أما إذا استمر الضغط، أو جرى الانتقال إلى مرحلة أكثر عنفاً، فإن الساحة اللبنانية مرشحة لأن تتحول إلى نقطة الارتكاز الأساسية في المواجهة.

المفارقة القاسية أن لبنان، في كل هذا المشهد، لا يملك ترف الانتظار ولا القدرة على المبادرة. القرار يُصنع في واشنطن وطهران وتل أبيب، لكن نتائجه تتجلى على أرضه. وبين غموض القرار الأميركي، وحسابات إيران المركبة، وطموحات إسرائيل بإعادة رسم الحدود بالنار، يبدو أن الاحتمال الأكثر ثباتاً ليس التسوية، بل استمرار التصعيد، ولو بأشكال مختلفة، إلى أن تتضح معالم توازن جديد لم تتشكل ملامحه بعد.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى