في خرافة الانعزالية الأميركية

طارق النعيمات

            

“سيبدأ رئيسنا حرباً مع إيران، لأنه لا يملك أيّ قدرة على التفاوض. إنه ضعيف وغير فعّال. لذا، الطريقة الوحيدة التي يعتقد أنه سيفوز من خلالها بولاية ثانية (وهذا مؤكّد تماماً) أن يبدأ حرباً مع إيران”… ليست هذه الكلمات من ناشط سياسي معارض للحروب في أميركا، بل من دونالد ترامب نفسه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، حين كان نجماً في تلفزيون الواقع، ولم يدخل السياسة بعد، مهاجماً الرئيس باراك أوباما. وفي خطاب تنصيبه في 20 يناير/ كانون الثاني 2025، قال إن النجاح سيقاس بـ”الحروب التي لا ندخلها”، لكن سرعان ما تبيّن أن ترامب لم يكن سوى نسخة أخرى من الرؤساء الأميركيين ذوي النزعات الإمبريالية.

ومع انتخاب ترامب، راجت في الأوساط الأميركية (وصدّقها بعضهم في العالم) فكرة أن الرجل يمثل إحياءً للانعزالية الأميركية، وأن واشنطن اكتفت من الحروب بعد تجاربها المريرة، وأنها قد تمارس نفوذها بوسائل خشنة وناعمة، لكنّها لن تذهب إلى الحرب. غير أن هذا التصوّر انكشفت هشاشته سريعاً مع نهج ترامب العدواني تجاه إيران وفنزويلا وكوبا وغيرها. ولا تتعلّق المشكلة بترامب وحده، ولا بتناقضات رئيس معيّن، بل بطبيعة أعمق في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية. ففكرة الانعزالية نفسها تبدو، عند النظر في التاريخ الأميركي، أقرب إلى وهم سياسي متكرّر منها إلى وصف دقيق للسلوك الأميركي في السياسة الخارجية.

وفي هذا السياق بالذات، برز خطاب ترامب وقاعدته الصلبة التي انتخبته وتبلورت لاحقاً في حركة “ماغا”. فقد رفعت هذه القاعدة شعار أن حروب أميركا التي لا تنتهي ليست إلا خدمةً للمجمع الصناعي العسكري وشبكات النفوذ والمال والسلاح. كذلك فقد تغذّت هذه النزعة من حصيلة الحروب الفاشلة من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، فلم تعد فكرة رفض الحروب محصورةً في أوساط اليسار الأميركي من منطلق أخلاقي، بل غدت مركزية أيضاً لدى اليمين الشعبوي بوصفها فكرةً مصلحيةً قبل أن تكون أخلاقية. فأميركا أولاً تعني، في هذا الخطاب، أن نهتم بأنفسنا فقط، ولا داعي لحروبٍ ستكلّفنا أموالاً وأرواحاً.

ظنّ ترامب، ومن خلفه نتنياهو، أنه بعد القوة النارية التي تقتل قادة إيران، ستكمل الجماهيرُ الإيرانية المهمّةَ بالثورة على النظام. لكن هذه الحسابات لا تبدو صحيحة

منذ تأسيسها، قامت الولايات المتحدة على نزعة توسّعية واضحة، بدأت بالتمدّد غرباً على حساب السكّان الأصليين، ثم تحوّلت، بعد الاستقلال وترسّخ الدولة، إلى عقيدة سياسية عُرفت لاحقاً باسم “Manifest Destiny” أو “القدر المتجلّي”، بوصفها مبرّراً أيديولوجياً للتوسّع والهيمنة. وقد دُعِّم هذا المنطق بذرائع دينية وأخلاقية، ليغدو العدوان والتوسّع مبرَّرَين في نظر الأميركيين، باعتبارهم “الأخيار” الذين عليهم قتال “الأشرار” غير المتحضّرين والاستيلاء على أراضيهم. وباسم هذه العقيدة، واصلت واشنطن الاستيلاء على الأراضي داخل القارّة وخارجها، من كندا والمكسيك إلى ألاسكا وهاواي وبورتوريكو وغوام والفيليبين وغيرها.

وقد رافق هذا التوسّع صوغ عقيدة مونرو بوصفها انتقالاً من التوسّع القارّي إلى شرعنة (وتنظيم) الهيمنة على المجال الإقليمي الأوسع. فقد أعلنت هذه العقيدة (في عام 1823) أن نصف الكرة الغربي لم يعد مفتوحاً أمام الاستعمار الأوروبي الجديد، وأن أيّ محاولة أوروبية للهيمنة على دولة في الأميركيتَين ستُعدّ عملاً عدائياً ضدّ الولايات المتحدة. وفي العصر الحديث، عادت فكرة الانعزالية، التي تبنّتها الولايات المتحدة فتراتٍ وجيزة قبيل الحربَين العالميَّتَين، الأولى والثانية، إلى الواجهة بعد الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق، وما خلّفته من استنزاف مالي وعسكري من دون نتائج استراتيجية حاسمة. ففي العراق، تعاظم النفوذ الإيراني بعد الغزو الأميركي ثم بعد الانسحاب، وفي أفغانستان، عادت حركة طالبان إلى الحكم بعد الانسحاب الأميركي عام 2021. ولم يبدُ أن الولايات المتحدة استفادت جوهرياً من تلك الحروب بقدر ما استنزفتها مالياً واستراتيجياً.

الانعزالية في عقل النُّخب الأميركية خرافة أمّا “القدر المتجلّي” فعقيدة مُؤسِّسة

وبدا ترامب، خصوصاً في ولايته الأولى، متناغماً مع فكرة الانعزالية ورفض الحروب. بل إنه انتقد أوباما وبوش بسبب المغامرات العسكرية، وقدّم نفسه الرئيس غير المرتبط باللوبيات التي تشجّع على خوض الحروب. لكن الوقائع اللاحقة أظهرت زيف هذا الادعاء. فقد حاول تقديم نموذج جديد من الحروب: خاطفة وسريعة ومربحة. وعلى هذا الأساس، خضع ترامب لمنطق نتنياهو في الحرب على إيران، على أساس أنها ستكون عمليةً عسكريةً سريعةً مثل تجربة فنزويلا. ووفقاً لهذا التصوّر، ظنّ ترامب، ومن خلفه نتنياهو، أنه بعد القوة النارية التي تقتل قادة إيران، ستكمل الجماهيرُ الإيرانية المهمّةَ بالثورة على النظام. لكن هذه الحسابات لا تبدو صحيحة، فلا الحرب سهلة ولا سريعة، ولا حتى مربحة، وليس مستبعداً أن تتحوّل إلى العلامة السوداء التي ستطبع مسيرتَي ترامب ونتنياهو السياسيتَين.

الخلاصة، أن التوسّع والهيمنة والسيطرة عناصر متأصّلة في السياسة الخارجية الأميركية. ورغم وجود حركة داخلية رافضة للحروب، فإن النُّخبة الأميركية تجد في كلّ مرّة طُرقاً التفافيةً لخوض حروب أخرى بشعارات أخلاقية جوفاء، أو بذرائع أمنية مختلقة. وهذا ما يطرح السؤال الحقيقي: إلى أيّ حدّ يستطيع النظام السياسي الأميركي كبح نزعات الحرب، حتى لو أراد جزءٌ من الجمهور الأميركي دولةً أقلّ تورّطاً في الخارج؟ فالانعزالية، في عقل النُّخب الأميركية، ليست إلا خرافةً متكرّرة، أمّا “القدر المتجلّي” فليس مجرّد ذكرى تاريخية، بل عقيدة مُؤسِّسة للأمة الأميركية.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى