
بعد أكثر من عقد من الحرب، تقف سوريا أمام معادلة شديدة التعقيد: إعادة بناء مؤسسات الأمن والجيش في ظل اقتصاد ضعيف، وانتشار واسع للسلاح، ومجتمع ينتظر العدالة وجبر الضرر. وبين جهود مكافحة الفساد وإعادة هيكلة الأجهزة العسكرية، يبرز سؤال محوري يحدد مستقبل الاستقرار في البلاد: من يمول الأمن في سوريا؟
اقتصاد هشّ وقدرة تمويل محدودة
تعاني الدولة السورية اليوم من تراجع كبير في مواردها المالية. فالإيرادات الضريبية التي كانت تمثل أحد الأعمدة الأساسية لتمويل مؤسسات الدولة قبل الحرب، انخفضت بشكل حاد. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن العائدات الضريبية في عام 2024 لم تتجاوز عُشر مستوياتها في عام 2010، نتيجة تدمير قطاعات واسعة من الاقتصاد الرسمي واتساع النشاط غير المنظم.
في الماضي، اعتمد النظام السابق على طباعة العملة وخطوط ائتمان خارجية لتعويض العجز المالي، إلا أن هذه القنوات لم تعد مستقرة بعد التغييرات السياسية. لذلك، تعتمد السلطات الحالية جزئياً على قنوات تمويل غير رسمية خارج الموازنة العامة، وهي آليات توفر سيولة مؤقتة لكنها تثير مخاوف تتعلق بالشفافية وسوء إدارة الموارد.
كما أن غياب البيانات المالية الواضحة يجعل من الصعب مراقبة الإنفاق العسكري، الأمر الذي يزيد من مخاطر الاختلاس وسوء تخصيص الموارد.
أحد الخيارات يتمثل في فرض ضرائب مؤقتة مخصصة للأمن لتوفير مصدر تمويل قانوني ومستقر للجيش.
إعادة هيكلة الجيش بعد سقوط النظام
بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية، شهدت سوريا واحدة من أوسع عمليات إعادة الهيكلة العسكرية في تاريخها الحديث. فقد تم حل الجيش السابق والأجهزة الأمنية المرتبطة به، وتسريح أعداد كبيرة من عناصره.
وتشير تقديرات أمنية إلى أن ما بين 100 ألف و250 ألف عنصر خرجوا من الخدمة بحلول مطلع عام 2025، في خطوة هدفت إلى تفكيك البنية العسكرية التي حكمت البلاد لعقود.
كما جرى دمج عدد من فصائل المعارضة ضمن الجيش الجديد في محاولة لتوحيد القوة العسكرية تحت سلطة الدولة. إلا أن هذه العملية بقيت إلى حد كبير تنظيمية أكثر منها سياسية أو فكرية، إذ لا تزال الولاءات الشخصية لقادة الفصائل السابقة قائمة داخل بعض الوحدات.
المعضلة الرئيسية أن هذا الجيش الجديد يعمل في ظل غياب ميزانية مستقرة ومعلنة، وهو ما قد يخلق مشكلات تتعلق بعدم انتظام الرواتب أو ضعفها. وفي مثل هذه الظروف، قد ينجذب بعض المقاتلين إلى مجموعات مسلحة غير حكومية مدعومة من قوى إقليمية توفر رواتب أعلى.
بلد غارق بالسلاح
إلى جانب التحديات المالية والعسكرية، تواجه السلطات السورية مشكلة انتشار السلاح بين المدنيين والفصائل المحلية.
فبحسب تقديرات أمنية، ورثت الدولة بعد سقوط النظام السابق أكثر من 1.5 مليون قطعة سلاح خفيف كانت موجودة في البلاد قبل انهيار المؤسسات. ومع نهب المستودعات العسكرية خلال الفوضى التي رافقت تلك المرحلة، تضاعف هذا الرقم.
حاولت السلطات احتواء الوضع عبر اتفاقات تسوية محلية تقضي بتسليم السلاح مقابل حصانة مؤقتة، إضافة إلى حملات مداهمة استهدفت عشرات المخازن السرية. لكن هذه الجهود بقيت محدودة، إذ لا يزال السلاح منتشراً بين المدنيين بدافع الحماية الذاتية، خصوصاً في المناطق التي كانت خارج سيطرة الدولة سابقاً.
كما أن بعض المناطق، مثل السويداء، ما تزال تضم فصائل محلية لم تندمج بالكامل في المؤسسات العسكرية الرسمية.
إصلاح أمني تحت الاختبار
رغم إعلان السلطات الجديدة عن إجراءات لتعزيز الشفافية، مثل إنشاء مكاتب للشكاوى ومنصات للتواصل مع المواطنين، يرى مراقبون أن هذه الخطوات ما تزال محدودة التأثير بسبب غياب آليات واضحة للمساءلة أو لحماية المبلغين عن الفساد.
كما يشير بعض الباحثين إلى أن عملية إعادة تشكيل النخبة الاقتصادية قد تتحول إلى استبدال شبكات النفوذ القديمة بأخرى جديدة، بدلاً من تفكيك منظومة الفساد بشكل جذري.
خيارات تمويل الأمن
في ظل هذه التحديات، يطرح خبراء عدة سيناريوهات محتملة لتمويل القطاع الأمني في سوريا.
أحد الخيارات يتمثل في فرض ضرائب مؤقتة مخصصة للأمن لتوفير مصدر تمويل قانوني ومستقر للجيش. وخيار آخر يتمثل في دعم المانحين الدوليين، إلا أن هذا المسار يبقى مرتبطاً بشروط سياسية وإصلاحات مؤسساتية.
أما الخيار الأكثر استدامة فيكمن في إدماج ميزانية الجيش بشكل واضح داخل الموازنة العامة للدولة، بما يسمح برقابة مؤسساتية ومدنية على الإنفاق العسكري.
إن قدرة الدولة على بناء نظام تمويل مستقر وشفاف للمؤسسات الأمنية قد تحدد ما إذا كانت سوريا ستنجح في تثبيت الاستقرار ومنع عودة الانقسام العسكري، أو ستبقى عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة.
العدالة الانتقالية وتعويض الضحايا
بالتوازي مع إعادة بناء المؤسسات الأمنية، تعمل الحكومة السورية على إعداد مشروع للعدالة الانتقالية يتضمن إنشاء صندوق لتعويض المتضررين من انتهاكات الحرب.
ويهدف الصندوق إلى تعويض الضحايا، بمن فيهم المتضررون من فقدان أو تدمير ممتلكاتهم العقارية، على أن يتم تمويله من الموازنة العامة، إضافة إلى الأموال المستردة من قضايا الفساد والمنح المحلية والدولية.
غير أن حجم الأضرار الهائل وتعقيد القوانين العقارية التي صدرت خلال سنوات الحرب يشكلان تحدياً كبيراً أمام تنفيذ هذه الخطط.
استقرار ما زال هشاً
رغم الخطوات التي اتخذتها السلطات السورية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، ما يزال الاستقرار في البلاد هشاً. فانتشار السلاح، وضعف الاقتصاد، وتعقيدات إعادة هيكلة الجيش، كلها عوامل تجعل عملية الانتقال طويلة ومليئة بالتحديات.
السنوات القليلة المقبلة ستكون حاسمة؛ إذ إن قدرة الدولة على بناء نظام تمويل مستقر وشفاف للمؤسسات الأمنية قد تحدد ما إذا كانت سوريا ستنجح في تثبيت الاستقرار ومنع عودة الانقسام العسكري، أو ستبقى عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة.
المصدر: تلفزيون سوريا





