
(1)
يستحقّ رجال القوات المسلّحة القطرية الإشادة لتصدّيهم بكفاءة للعدوان الإيراني المسلّح على قطر، وكذلك تستحقّ الإشادة كوادر وزارة الداخلية التي عملت باقتدار على حماية الوطن من انتشار الشائعات الهدّامة، وملاحقة مروّجي الفتنة، والطابور الخامس، والقبض عليهم قبل أن يستفحل أمرهم. وقد زار الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بنفسه غرفة إدارة عمليات التصدّي للعدوان الغاشم؛ يتابع الأحداث عن كثب، ويصدر توجيهاته إلى أولئك الرجال، مشيداً بروحهم المعنوية العالية في مواجهة العدوان.
حرص قطر على عدم التصعيد ضدّها ليس ضعفاً، وإنما هو حرص على علاقة جوار جيّدة وصادقة
لم تأخذ الحكومة الإيرانية في اعتبارها الجهود الصادقة التي قدّمتها قطر دبلوماسياً من أجل سلامة إيران واستقرارها، مثل حمل رسائل بينها وبين الولايات المتحدة، والإفراج المتبادل عن معتقلَين من الطرفَين، ومحاولات تصفية الخلافات، أو على الأقلّ الحدّ من تصاعدها بينهما. وفضلاً عن أن إيران لم تكتفِ بالعدوان عبر الغارات الصاروخية والطائرات المسيرة على الأراضي القطرية مستهدفةً عملياً البنية التحتية، ومؤسّسات اقتصادية، تحت ذريعة واهية ولا يمكن قبولها، بل راحت تزرع جواسيس وعملاء إلى الدولة (قُبض عليهم جميعاً) للنيل من سلامة الجبهة الداخلية القطرية المتماسكة، وجمع معلومات حيوية تخدم المُعادين لقطر داخل إيران وخارجها. ومع ذلك، حرصت قطر على ضبط النفس وعدم الانفعال في الردّ على العدوان الإيراني بالوسيلة نفسها، بل اكتفت بالاحتجاج وإبلاغ مجلس الأمن بما تفعله إيران ضدّ الشعب القطري المسالم وسيادة أراضيه. لكن لتعلم إيران أن حرص قطر على عدم التصعيد ضدّها ليس ضعفاً، وإنما هو حرص على علاقة جوار جيّدة وصادقة، وتوافق بين أقوال قطر وأعمالها؛ فمثلما تعلن أنها مع وقف الحرب فوراً، فإنها تبذل جهوداً صادقةً من أجل بلوغ هذه الغاية، التي هي مصلحة إيرانية وخليجية وعربية.
(2)
كتبنا وتحدّثنا سنوات طويلة أن أمن الخليج العربي في خطر، وأن استقراره السياسي والحفاظ على سيادته يكمن في وحدة قادته وصدقهم ووحدة مواقفهم تجاه قضايانا العربية، كما كتبنا عن أهمية التنافس فقط في النهوض اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً بهذه المنطقة الاستراتيجية. ونبّهنا إلى أن إسرائيل عدوّ متوحّش لا يمكن الاطمئنان إليه. ومع الأسف، ذهب بعضهم ليرتبط بهذا الكيان سياسياً واقتصادياً معتقداً أنه الحامي لهم من أيّ هزّة خارجية أو داخلية. وقد اكتشفوا أن من يطلبون الاستنجاد بها لحمايتهم هي من تبحث عن حماية من الولايات المتحدة. صمتنا عمّا فعلوا ويفعلون في غزّة شجّعهم على التمدّد إلى لبنان وسورية وإيران. بل المخاوف والمخاطر تتزايد أكثر من ذلك، حيث لا يستبعد كاتب هذه السطور، بعد زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إسرائيل، الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، وتمتين العلاقات الإسرائيلية – الهندية، أن يمتدّ هذا الخطر إلى الخليج. فهل نعتبر من الحاضر، ومن ما يجري في إيران اليوم؟ من المهم أن يتّعظ ولاة الأمر من أن آثار ما يجري اليوم في الساحة الإيرانية ستمتدّ إلى خليجنا العربي وأمتنا العربية عامة، فهل نعدّ عدّتنا لمواجهة أخطار المستقبل على خليجنا العربي؟
نحتاج إلى موقف خليجي موحّد ضدّ إسرائيل وجرائمها، والعمل على إنهاء الحرب على إيران
(3)
لا جدال في أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع نفسه وإدارته في محنة كبرى، ونزل بهيبة الولايات المتحدة إلى الدرك الأسفل في المجتمع الدولي؛ أي إلى الرذيلة السياسية. ولم يعد في استطاعته التراجع عن مواقفه المتشنّجة تجاه غزّة والضفة الغربية وفنزويلا وكوبا والمكسيك وجزيرة غرينلاند الدنماركية. والعدوان على إيران بالتعاون مع إسرائيل سيكلّف الولايات المتحدة كثيراً ويحرجها مع حلفائها العرب. فداخلياً، أصبح المجتمع الأميركي في قلقٍ تحت هذه الإدارة، وفي مقدّمة ذلك الانقسام في الكونغرس الأميركي بين رافضين للحرب على إيران وموافقين عليها. كما تبيّن استطلاعات الرأي العام الأميركي، مثل استطلاع لـ”سي أن أن”، أن 59% يعارضون الحرب على إيران، ليس حبّاً بها، بل لأن شعار ترامب في السباق على الرئاسة كان “أميركا أولاً”، فأصبحت عملياً “إسرائيل أولاً”. أما خارجياً، فكثيرون من حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط لم يعودوا يثقون كثيراً بتوجّهات ترامب ونياته السياسية تجاههم.
للخروج من هذا المأزق، يحتاج ترامب إلى شجاعة الساسة البارعين؛ أي إلى مواقف ديغول في الجزائر أو نيكسون في الصين الشعبية. ويتطلّب ذلك عملياً اتخاذ مواقف شجاعة تردّ الاعتبار دولياً إلى مكانة الولايات المتحدة وهيبتها، مثل مناصرة محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية في ملاحقة مجرمي الحروب، بما في ذلك إسرائيل، ووقف الحرب في إيران، والانصياع للرأي العام العالمي، وإحلال السلام في فلسطين بإعطاء أصحاب الحقّ، الفلسطينيين، حقوقهم الشرعية، وردع العدوان الإسرائيلي المتوحّش عليهم في غزّة والضفة الغربية ولبنان وسورية بصفته “رئيس مجلس السلام” الذي شكلّه بنفسه.
آخر القول، نحتاج إلى موقف خليجي موحّد يشدّ أزر الصديق، ويردّ كيد العدو؛ موقف موحّد وصادق ضدّ إسرائيل وجرائمها إزاء العرب، وموقف موحّد تجاه الحرب الدائرة في إيران والعمل على إنهائها، فـ “اتقوا الله وكونوا مع الصادقين”.
المصدر: العربي الجديد






