
لقد عملت على ملف المعتقلين والمختفين قسراً في سوريا منذ انطلاقة الثورة السورية، وتعمّقت في هذا الملف كثيراً، ولا سيما في أوساط شريحة فلسطينيي سوريا بحكم التخصص، وكتبت عنه كثيراً ووثّقت أكثر، سواء بشكل فردي أو من خلال العمل المؤسسي. وقد طرحت هذا الملف مراراً في الإعلام المحلي والعربي والدولي، متنقلاً بين زواريب مخيمات سوريا وأزقة أحيائها، مروراً بعواصم ومدن في عدة بلدان، وصولاً إلى جنيف داخل قاعة مجلس حقوق الإنسان.
لكن، وللأمانة، بعد أن قرأت التحقيق الذي نشره موقع الجمهورية نت بعنوان: «جرح سوريا المفتوح: ماذا تحقق لعائلات المختفين قسرياً؟»، وأعدت قراءته أكثر من مرة، شعرت بثقل هذا الملف أكثر مما شعرت به من قبل.
فالتحقيق جمع أمامي، وفي مادة واحدة، معظم التحديات والمعوقات والعقبات التي تحيط بهذا الملف. فلم يكتف بعرض الوقائع، بل قدّم خلاصات مهمة جداً، وطرح أسئلة ربما تكون الأهم، تاركاً الباب مفتوحاً كما هو جرح الضحايا وذويهم، الذي ما يزال مفتوحاً منذ خمسة عشر عاماً.
أين تكمن أهمية التحقيق؟
بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، وخمسة عشر عاماً على انطلاق الثورة السورية، ما تزال واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في تاريخ سوريا الحديث معلّقة بلا إجابات واضحة: مصير مئات آلاف السوريين والفلسطينيين الذين اختفوا قسراً خلال عقود من الحكم الأمني الديكتاتوري وسنوات الحرب الطويلة.
قبل أيام، صدر تحقيق موسّع نشره موقع الجمهورية نت بعنوان: «جرح سوريا المفتوح: ماذا تحقق لعائلات المختفين قسرياً؟» للصحفيين ميلفن إنغلبي وهزار يازجي. يحاول هذا التحقيق رسم خريطة المؤسسات الوطنية والدولية التي تتعامل مع هذا الملف، ويطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الحقيقة والعدالة في البلاد.
عمل الصحفيان على التحقيق لمدة شهرين، وأجريا مقابلات مع أكثر من عشرين مصدراً، من عائلات المعتقلين والمختفين وجمعياتهم، وكذلك مع رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في دمشق وعدد من أعضائها، إضافة إلى مصادر مطلعة على عمل أبرز المنظمات الدولية المعنية بهذا الملف، مثل الهيئة الأممية المستقلة للمفقودين، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، واللجنة الدولية للمفقودين.
لكن أهمية التحقيق لا تكمن فقط في المعلومات التي يقدمها، بل في الأسئلة السياسية العميقة التي يثيرها حول مستقبل مفهوم العدالة في سوريا، وفي كشفه التعقيدات التي تحيط بملف يُعدّ من أكبر ملفات الاختفاء القسري في العالم المعاصر.
إن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من سيبحث عن المختفين؟ بل أيضاً: من سيملك في النهاية رواية ما حدث؟ فالسردية هنا انعكاس لمفهوم الحقيقة، الذي يعتبر ركيزة أساسية للعدالة الانتقالية.
في القلب من مفهوم العدالة الانتقالية
في التجارب الدولية التي أعقبت سقوط أنظمة استبدادية أو انتهاء حروب أهلية، تظهر عادة ثلاثة ملفات رئيسية تشكّل جوهر العدالة الانتقالية: محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإصلاح المؤسسات السياسية والأمنية، وكشف مصير الضحايا.
في الحالة السورية، يحتل ملف المعتقلين والمختفين قسراً موقعاً مركزياً في هذه المعادلة، فالتقديرات تشير إلى أكثر من 180 ألف مختفٍ منذ عام 2011، وربما ما يقارب 300 ألف منذ سبعينيات القرن الماضي.
هذه الأرقام تجعل القضية أكبر بكثير من مجرد ملف حقوقي، إنها قضية اجتماعية ووطنية تمس كل مدينة تقريباً وكل مجتمع محلي، وربما كل عائلة سورية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من سيبحث عن المختفين؟
بل أيضاً: من سيملك في النهاية رواية ما حدث؟ فالسردية هنا انعكاس لمفهوم الحقيقة، الذي يعتبر ركيزة أساسية للعدالة الانتقالية.
صراع غير معلن على إدارة الملف
يُظهر التحقيق بصورة غير مباشرة وجود صراع خفي بين ثلاث قوى رئيسية تحاول التأثير في مسار هذا الملف.
الطرف الأول هو الدولة السورية الجديدة، التي تسعى إلى إبقاء الملف ضمن إطار سيادي تقوده الهيئة الوطنية للمفقودين. ويظهر ذلك في تأكيد مسؤولي الهيئة على أن الاستراتيجية للعمل في هذا الملف يجب أن تُحدد داخل البلاد، وأن عينات الحمض النووي لا ينبغي أن تُنقل إلى الخارج، وأن دور المنظمات الدولية يجب أن يبقى داعماً لعمل المؤسسات الوطنية لا بديلاً عنها.
في المقابل، ترى بعض المنظمات الدولية أن لها دوراً أكبر ينبغي أن تلعبه، مستندة إلى خبرتها الطويلة ومواردها المالية الكبيرة، إضافة إلى خشيتها من تأثير الاعتبارات السياسية المحلية في مسار التحقيقات.
لكن التحقيق يشير بوضوح إلى أن الثقة بين الطرفين ما تزال محدودة، وأن العلاقة بين المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية يشوبها قدر كبير من الحذر والتنافس.
أما الطرف الثالث في هذه المعادلة فهو عائلات الضحايا نفسها. فهذه العائلات التي كانت في طليعة الجهود الحقوقية خلال السنوات الماضية لا تثق بالكامل بأي طرف، فهي تخشى من تسييس الملف داخلياً، كما تخشى من بطء المؤسسات الدولية وبيروقراطيتها.
وفي الوقت نفسه، تُصر على أن الهدف لا يمكن أن يقتصر على معرفة المصير فقط، بل يجب أن يشمل العدالة أيضاً بما في ذلك التعويض وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.
العدالة أم الاستقرار؟
من أكثر النقاط حساسية التي يلمح إليها التحقيق العلاقة بين ملف المختفين ومسار العدالة الانتقالية الأوسع في البلاد. ففي الوقت الذي تتحدث فيه السلطة الجديدة عن ضرورة تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة، ظهرت تقارير عن صفقات تحت غطاء وعناوين اقتصادية، مثل التسويات مع شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، بل وحتى عن تعاون مع شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، محمد حمشو وفادي صقر نموذجاً.
وهذا يفتح سؤالاً سياسياً معقداً، واجهته دول كثيرة خرجت من الحروب وخاضت تجارب مشابهة إلى حد ما: هل ينبغي إعطاء الأولوية للاستقرار السياسي أم لتحقيق العدالة الكاملة؟
في جنوب إفريقيا وتشيلي والبوسنة والعراق مثلاً، ظهرت توترات مشابهة بين متطلبات الاستقرار ومطالب العدالة. التحقيق لا يطرح هذا السؤال بشكل مباشر، لكنه يلمح إليه بوضوح من خلال عرض التناقض بين آمال وطموحات عائلات الضحايا ومسار السياسة الواقعية.
من المفيد ألا يُكتفى بالاطلاع على هذا التحقيق، بل المطلوب أن يُشكل ضغطاً على جميع الجهات التي تعمل على هذا الملف المهم والحساس.
جمر تحت الرماد
ربما جاءت العبارة الأكثر دلالة على وضع ذوي الضحايا الحالي في التحقيق على لسان إحدى أمهات المختفين قسراً، اللاجئة الفلسطينية السورية مريم حسن، التي فُقِد زوجها وابنها على حاجز قرب مخيم اليرموك، حين قالت إن عائلات الضحايا “كالجمر المتقد”.
هذه العبارة ليست مجرد تعبير عن الألم وانعكاس لليأس، بل تحمل بين ثناياها تحذيراً سياسياً واضحاً. ففي كثير من البلدان التي خرجت من الحروب، أدى تأجيل العدالة أو تجاهل مطالب أهالي الضحايا إلى ظهور موجات جديدة من العنف أو الانتقام.
ولهذا فإن قضية المختفين قسراً لا تتعلق بالماضي وحده فقط، بل ترتبط أيضاً بمستقبل الاستقرار والسلم الأهلي في البلاد.
الخاتمة
يذكّر التحقيق بأن سقوط النظام لا يعني نهاية القضية. فالبداية الحقيقية لمرحلة ما بعد الحرب تبدأ عندما يبدأ المجتمع بكشف الحقيقة الكاملة عمّا حدث، ولكن البطء، والبيروقراطية، والتنافس المؤسسي، والصفقات السياسية قد تجعل هذا الملف يتراجع تدريجياً إلى الهامش.
وإذا حدث ذلك، فإن البلاد قد تخسر فرصة تاريخية لمواجهة وتوثيق جزء مهم من ماضيها وبناء مستقبل أكثر استقراراً.
فالمختفون قسرياً والمعتقلون وذووهم ليسوا مجرد قضية إنسانية معلقة، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع على تحقيق العدالة بعد عقود من القمع والحرب.
يبقى القول إنه من المفيد ألا يُكتفى بالاطلاع على هذا التحقيق، بل المطلوب أن يُشكل ضغطاً على جميع الجهات التي تعمل على هذا الملف المهم والحساس. فهو يسلط الضوء على الكثير من العناوين الأساسية تقنياً ولوجستياً وقانونياً ومادياً التي يرتكز عليها هذا الملف، وتشكل منطلقاً رئيسياً لإحداث اختراق حقيقي وإيجابي فيه، ينصف ذوي الضحايا ويُبقي لديهم شيئاً من الأمل بأن تضحيات أبنائهم لم تذهب هدراً.
المصدر: تلفزيون سوريا


