صحيح أننا لا نتكلم اللغة نفسها

أرنست خوري

هناك شعور مشترك بين قادة حزب الله وجمهوره النضالي من جهة، ومن جهة ثانية غالبية من الشعب اللبناني لا تحتاج استطلاعاً للرأي ولا إحصاء لإثبات أكثريّتها، مفاده بأننا “لا نتكلّم اللغة نفسها”. والشعور المشترك ذاك صائب، أي أن الطرفَين، حزب الله وغالبية الشعب اللبناني من رافضي بقاء التنظيم، الذي يتباهى بأن كل ما فيه إيراني وإن حمل عناصره الهوية اللبنانية ووُلدوا في لبنان، متحكِّماً بمصائرهم، لديهما تصورات متناقضة حول كل شيء، اللغة والمصطلحات والمفاهيم ومعاني الألفاظ والنظرة إلى النفس وإلى العالم والحياة والموت. ومَن كان لا يزال يشكّ في أننا، الطرفين إياهما، لا نتكلم اللغة نفسها، كان عليه انتظار إطلاق ثلاثة صواريخ فجر الاثنين باتجاه مكان ما لم تصل إليه في جنوب حيفا، ثأراً لاغتيال علي خامنئي مثلما أخبرنا بيان للحزب، لكي تباشر إسرائيل حملتها الدموية الشاملة لا على الحزب فحسب، بل على البلد برمّته لتدفيعه ثمن خسارة حزب الله ومحوره بسيادته وأرضه ومائه وحياة سكانه وحرياتهم، وليصبح قطاف الزيتون في قرية جنوبية لبنانية بحاجة إلى تصريح من الجيش الإسرائيلي. الغالبية الساحقة من اللبنانيين تبحث عن تعويض ما خسرته في مغامرة الإسناد ــ الفضيحة، وتقول بكل الوسائل إنها لم تعد قادرة على إسناد أحد ولا الثأر لأيّ كان، فيقابلها حزب ولي الفقيه، مثلما يشرح نعيم قاسم في حوار “فكري” معه منشور على موقعه الإلكتروني بتاريخ 2011/02/03، بأخذها إلى الموت والدمار المحتَّمين فداءً للمسؤول الإيراني المغتال، من دون أن يستوعب رموز الحزب كيف أن غالبية اللبنانيين هؤلاء لا تشاركهم تقديسه!
“الأزمة الألسنية” بين غالبية اللبنانيين وحزب الله تبدأ حيث يولد كل شيء وينتهي، تبدأ من فهم الحياة نفسها والموت مروراً بفكرة الدولة والمصلحة العامة. وليس سلوك حزب الله منذ 25 مايو/ أيار 2000، سوى تكريس حقيقة أننا على الأقل يستحيل أن يفهم بعضنا على بعض. انسحبت إسرائيل من الأراضي اللبنانية في ذلك التاريخ، فما كان من الحزب، بقوة دفع سورية آنذاك، سوى الاحتيال على المنطق والعقل ليخترع خرافة أن هناك بقعة جغرافية لا تزال محتلة اسمُها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، تقول دمشق إنها سورية ولكن بمثابة وديعة برسم إيران وحزبها في لبنان. وديعة تفرض تطوير قدرات حزب الله بدل اندماجه في مؤسّسات الدولة مثلما حصل مع المليشيات اللبنانية إلّا حزب الله وحركة أمل بعد عام 1990، ثم يُفرض على الشعب اللبناني وطبقته السياسية البائسة أن يكرّرا كالببغاء لازمة “أولوية تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا” في كل عبارة وموقف لتبرير بقاء حزب الله مسلحاً، لا بل لتطوير جيشه بما لا يقارن مع الجيش اللبناني، وبعدها طبعاً يأتي دور الشكوى من أن الجيش ضعيف مع ذلك السؤال الخبيث: أين هي الدولة؟
والسؤال عن وجود الدولة ارتقى بالانقسام اللغوي بين غالبية اللبنانيين وحزب الله إلى مرتبة سامية منذ حرب الـ66 يوماً خريف 2024 والدمار غير المسبوق الذي حل بالبلد وآلاف القتلى الذين سقطوا ومئات آلاف هُجروا وخسروا كل شيء. نأخذ البلد إلى جهنّم ثم نسأل أين هي الدولة، ونطالبها بالردّ عسكرياً على إسرائيل التي قضت على القوة الضاربة لحزب الله قبل أن تبدأ الحرب رسمياً. وما بين حرب خريف 2024 وصواريخ 2 مارس/ آذار 2026، 15 شهراً من تخوين حزب الله غالبية اللبنانيين من طالبي السِترة والحالمين بقضاء السنوات المتبقية من أعمارهم بكرامة، فيتهمهم بالخنوع والهوان لأنهم لا يشتهون الذهاب معه إلى حيث يريد انتحاراً وفاء لأجندة عقائدية إيرانية.
الكتابة على وقع انفجارات الصواريخ فعلٌ لا معنى له، لأنّ الحياة يفترض أن تكون أسمى من تمنّي انتهاء الحرب، يجب قضاؤها بتأمين شروط عيش سنوات كريمة برفاهية وعدالة وسلام تحت سلطة قانون في دولة محترمة، لكن كل ذلك طبعاً في لغة ليست لغة حزب الله وفي كوكب لا يجد حزب الله نفسه فيه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى