إيران.. بين الاحتواء والمواجهة الشاملة

أحمد عيشة

على مدى العقود الماضية شهدت العلاقات بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى تحولات مهمة تأرجحت بين التعاون والحروب بقصد فرض الهيمنة على المنطقة وتقاسم النفوذ فيها، غير أن المرحلة الراهنة تبدو أكثر حدة، إذ تخوض هذه القوى اليوم أعنف حرب بينها، حرب تحصد أرواح الآلاف في سياق محاولات لإعادة رسم الأدوار الإقليمية وربما تعديل بعض التوازنات الجغرافية والسياسية، وهو ما ينذر بدخول المنطقة مرحلة جديدة من عدم الاستقرار قد تكون شعوبها الأكثر تضرراً من تداعياتها.

منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، تبنّت إيران استراتيجية إقليمية تقوم على توسيع مجال نفوذها خارج حدودها الوطنية، مستندة إلى مبدأ تصدير الثورة، الذي كرسته دستورياً، وقد تجسد هذا من خلال بناء شبكة من القوى الحليفة أو الوكيلة في عدة بلدان عربية، مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن. وفي هذا السياق، لعب فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني دوراً محورياً في بناء هذه الشبكة، التي ستوظفها إيران من أجل تطبيق ما يمكن وصفه بـ “الدفاع المتقدم”، أي نقل ساحة المواجهة مع خصومها بعيداً عن أراضيها، وتحويل المنطقة إلى مجال نفوذ استراتيجي يحمي النظام الإيراني ويمنحه أدوات ضغط متعددة. وخلال تلك الفترة تعاملت الولايات المتحدة وإسرائيل مع تلك السياسة وفق استراتيجية التعاون والاحتواء بمواجهة خطر آخر، كان متمثلاً بالعراق ومن بعده الحركات الإسلامية الجهادية.

انتهت الحروب التي شنتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، التي رُوّج لها باعتبارها بداية إعادة تشكيل المنطقة، عملياً إلى تعزيز النفوذ الإيراني بدلاً من تقويضه، وخاصة في العراق، حيث ساهم هذا النفوذ المترافق مع سياسة الولايات المتحدة بإعادة تشكيل “الدولة” في العراق بخلق الحركات الجهادية الإسلامية كرد فعل على المظالم والسياسات الطائفية لإيران من جهة وعلى سياسة التهميش والعداء الأميركية تجاه “السنة”، وهو ما خلق للطرفين “عدواً” مشتركاً كان أحد أسباب التهادن والتعاون بينهما، تجلى فيما بعد بالانسحاب الأميركي التدريجي من العراق بما يعكس توجهاً معاكساً لفكرة الانخراط في مواجهة مباشرة وشاملة مع إيران في تلك المرحلة.

شكلت الحرب الإبادية التي شنتها إسرائيل ولا تزال -في إثر العملية التي قامت بها حركة حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، على الشعب الفلسطيني في غزة نقطة تحول مفصلية في تاريخ الشرق المتوسط، وخاصة المنطقة العربية. فالحرب هذه لم تقتصر آثارها على الدمار الهائل والخسائر البشرية التي لحقت بالفلسطينيين، حيث قُتل عشرات الآلاف ودُمّرت مدن ومخيمات بأكملها، بل سرعان ما تحوّلت إلى لحظة مفصلية لإعادة صياغة الاستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران وشبكة حلفائها في المنطقة، استراتيجية تعتمد توجيه الضربة إلى إيران بقصد تفكيك شبكاتها وبالتالي تقليص نفوذها، ودفع النظام الإيراني لإجراء تغييرات عميقة في سياساته الإقليمية، من دون استبعاد الخلاص من نظامها بالكامل وإقامة نظام موالٍ لها.

شكلت الحرب الإبادية التي شنتها إسرائيل ولا تزال -إثر العملية التي قامت بها حركة حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، على الشعب الفلسطيني في غزة نقطة تحول مفصلية في تاريخ الشرق المتوسط، وخاصة المنطقة العربية.

يعكس هذا التحول تصميم الولايات المتحدة وإسرائيل على إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، والتحرر من قواعد اللعبة التي سادت خلال العقود الماضية التي اتسمت بغض الطرف عن تمدد شبكتها المعروفة بـ “محور المقاومة”، والانتقال لتحجيمها أو الخلاص من نظامها اللصوصي، كما يعكس قناعة متزايدة لدى صناع القرار في واشنطن وتل أبيب بأن استراتيجية “الحرب عبر الوكلاء” التي اعتمدتها إيران طوال العقود الماضية أصبحت تهديداً استراتيجياً يجب تفكيكه. فوجود شبكة عسكرية عقائدية عابرة للحدود يمنح إيران قدرة على تعطيل التوازنات الإقليمية، وخلق بؤر توتر دائمة تهدد مصالح الغرب وحلفائه. ومن هنا، يبدو أن المرحلة الحالية تتجه نحو تفكيك تدريجي لهذه الشبكة، من خلال المواجهات العسكرية المباشرة وعبر إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بما يقلّص المساحة السياسية والعسكرية التي تتحرك فيها القوى المرتبطة بطهران.

في الوقت نفسه، يبدو أن الاستراتيجية الأميركية تسير في مسارٍ موازٍ، يتمثل في إعادة ترتيب العلاقات مع بعض قوى الإسلام السياسي السني، بعد أن تتبنى مواقف محافظة بعيدة عن طروحات القاعدة وداعش اللتين تحلمان بـ “فتح” روما وما ترمز إليه، ويمكن لهذه القوى أن تشارك حتى بقتال تلك الأطراف المتطرفة من تيارات الإسلام السياسي الجهادي، ومن باب أولى أن تشارك بالوقوف بوجه إيران ومطامعها التوسعية، خاصة أن لإيران سجل من الفظائع بحق شعوب المنطقة من بغداد إلى دمشق وبيروت واليمن، يكفي لتسعير كثير من الأحقاد.

صحيح أنه خلال العقود الماضية، عرفت تلك العلاقة بين الغرب وهذه الحركات توتراً كبيراً، وشهدت معارك كبيرة وتغييرا لأنظمة سياسية تحت ذرائع متعددة، لكن التحولات السياسية الحالية قد تدفع إلى تبني نوع من البراغماتية السياسية التي تميّز بين الحركات الإسلامية المختلفة وفق موقعها في الصراع الإقليمي. ويعكس ذلك تحوّلاً في مقاربة الغرب للإسلام السياسي، حيث لم يعد يُنظر إلى هذه الحركات باعتبارها كتلة واحدة، بل بوصفها تيارات متباينة يمكن التعامل مع بعضها في إطار التوازنات الإقليمية الجديدة.

تعكس الحرب الدائرة اليوم بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى الصراع على الشرق الأوسط، وفي قلبه منطقتنا، صراع لا يزال مفتوحاً رغم الضربات العسكرية الموجعة لإيران، لكنها لا يمكن أن تضمن إمكانية تغيير نظام بطبيعة نظام الملالي، نظام متجذر يجمع بين البُعد العقائدي والمصلحة السياسية، ويستلهم الحلم الفارسي الإمبراطوري. وفي الطرف المقابل إسرائيل وأميركا اللتان تسعيان لتكريس زعامة جديدة كاملة للمنطقة من خلال الحلف الإبراهيمي وصفقة ترامب للقرن الحادي والعشرين. ويبقى السؤال الأهم، عن موقع العرب في ظل هذه التحولات الكبرى، فكلا المنتصرين سيفرض هيمنته ومصالحه أولاً، مما يفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراعات الأكثر اتساعاً وخطورة؟

تكشف التجارب السياسية للمنطقة أن كل محاولة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط بالقوة غالباً ما تنتج أشكالاً جديدة من عدم الاستقرار، ما يجعل مستقبل هذه الاستراتيجية رهناً بتوازنات معقدة تتجاوز حدود الصراع الحالي. وربما يكون الاستنتاج الأكثر واقعية هو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة طويلة من السيولة السياسية، حيث تتداخل الصراعات المحلية مع التنافسات الإقليمية والدولية دون أن تلوح في الأفق تسويات حاسمة. صحيح أن نفوذ إيران سيتضاءل، لكنه لن ينتهي دورها بالكامل، فالولايات المتحدة أو إسرائيل غير قادرتين على إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتهما الخاصة، فالبنى التي أسستها إيران قائمة على العقيدة من جهة وعلى بلطجة أميركا وإسرائيل عميقة، وهو ما سيبقي البلاد عرضة للحروب الصغيرة والصراعات بالوكالة، بينما تبقى الشعوب هي الخاسر الأكبر.

في ظل هذه التحولات، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً متعلقاً بموقع الدول العربية في هذا المشهد المتغير. فالتوازنات الجديدة التي قد تنشأ عن الصراع بين القوى الإقليمية والدولية لن تتحدد فقط بنتائج المواجهات العسكرية، بل أيضاً بقدرة الفاعلين الإقليميين على صياغة تحالفات جديدة عربية -إسلامية يمكنها أن تحمي مصالحهم وتجنب المنطقة عواقب صراع وحروب قوى لصوصية تسعى لتقاسم النفوذ في منطقتنا.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى