
في الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، يستعيد السوريون محطاتٍ ومدنًا تركت أثرًا عميقًا في مسار الثورة، ومدنًا تحولت مع مرور السنوات إلى رموز للصمود والتمسك بالحرية رغم الحرب والدمار، وكل محاولات إعادة السوريين إلى قبضة الاستبداد.
وبين تلك المدن تبرز اعزاز في ريف حلب الشمالي، التي لم تكن مجرد مدينة حدودية، بل تحولت خلال سنوات الثورة إلى واحدة من أهم معاقلها السياسية والعسكرية والاجتماعية في الشمال السوري.
فمنذ الأيام الأولى للحراك الشعبي، رفعت اعزاز علم الثورة السورية في ساحاتها وشوارعها، وحافظت عليه مرفوعًا رغم سنوات من القصف والمعارك والتقلبات العسكرية، وخلال تلك السنوات واجهت المدينة محاولات اقتحام متكررة من قوات النظام السوري، وباقي التنظيمات التي حاربت الثورة السورية.
لهذا اكتسبت اعزاز لقب “عاصمة الشمال”، ليس فقط لموقعها الجغرافي أو دورها الإداري، بل لأنها مثلت نموذجًا لمدينة تمسكت بخيار الحرية طوال سنوات الثورة، حتى اللحظة التي وصل فيها السوريون إلى محطة مفصلية مع تحرير سوريا في 8 كانون الأول.
“مقبرة الدبابات “.. أيقونة تحرير اعزاز
بدأت قصة صمود مدينة اعزاز مع انطلاق الثورة السورية السلمية عام 2011، حين انضم سكانها إلى المظاهرات المطالبة بالحرية والكرامة، في تحدٍ مبكر لسلطة النظام آنذاك، وفي 22 تموز2011 ارتقى أول شهيد من أبناء المدينة برصاص قوات الأمن، وفق ما وثّقه موقع “الذاكرة السورية”، لتدخل اعزاز منذ ذلك الحين في مسار تصاعدي من المواجهة مع النظام المخلوع.
غير أن التحول المفصلي في تاريخ المدينة جاء في صيف عام 2012، مع اندلاع معركة عُرفت لاحقاً باسم “مقبرة الدبابات”، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز محطات الثورة في ريف حلب الشمالي، ففي أواخر حزيران من ذلك العام، فرضت فصائل الجيش السوري الحر حصاراً على قوات النظام المتمركزة في مفرزة الأمن العسكري ومحيطها داخل المدينة، بمشاركة عدد من التشكيلات الثورية، من بينها لواء “عاصفة الشمال” و”أحرار الشمال” وكتائب “أحرار الشام”.
واستمرت المعارك العنيفة نحو عشرين يوماً، حاول خلالها النظام كسر الحصار عبر إرسال أرتال من الدبابات والمدرعات مدعومة بالطيران المروحي، إلا أن مقاتلي الجيش الحر وقتها تمكنوا من تدمير عدد كبير من هذه الآليات على مداخل المدينة، ليطلقوا على المنطقة لاحقاً اسم “مقبرة الدبابات”.
وفي 19 تموز 2012 تمكن الثوار من اقتحام آخر مواقع قوات النظام داخل اعزاز وإعلان تحرير المدينة بالكامل، قبل أن يسيطروا بعد ثلاثة أيام، في 22 تموز/يوليو، على معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا. وبذلك أصبحت اعزاز أول مدينة تتحرر في ريف حلب الشمالي، وثاني مدينة سورية تخرج بالكامل عن سيطرة النظام وتحمل السلاح دفاعاً عن الثورة.
بين حصار النظام ومحاولات الاقتحام
رغم خروج المدينة عن سيطرة النظام عام 2012، فإنها بقيت هدفاً لمحاولات متكررة لإخضاعها عسكرياً أو محاصرتها، ومع تمركز قوات النظام في بلدتي نبل والزهراء جنوب المدينة، تحولت اعزاز إلى نقطة مواجهة مفتوحة شهدت قصفاً متواصلاً ومحاولات ضغط عسكري استمرت سنوات.
لم يتمكن النظام المخلوع من استعادة مدينة اعزاز بعد سيطرة فصائل الجيش الحر عليها، إلا أنه سعى إلى التضييق عليها من خلال فرض طوق عسكري من الجهة الجنوبية، مستنداً إلى وجوده في بلدتي نبل والزهراء المواليتين له في ريف حلب الشمالي، ومن هناك استمرت قواته في تهديد المدينة، بينما نفذت طائراته غارات متكررة استهدفت محيطها وأحياءها.
في المقابل كانت فصائل المعارضة تستهدف مواقع قوات النظام في نبل والزهراء ضمن معارك متقطعة هدفت إلى تحييد هذا التهديد والدفاع عن المدينة.
وعلى الرغم من القصف المستمر والضغوط العسكرية، حافظت المدينة على موقعها كأحد أبرز معاقل الثورة في ريف حلب الشمالي، فقد رفع أهلها علم الثورة السورية، وشكّلوا مجالس محلية وإدارات مدنية لإدارة شؤونهم، في محاولة لبناء نموذج حكم بديل عن سلطة النظام، ومع مرور الوقت تحولت اعزاز إلى ملاذ لآلاف المهجرين والنازحين، ومركز للنشاط الإغاثي والثوري، رغم ما تعرضت له من دمار طال أسواقها ومنازلها.
اعزاز في مواجهة “داعش” معارك الدفاع عن المدينة
لم تتوقف التحديات التي واجهتها مدينة اعزاز بعد خروجها من سيطرة النظام، إذ سرعان ما وجدت نفسها أمام تهديدات جديدة من تنظيمات مسلحة سعت للسيطرة عليها من جهات مختلفة.
ففي أيلول 2013 اندلعت اشتباكات عنيفة بين تنظيم “داعش” من جهة ولواء عاصفة الشمال -أكبر فصائل الجيش الحر في المدينة – من جهة أخرى داخل مدينة اعزاز، تمكن خلالها التنظيم من السيطرة على أجزاء من المدينة، وفي 20 أيلول توسطت فصائل إسلامية لوقف القتال مؤقتاً، غير أن المواجهات تجددت في تشرين الأول من العام نفسه، ما سمح للتنظيم بتوسيع نفوذه مستفيداً من تراجع بعض فصائل الجيش الحر.
لكن هذا الواقع لم يدم طويلاً؛ إذ اندلع في مطلع عام 2014 صراع واسع بين تنظيم “داعش” والفصائل الثورية في مختلف مناطق الشمال السوري، على خلفية تجاوزات التنظيم ضد الأهالي والفصائل، وفي أعقاب تلك المواجهات، انسحب مقاتلو التنظيم من اعزاز بالكامل بحلول شباط 2014، بعد ضغط عسكري متزايد من فصائل الجيش الحر.
وخلال تلك المعارك برز دور الأهالي إلى جانب الفصائل الثورية في الدفاع عن المدينة، حيث شكّل التماسك الشعبي عاملاً حاسماً في منع التنظيم من تثبيت وجوده داخل اعزاز أو إخضاعها لسيطرته، لتبقى المدينة محافظة على موقعها كإحدى أبرز معاقل الثورة في الشمال السوري.
إفشال محاولات الـ(PYD) للسيطرة على اعزاز
لم تقتصر التهديدات التي واجهتها مدينة اعزاز على النظام المخلوع والتنظيمات المتشددة، بل امتدت أيضاً إلى محاولات التمدد التي قادها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) عبر ذراعه العسكرية “وحدات حماية الشعب” (YPG)، مستفيداً من سيطرته على مدينة عفرين الواقعة غربي اعزاز، فقد سعى الحزب منذ عام 2014 إلى التقدم نحو المدينة ضمن مشروعه الرامي إلى ربط مناطق سيطرته في الشمال السوري.
وفي أواخر عام 2015 تمكنت الوحدات الكردية المدعومة بغطاء روسي من السيطرة على عدد من القرى الحدودية في ريف اعزاز الغربي، من بينها كشتعار والمالكية، إلا أن مقاتلي الجيش السوري الحر، بمساندة من سكان المنطقة، شنّوا هجمات مضادة عنيفة تمكنوا خلالها من استعادة النقاط الأساسية في تلك القرى بعد معارك ضارية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الوحدات الكردية.
ولم تتوقف تلك المحاولات عند ذلك الحد؛ ففي شباط 2016 حشدت وحدات حماية الشعب (YPG)، والتي انضمت إلى قوات سوريا الديمقراطية “قسد” قواتها مدعومة بغطاء جوي روسي، في محاولة للتقدم نحو مدينة اعزاز نفسها، غير أن التدخل التركي عبر قصف مدفعي استهدف مواقع تقدم هذه القوات حال دون تنفيذ الهجوم، وأكد مسؤولون أتراك في حينه أنهم لن يسمحوا بسيطرة هذه الميليشيات على اعزاز، نظراً لما تمثله المدينة من أهمية استراتيجية على الحدود الشمالية لسوريا.
ورغم تكرار المحاولات بين عامي 2014 و2016، فشلت قوات حزب الاتحاد الديمقراطي في اقتحام المدينة أو فرض سيطرتها عليها، إذ تمكنت الفصائل الثورية وأهالي اعزاز من صد تلك الهجمات المتكررة، وقد أسهمت هذه المواجهات في الحفاظ على المدينة خارج نطاق الـ YPK، كما عكست رفضاً واسعاً لأي مشاريع تقسيم أو ترتيبات من شأنها المساس بوحدة الأراضي السورية.
في الختام لم تكن اعزاز مدينة محررة فحسب، بل نموذج للصمود الذي أثبت أن الإصرار على الكرامة والحرية يمكن أن يغير مسار التاريخ، ويبني سوريا جديدة حرة وموحدة، وفي هذه الأيام تحتفل سوريا بفجر حريتها، وتتذكر اعزاز كأحد أعمدة هذا النصر، وكرمز خالد لإرادة السوريين في بناء وطن يقوم على العدالة والكرامة للجميع.
المصدر: تلفزيون سوريا






