مازوخية العشائر: حين يتحول القهر إلى ولاء

عساف سلامة السلمان

في علم النفس، تُعرَّف المازوخية بأنها نزعة لدى الفرد إلى تحمّل الألم أو الإهانة، بل وأحيانا الشعور بلذّة خفيّة تجاهها، سواء على المستوى الجسدي أو النفسي. ولا تقتصر هذه الظاهرة على بعدها الفردي، بل قد تتخذ أشكالا أكثر تعقيدا حين تنتقل إلى الحيّز الاجتماعي، حيث يتحوّل الخضوع إلى نمط سلوكي جماعي، وتُعاد صياغة الألم بوصفه أمرا طبيعيا، بل ومقبولا.

وفي هذا السياق، يظهر نوع خاص من هذه الظاهرة يمكن تسميته بـ”المازوخية الاجتماعية”، حيث يتماهى الأفراد مع مصادر القهر التي شكّلت معاناتهم، ويعيدون إنتاج علاقات التبعية نفسها، لا بوصفها ظلما يجب مقاومته، بل كجزء من نظام مستقر لا ينبغي الخروج عليه.

في المجتمعات التي عاشت طويلا تحت أنظمة إقطاعية، لا تنتهي آثار القهر بسقوط الإقطاع نفسه، بل تتسرّب إلى النفوس، وتعيد إنتاج ذاتها بأشكال أكثر تعقيدا ومراوغة. من أخطر هذه الأشكال ما يمكن تسميته بـ”مازوخية العشيرة”: تلك الحالة التي يُظهر فيها بعض الأفراد ولاءً مفرطا، بل مشوبا بلذة خفيّة، تجاه رموز أو عائلات كانت تاريخيًا سببا في إذلالهم واستغلالهم.

ليست المسألة مجرد جهل بالتاريخ، بل هي بنية نفسية واجتماعية مركّبة. فالفلاح الذي سُلب عرقه في الحقول، وعومل كأداة إنتاج، لم تُتح له فرصة حقيقية لاستعادة كرامته أو إعادة تعريف موقعه في السلم الاجتماعي. ومع مرور الزمن، وبدل أن تتشكل لديه نزعة تمرّد، نشأ نوع من التكيّف القاسي: التماهي مع الجلاد.

هذا التماهي لا يقتصر على التسامح مع الماضي، بل يتجاوزه إلى تمجيد رموزه. فنرى أحفاد المظلومين يتباهون بالقرب من أحفاد الإقطاعيين، ويتعاملون معهم بوصفهم “أسيادا طبيعيين”، وكأن العلاقة القديمة لم تكن ظلمًا، بل “نظاما مشروعا”. هنا، تتحول الذاكرة من أداة مقاومة إلى أداة تبرير.

المازوخية في هذا السياق ليست فردية، بل جماعية؛ تُعاد صياغتها عبر الأمثال الشعبية، والسرديات الشفوية، وحتى في طرق تربية الأطفال. يُلقَّن الصغير أن “الكبير كبير”، وأن الاعتراض خروج عن الأعراف، وأن القبول بالدونية ضرب من الحكمة. وهكذا، يُصاغ وعيٌ مشوه يرى في الخضوع فضيلة، وفي التمرّد عيبا.

لكن الأخطر من ذلك، هو اللذّة الخفيّة التي قد تتولّد من هذا الخضوع. فبعض الأفراد لا يكتفون بالصمت، بل يجدون في التبعية نوعا من الأمان النفسي. الانتماء إلى ظلّ القوي، حتى وإن كان ظالما، يمنحهم شعورا زائفا بالقوة. وهكذا، يتحوّل القهر من تجربة مؤلمة إلى نمط حياة مألوف، بل مرغوب أحيانا.

وهنا، يمكن استحضار صورة مكثّفة تلخّص هذا السلوك: حكاية الدجاجة التي تُنسب إلى ستالين، حين نتف ريشها ريشةً ريشة حتى أنهكها، ثم نثر لها بعض الفتات، فما كان منها إلا أن هرعت إليه تركض. ليست العبرة في قسوة الفعل فحسب، بل في استجابة الضحية: ذاكرة مثقوبة، وألم لا يتحول إلى وعي، بل إلى تبعية أعمق. هكذا يصبح القهر نفسه أداة لإعادة إنتاج الولاء، لا لكسره.

هذه الظاهرة تطرح سؤالا مُلحا: لماذا لا تنكسر الحلقة؟

الجواب يكمن في غياب العدالة التاريخية، وفي فشل التحوّلات الاجتماعية في تفكيك البُنى القديمة. حين لا يُحاسَب الظالم، ولا يُنصَف المظلوم، تبقى العلاقات مختلة، حتى وإن تغيّرت الأسماء والعناوين. كما أن العشيرة، بوصفها إطارا مغلقا، تعيد إنتاج هرمية السلطة داخلها، فتستمر علاقات التبعية بشكل رمزي في المجالس، والخطاب، وتوزيع النفوذ.

وهكذا، يصبح التمرّد مكلفا اجتماعيا، وقد يُفسَّر كخيانة للانتماء، لا كبحث عن الكرامة.

ولا يقتصر الأمر على العشائرية وحدها، بل يتجاوزها إلى ما يمكن تسميته بـ”مازوخية الأحزاب”: تلك التي تتجلّى في ولاء أعمى لتنظيمات مارست القمع، ونقضت مبادئها، وراكمت الفشل والخراب، ومع ذلك لا تزال تحظى بدفاع أتباعها. هنا، يتكرّر النمط ذاته: التماهي مع الجلاد، وتبرير أفعاله، بل والتلذّذ أحيانا بالانتماء إليه.

إن كسر هذه المازوخية يتطلب أولا وعيا نقديا بالتاريخ، لا بوصفه سردية بطولات، بل كسجل للظلم أيضا. ويتطلب ثانيا إعادة تعريف الكرامة الفردية خارج إطار العشيرة أو الحزب، بحيث لا يكون الإنسان تابعا لاسم أو نسب، بل لقيمه وقدرته على الفعل الحر.

في النهاية، لا يمكن لمجتمع أن ينهض وهو يتلذذ بآلامه القديمة. فتمجيد الجلاد، حتى بصيغته الوراثية أو الحزبية، ليس وفاء للماضي، بل خيانة للمستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى