الموقف التركي من الحرب على إيران

محمود سمير الرنتيسي

تبنت تركيا مقاربة الوساطة تجاه التوتر بين إيران والولايات المتحدة منذ فترة طويلة، وحتى هذه اللحظة تعتقد تركيا بوجوب وقف الهجمات المتبادلة والعودة إلى طاولة الدبلوماسية فورا، وهذا ما صرح به وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للصحفيين وهو عكس الموقف الأميركي الإسرائيلي الذي يريد انتهاء الحرب وفق شروطه فقط، والتي تنحو نحو القضاء على النظام.

وقد ظهر التشدد الأميركي بالأساس في جولات التفاوض التي سبقت شن الهجوم على إيران بالرغم من التنازلات الملموسة التي أظهرتها طهران، وتعتقد تركيا أنها قدمت حلولاً مبتكرة لمنع الحرب ونجحت في تأخير اندلاعها على الأقل.

وبالنسبة لتقييم تركيا لمواقف الأطراف فإنها ترى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تريد القضاء التام على النظام الإيراني وليس على قدراته، إذ غيرت دولة الاحتلال تعريفها للتهديد من قدرات إيران العسكرية سابقاً إلى تمثل التهديد ببقاء النظام نفسه، لأنّ إسرائيل باتت تعتقد أن بقاء إيران الحالية سيشكل تهديداً لها في المستقبل، ولذلك ينبغي أن لا تبقى بهذا الشكل، وقد نجح الاحتلال بإقناع الإدارة الأميركية بهذا التصور أيضاً.

يتعلق التخوف التركي الآخر بقرار إيران إغلاق مضيق هرمز، وهو مضيق حيوي يرتبط بمرور خمس استهلاك العالم من النفط إذ يمر من المضيق حاليا حوالي 20 مليون برميل نفط يوميا، وخمس تجارة الغاز المسال وإغلاقه بالتأكيد له وقع خطير على الأسواق المالية وأسواق الطاقة..

تتابع تركيا بقلق استهداف إيران المباشر للقواعد الأميركية في الدول العربية بالمنطقة، وترى أنّ هذا الأمر يزيد من احتمالية تحوّل الأمر إلى أزمة أمنية إقليمية أوسع بالرغم من أن دول الخليج العربية لم تصّعد الأمر إلى هذا المستوى ولكن يوجد نقاش جار حول مزاعم بأن هناك ردود خليجية على إيران، وتعتقد تركيا أن ضرب إيران لأهداف في دول الخليج، التي لعب بعضها دور الوساطة، عبارة عن استراتيجية خاطئة.

الاقتصاد التركي

يتعلق التخوف التركي الآخر بقرار إيران إغلاق مضيق هرمز، وهو مضيق حيوي يرتبط بمرور خمس استهلاك العالم من النفط إذ يمر من المضيق حاليا حوالي 20 مليون برميل نفط يوميا، وخمس تجارة الغاز المسال وإغلاقه بالتأكيد له وقع خطير على الأسواق المالية وأسواق الطاقة، كما أن العملاق الاقتصادي الصين تستقبل نحو ثلث كميات البترول في حين تحصل الهند وكوريا الجنوبية واليابان على حوالي 2 مليون برميل يوميا عبر الممر، وبالتالي عندما نتحدث عن دول بهذا الحجم فهي لها أثر كبير في الاقتصاد العالمي وهناك تحليلات تشير أن صدمة إغلاق المضيق قد تتسبب في  آثار تتجاوز 3 أضعاف ما حصل في السبعينيات عندما تم حظر النفط العربي.

وقد بدأ التصعيد في التأثير على أسعار المحروقات في تركيا مثلها مثل العديد من الدول، في ذات السياق تعتمد تركيا على إيران في ملف واردات الطاقة والغاز، وقد كانت تستورد 16% من احتياجاتها السنوية من الغاز الطبيعي من إيران وتحظى بتفضيلات خاصة، وأي تغيير في حالة النظام بالتأكيد سيكون له آثار سلبية على هذا الأمر، فضلا عن أن أي تعطل في خطوط الطاقة سيحرم السوق التركي من كثير من المزايا وسيرفع أسعار الاستهلاك.

من زاوية أخرى، تعتمد تركيا على إيران في تجارتها البرية مع آسيا الوسطى، وتعثر هذه التجارة سيكون له آثار سلبية على الاقتصاد التركي الذي تبذل الدولة جهودا كبيرة لتحسينه في ظل المعاناة من أزمة التضخم.

علاوة على ما سبق، فإنّ العملة التركية تهتز أمام المخاطر الجيوسياسية وخاصة في المناطق القريبة منها وبالتالي يزداد الضغط حالياً على الليرة، التي تراجعت بالفعل، وغالباً سيضطر البنك المركزي التركي لبيع الدولار لتثبيت سعر صرف الليرة، وسيؤثر هذا على السياسات الاقتصادية التي كانت تميل إلى تخفيض سعر الفائدة وهذا يؤثر على السياسة الداخلية في البلد.

الشارع الإيراني وكابوس الملف الكردي

حتى هذه اللحظة تراقب تركيا وضع الشارع الإيراني ونظرته لما حصل من تطورات فيما يتعلق بسياق تغيير النظام وترى أنه لا يوجد حاليا أي مؤشرات على موجة احتجاجات واضطرابات في أوساط الشعب الإيراني، وهذا الملف هو مصدر قلق كبير لتركيا لأنها تخشى سيناريو الفوضى وبدء موجات لجوء بملايين الأشخاص نحوها وتخشى تكرر ما حصل في سوريا، بل أكبر، لأنّ عدد سكان إيران أكبر والتحولات تجري بشكل أسرع، وعموماً يمكن القول: إنّ تركيا ترى أن انهيار الدولة في إيران يعرّف كخطر أكبر من وجود إيران كدولة منافسة مستقرة.

كذلك الحال تجد تركيا خطورة كبيرة في يتعلق بإعادة إحياء ملف الانفصال الكردي، في وقت نجحت فيه تركيا بإضعاف هذا الملف إلى حد كبير ووصلت إلى تسويات ناعمة بخصوصه بعد سنوات طويلة من الصراع، وبالتالي في حال استغلت أطراف كردية في إيران ضعف مركز الدولة الإيرانية وذهبت إلى مسارات انفصالية، فإنها ستعيد جهود تركيا منذ 2009 بهذا الصدد إلى المربع الأول.

وقد ذكر هاكان فيدان بشكل واضح مراقبة تركيا الحثيثة لتحركات حزب العمال الكردستاني في إيران قائلاً: “نحن نراقب ونحلل كل شيء: مدى مقاومتهم للنظام، ومدى مقاومتهم للأعراق الأخرى في مناطقهم، وماذا سيحدث، وما الذي يهدفون إليه، وماذا سينتج عن ذلك”، وتعتقد تركيا أن الحزب سيعمل على استغلال نقاط الضعف والانقسامات، خاصة في البلدان التي ينشط فيها.

بالنسبة لتركيا فإنّ كلا السقفين يحمل مخاطر، خاصة فيما يتعلق بالملف الكردي وتمدد المجموعات المسلحة الكردية وملف الاقتصاد والطاقة، وسيناريو الفوضى داخل إيران وتولد موجات لجوء عن ذلك..

ختاماً، يمكن القول إنّ تركيا ترى أن لهذه الحرب سقفا أدنى يتمثل في إضعاف القدرات العسكرية الهجومية للنظام الإيراني بحيث يرغمها ذلك على عدم القدرة على تهديد الأطراف الإقليمية، وكذلك هناك حد أعلى أو سقف أعلى هو تغيير النظام نفسه وهذا سيأخذ وقتا أطول، وسيكون أكثر كلفة على الجميع بما فيهم تركيا ويمكن أن يفتح أبواب المجهول على مستقبل المنطقة.

ولهذا بالنسبة لتركيا فإنّ كلا السقفين يحمل مخاطر، خاصة فيما يتعلق بالملف الكردي وتمدد المجموعات المسلحة الكردية وملف الاقتصاد والطاقة، وسيناريو الفوضى داخل إيران وتولد موجات لجوء عن ذلك، ولذلك فإن تركيا ستستمر في تشجيع الأطراف للعودة إلى الهدوء وستشجع دول الخليج لعدم الانجرار إلى مربع الرد على إيران، ويعتقد أنها ستستثمر علاقاتها مع بعض دول الاتحاد الأوروبي للعمل معا عبر المسارات الدبلوماسية.

على المستوى الاستراتيجي الداخلي تشعر تركيا منذ مدة أنها أيضا ليست بعيدة عن الاستهداف مهما كان الطرف المنتصر في هذه الحرب، فهي تستعد في كل المجالات، سواء في تطوير القدرات العسكرية الذاتية الهجومية والدفاعية، أو البحث عن شراكات مفيدة، أو في الاستعدادات لسيناريوهات مثل موجات هجرة محتملة من إيران أو تجدد الصراع مع الأكراد، وقد بدأت هذه الاستعدادات بشكل كثيف منذ حرب الـ12 يوماً الماضية.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى