
لم يعد هنالك مكانٌ يمكن وصفه بالآمن: الحرب باتت في كل مكان. سقط مفهوم الحروب التقليدية التي اعتدنا عليها واختبرنا كيف نتعامل مع تداعياتها وعنفها. أشعر بالغرابة وأنا أتواصل مع صديقة مقيمة في الخليج أسألها إن كانت بخير ونحن المعتادون أن يطرح علينا هذا السؤال، نحن أهالي مناطق النزاعات التقليدية في الشرق الأوسط، إذ حياتنا تتقاطعها الحروب والأزمات على أنواعها. بعد أيام، أتلقّى الرسالة نفسها من الصديقة تسأل عن عائلتي في لبنان. أكاد أجيبها أننا بتنا أخيراً نعيش في العالم نفسه، قبل أن أوقن أن أحداً لم يعد يعرف معالم هذا العالم وإن كان قديماً أو جديداً. منذ عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، مطلع العام، باتت شهية الإدارة الأميركية للحروب ومعها سرديات الانتصار على “الأشرار” تعيد رسم معالم العالم حولنا من دون خريطة واضحة أو قابلة للتوقّع حول رقعتها المحتملة أو كيفية التعامل مع أخطارها.
في الحرب العالمية الجديدة التي تتسع رقعتها كل يوم لا معنى للأمان. باتت الهشاشة تعريفاً لعالمنا من هشاشة مصادر الرزق المتوافرة والمنافسة على فرص العمل المحدودة، وارتفاع كلفة الحياة على نحوٍ غير مسبوق وغيرها. حالة الحرب المتواصلة التي لا قواعد واضحة لها باتت التعريف الأبرز لهذه الهشاشة التي نعيشها أفراد وجماعات. كيف يمكن التعايش مع عالم اليوم، حيث لا شيء ثابت على حاله ولا حماية من إطار مؤسّساتي ما قادر على احتواء حالة الفوضى العارمة وغموض المستقبل. وهل يمكن أن نتأقلم مع تداعيات خطر لا يمكن فهم أشكاله وحدوده، نحن الذين اعتدنا أن نبني حياتنا على مفهوم القدرة على التأقلم مع كل الأهوال والتغني بهذه المقدرة الغريبة العجيبة على الاستمرار؟
تحاور المحطات البريطانية أفراد عائلات عائدة من بلدان الخليج، يتحدّثون أن حياتهم انقلبت من حياة مثالية في بحبوحة العيش في بلاد الخليج والرواتب العالية التي ينعمون بها إلى قطيعة وعودة مفاجئة إلى بلادهم. يبدو هؤلاء وكأنهم كائنات خارقة لا علاقة لها بواقع حياتنا وكيف نعيش الحرب نفسها، إذ لا هيئات رسمية تهتم أو قادرة على تقديم الحلول ولا عمليات إجلاء، بل تهجير عشوائي وذلّ الإقامة في المدارس وفي الشارع للذين باتوا ينامون في العراء. صور المهجّرين على الطرقات في بيروت والمدن اللبنانية التي استقبلت عمليات النزوح الكثيفة تبدو نقيض مشاهد استقبال العائلات البريطانية الآمنة التي عادت إلى بلادها واحتلت نشرات الأخبار، يحتفي بوصولها المراسلون في المطارات. لا وجه شبهٍ بين تأنق هؤلاء ومشاهد عشوائية عيش الآخرين المشرّدين في الشوارع في برد الشتاء وفي الشوارع المغلقة في رحلات النزوح الطويلة من القرى المستهدفة في الجنوب.
نكاد نشعر بالحنين للحروب السابقة التي كانت مساحتها محدّدة ونتائجها متوقعة
تقول المفكرة النسوية جوديت باتلر إنّ الحياة البشرية “هشّة” بطبيعتها، وإنّ هذه الهشاشة ترتكز على مدى اعتماد حياة كل منا على الآخرين، أي على وجود أنساق اجتماعية تحمينا وتضمن البقاء على قيد الحياة. في هذا الإطار، تعتبر كل حياة معرّضة للسقوط بسبب هشاشة وجودها، وعدم وجود إمكانية مادية للاستقلال الفعلي عن الآخرين، إلّا أن هذه الهشاشة لا تجعل كل الحيوات متساوية، اذ تُعتبر بعض الأرواح “مستحقّة للحزن” أو للرثاء بينما لا تحظى حيواتٌ أخرى بهذا الاعتراف ويجري تجاهل موتها. كذا كان حال ضحايا هجمات “11 سبتمبر”، إذ ركّزت وسائل الإعلام الأميركية على الحداد على الضحايا الأميركيين، بينما حظيت الوفيات الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية في إطار ما سمّيت مكافحة الارهاب باهتمام أقل بكثير. كذا أيضاً حال ضحايا الإبادة في غزّة الذين تحوّلوا إلى مجرّد أرقام في السردية الإعلامية، وغابوا أخيراً عن نشرات الأخبار مع تحوّل الاهتمام إلى الحدث الأهم. قد ينطبق الأمر نفسه على ضحايا العمليات العسكرية الجارية في لبنان، حيث مشهد الدمار والتهجير القسري بات شبه عادي، ولا يحظى باهتمام كثير في الإعلام العالمي المهتم بسرديات النصر والهزيمة. تعتبر باتلر أن الهشاشة حقيقة للجميع، لكن توزيعها سياسي بامتياز، إذ لا يعيش الجميع الهشاشة بالشكل نفسه أو بالتساوي. هناك من هم أكثر عرضة للعنف ونتائجه، بسبب العرق والجنس والجنسية والطبقة الاجتماعية والوضع القانوني، ما يفسّر أن تحظى بعض الحيوات بالتقدير والحماية وتحرم منها حيوات أخرى.
سوف تكون الحرب الجديدة طويلة على الأرجح، لا مجال لتحديد ملامحها أو توقع تبعاتها. نكاد نشعر بالحنين للحروب السابقة التي كانت مساحتها محدّدة ونتائجها متوقعة. رغم عنف هذه النزاعات، كان توافر بعض البنى لاحتوائها، على محدودية فاعليتها، يمنحنا بعض الشعور بالأمان. كان ثمّة تقاليد في الملاجئ وقضاء الوقت سوياً مع الجيران والأقرباء. لا تزال رائحة الخباء في الأماكن السفلية تمنحني الشعور نفسه بالأمان، عندما كانت الملاجئ في الحرب متلازمةً مع إمكان النجاة. بات ذلك كله من الماضي أمام عنف الحرب الجديدة. كذا، لا يشكل امتداد مساحة الحرب إلى مناطق لم تشهد نزاعات أمراً مريحاً لنا، نحن أبناء بيئات الحروب، بل على العكس، فإنّ امتداد رقعة الخطر يعني بالضرورة انحسار إمكانات الهروب من الخطر وإمكان الحصول على فرص عملٍ في الخارج، وفرص حياة مستقرّة خارج دائرة الفوضى.
لا نعرف ما سيحمله المستقبل لنا لكنّنا نعرف أن قدرتنا على استيعاب المصائب، التي غالباً ما نحتفل بها، ستنهض وتجد لنا حلولاً ما لكي نقدر على الاستمرار رغم الدمار. إلّا أن التعب قد يكون الجواب الوحيد الممكن حالياً. التعب من كل شي، وخصوصاً من ضرورة الاستمرار. ومعه أيضاً يقيننا، نحن المقيمون في الخارج، أن العودة غير ممكنة، ولو كانت دوماً فكرة مقيمة معنا، في اعتقادنا إنّنا عائدون يوما ما. مع انحسار معنى الأمان لمن هم في الداخل، بات الأمان الذي نعيشه هنا ملازماً لغربةٍ لن تنتهي، أقلّه قريباً على الأرجح.
المصدر: العربي الجديد






