
سيبقى هذا السؤال يتردد إلى أن تنتهي الحرب على نظام الملالي، إن كان لها من نهاية منظورة، ولم تنزلق إليها أطراف أخرى. ليس الكل ينتظر النهاية ويسعى إليها، على الأقل الآن في منتصف الطريق، كما يرى البعض. كثيرون يخشون “النهاية” قبل الإجهاز على التنين الإيراني الذي ما أن يُقطع له رأس، حتى ينبت مكانه رؤوس تنفث النيران، كما في الحكاية الشعبية الروسية. والحكاية تمنح كثيرين شرف القضاء على التنين بقطع كل رؤوسه في معركة دامت ثلاثة أيام، ومن بينهم في السردية الشعبية “إيفان تسارييفتش” (إيفان ولي العهد).
بعد مرور شهر على النزال مع التنين الإيراني، لا يزال إيفان تسارييفتش ترامب يتلاعب بأعصاب المنتظرين ويمتحن صبرهم. يقفز من مهلة لأخرى، ومن تهديد للملالي إلى إطراء مفاوضيهم في باكستان المفترضة حتى الآن. لا يريد المنتظرون أن يصدقوا أن ترامب يقفز من عجز على الإجهاز على التنين، أو من خوف من احتجاج الداخل الأميركي المتصاعد، بل يخشون استسهال قطع الوعود لديه، وكلامه في المساء الذي يمحوه الصباح. وكيف كان لهم ألا يصدمهم ما تداوله الإعلام أمس الجمعة في 27 الجاري. فخلال اجتماع مغلق لمجلس الوزراء في البيت الأبيض لمناقشة الوضع المحيط بإيران، حوّل دونالد ترامب بشكل غير متوقع مسار النقاش. فبدلاً من الخوض في الشؤون العسكرية والدبلوماسية، انخرط لبضع دقائق في نقاش حول اللوازم المكتبية. وحسب من حضر الاجتماع، فخلال كلمة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، بدأ الرئيس بعرض قلم ماركز من ماركة Sharpieشاربي، الذي يعتبره حلاً أكثر عملية واقتصادية. وادعى أن الإدارات السابقة كانت تستخدم أقلاماً باهظة الثمن تصل تكلفتها إلى ألف دولار وتتلف بسرعة، بينما لا يتجاوز سعر قلمه بضعة دولارات ويدوم لفترة أطول. وأنهى حديثه بوصف ذلك على أنه مثال على “البيزنس الناجح”، حسب ما نقلت عن صحيفة معاريف في 27 الجاري، وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية cursor.
تقول الصحيفة أن حادثة القلم هذه قد أثارت استغراب المسؤولين، لا سيما وأن الاجتماع كان يركز على إحدى أكثر أزمات السياسة الخارجية توتراً. ووصف أحد المشاركين الموقف بأنه نقاش جاد تحول إلى فوضى عارمة.
ترى الصحيفة أن انتقاد السياسية الخارجية في الداخل الأميركي يتصاعد على خلفية سلوك ترامب. وتنقل عن السفير الأميركي السابق في إسرائيل دانيال كيرتزر أنه يرى أن خطة واشنطن المقترحة المكونة من 15 بنداً غير واقعية، ومن غير المرجح أن تقبلها طهران. ويشير إلى أن الإدارة الأميركية خفضت عدد الدبلوماسيين المحترفين في فريقها المفاوض، مما يضعف موقفها التفاوضي. كما تنقل عن وزير الدفاع الأميركي السابق جيم ماتيس قوله إن الخطوات الفردية المنعزلة لا تغني عن استراتيجية مدروسة جيداً. ويعتقد أن إجراءات الإدارة تبدو غير منهجية.
وعن فريق ترامب إلى المفاوضات المفترضة مع التنين الإيراني، تقول الصحيفة إنه يضم شخصيات ذات خبرات ووجهات نظر متنوعة. ومن بينهم نائب الرئيس جيه. دي. فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، بالإضافة إلى المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، والمستشار جاريد كوشنر. ومع ذلك، يُلاحَظ أن القرارات الرئيسية تُتخذ من قِبل دائرة صغيرة من الأشخاص، ويبدو دور السلك الدبلوماسي ثانويًا فيها.
الخبير الروسي بالشؤون الإيرانية نيكيتا سماغين تحدث في موقعه على الفايسبوك في 26 الجاري عن الشروط التي رد بها نظام الملالي على نقاط ترامب الخمس عشرة التي طرحها للتفاوض بشأنها. ورأى فيها شروط بلد منتصر في الحرب. وقال إن طهران تحاكي ترامب، وتتقصد تقديم شروط غير مقبولة مسبقاً. وعلى سبيل المثال، ضمانات بإنهاء الهجمات على الأذرع في المنطقة، والتعويضات، والسيادة الإيرانية على مضيق هرمز، ناهيك عن وقف إطلاق النار الفوري.
اعتبر سماغين أن هذه الشروط المرفوضة مسبقاً من قبل واشنطن، قد تكون بدايةً لخطوة تفاوضية من جانب إيران، ما قد يُمهد الطريق لعملية تفاوض طويلة وشاقة. أو قد تكون رفضاً قاطعاً لأي حل تفاوضي، إذ من الواضح أن إيران لا تثق بترامب إطلاقاً، لذا لا يمكن استبعاد خطوة الرفض هذه. ويستنتج سماغين من ذلك بأن ما يحدث يرسل إشارة واضحة بأنه لا توجد أي علامة على التوصل إلى تسوية في المستقبل القريب.
الصحافي الروسي سيرغي مدفيديف علق في 25 الجاري على موقعه في الفايسبوك على إعلان ترامب بأنه سينهي الحرب في 9 نيسان/ابريل المقبل، فقال بأن هذا التاريخ يذكّره بالأول من نيسان/أبريل: يوم الكذب أو يوم الضحك العالمي.
ونقل عن نيكيتا سماغين قوله إن أحاديث ترامب عن المفاوضات لا يزيد طهران إلا ثقة في فشل الاستراتيجية الأميركية. وقال إن ترامب تحدث عن مفاوضات “جيدة جداً” مع إيران. وردت إيران بالتأكيد على عدم وجود مفاوضات، وأن ترامب كان يحاول فقط التأثير على أسعار الطاقة. وقال إنه، بغض النظر عما إذا كانت هناك اتصالات أم لا (على الرغم من أنني في هذه الحالة بالذات أميل أكثر إلى تصديق الرواية الإيرانية)، فإن كل ما يحدث يقنع النخبة الإيرانية، أو ما تبقى منها، بأن الأمور سيئة بالنسبة للولايات المتحدة.
أشار ميدفيديف إلى أن طهران أعلنت فعلياً سيطرتها على مضيق هرمز، وفرضت رسوماً قدرها مليونا دولار أميركي لعبوره. وقد تمسك النظام بموقفه، بل ونجح في حشد أنصاره. أما السكان، فهم في غالبيتهم غير مبالين وخائفين، ولا يفكرون في التمرد، حتى أن الأكراد قد فشلوا في دفعهم إلى التحرك. ورأى أن التقارير عن عملية برية تبدو مرجحة، وهي بمثابة بصيص أمل. وفي هذه الحالة، ستنجر الولايات المتحدة إلى أعماق الصراع، وستحتاج إلى إيجاد مخرج منه. لذا، يتزايد الشعور بأن ترامب قد تورط في أمر لا يستطيع السيطرة عليه. وفي الوقت الراهن، يتزايد الشعور بأن إتمام مهمة “الصمود ليوم وليلة” بنجاح قد بات وشيكًا.
بعيداً عن رأي ميدفيديف الذي يعكس المنحى العام للإعلام الروسي الدائر في فلك الكرملين، والمتعاطف مع نظام الملالي الذي يجابه العدو المشترك: الغرب الكلي. نشر موقع the insider في 25 الجاري نصاً بليغ الدلالة لمن يتحدث عن صمود نظام الملالي، ويكاد يرى فيه انتصاراً للملالي. وضع الموقع لنصه عنوان “ما لايقتل إيران، يعزز صمودها”.
موقع يديعوت احرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 26 الجاري نصاً تحدث فيه عن سيناريوهين اثنين لإنهاء الحرب، “والقرار يبقى لترامب”.
أشار الموقع إلى أن إسرائيل تُدرك جيداً أن الحرب في إيران قد تنتهي في أي لحظة، بقرار من الرئيس الأميركي ترامب. وهناك سيناريوهان رئيسيان: الأول هو إنهاء أحادي الجانب للحرب، حيث تُعلن واشنطن تحقيق جميع أهدافها العسكرية بنجاح.
يسترسل الموقع في الحديث عن التبريرات التي قد تسوقها الولايات المتحدة لإثبات صحة خيارها بوقف الحرب بقرار منفرد من ترامب. ويرى أن السيناريو الثاني المفترض إلى جانب الأول، يتمثل في التوصل إلى “إعلان مبادئ” مشترك مع إيران، وهو ما يُذكّر إلى حد ما بالاتفاقيات التي تم التوصل إليها مع كوريا الشمالية في قمة سنغافورة خلال ولاية ترامب الأولى. “لكن، هل سيؤدي ذلك إلى اتفاق تفصيلي؟ ربما لا. لكنه سيخلق شعوراً بتحقيق خرق”.
المصدر: المدن


