
لا تستطيع الصين أن تغامر بمشروعها التنموي الذي تتطلّع منه لتزعّم الاقتصاد العالمي قبل منتصف القرن الجاري، بأن تدخل حرباً مدمّرة ضد الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع أيضاً أن تتنازل عن حليف اقتصادي مهم جداً مثل إيران، التي ترتبط معها باتفاقية مدتها 25 سنة بدأت عام 2021 تتضمّن حصول بكين على النفط الإيراني بأسعار مخفّضة بنسب تتراوح بين 12% و20% من الأسعار العالمية، وقد استوردت بكين في العام الماضي (2025) نحو 80% من النفط الإيراني المنقول من خلال الشحن البحري، بمعدل 1.38 مليون برميل يومياً، وهو ما يمثل 13.4% من إجمالي النفط الذي تستورده الصين عن طريق البحر. فهل ثمّة نقطة توازن صينية بين الأمرين؟
يردّد إعلام غربي اتهامات للصين بأنها أرسلت في السنوات الأخيرة أنظمة دفاع جوي إلى إيران، إلى جانب مكوّنات وقود صواريخ. ومنذ بدء الحرب الحالية، قال الإعلام نفسه إنّ بكين تستعد لتزويد طهران بصواريخ متطوّرة مضادّة للسفن. غير أن الصين قالت غير مرّة إنها ملتزمة بالحظر المفروض منذ عام 2005 على صادرات الأسلحة إلى إيران، بعد أن كانت زودتها قبل ذلك التاريخ بأسلحة شملت صواريخ وطائرات حربية. ما هو أقرب إلى المنطق هنا أنّ الصين يمكن أن تزوّد إيران بمواد ذات استخدام مزدوج؛ أي يمكن استعمالها لتصنيع الأسلحة أو للاستعمالات المدنية، فتلتفّ بذلك على العقوبات، ولا تقف، في الوقت نفسه، مكتوفة الأيدي أمام احتمال إسقاط أحد أكثر الأنظمة الحليفة أهمية بالنسبة لبكين.
لكن، لماذا يمكن تصنيف النظام الإيراني على هذه الدرجة من الأهمية للصين؟ الواقع أن إيران، بحكم موقعها الجغرافي، فضلاً عن أهميتها في توفير مصادر الطاقة، تمثل ما يشبه خط الدفاع الأول عن المشروع الصيني الساعي إلى تزعّم الاقتصاد العالمي وتغيير النظام الدولي إلى نظام متعدّد الأقطاب لا تتفرّد به الولايات المتحدة، إذ يلعب المحور الذي أنشأته طهران على مدار العقود الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط دوراً شاغلاً لواشنطن المعنية بالدفاع عن إسرائيل، ما يجعل الولايات المتحدة منغمسةً في هذه المنطقة على نحوٍ يضعف ضغطها على المشروع الصيني، وهو أمرٌ تأكّد حين اضطر الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، إلى تخفيف تورّطه في الشرق الأوسط، حين أراد التركيز على الصين في استراتيجيته للردع المتكامل تجاهها. هذا يعني أن الانخراط في الشرق الأوسط يستدعي تخفيف الانشغال بالصين، وأن الانشغال بالضغط على الصين يستوجب خفض الوجود الأميركي في الشرق الأوسط.
تحالف أي دولة مع الصين له حدوده دائماً، فلا تقيم الصين تحالفاً متيناً إلّا مع ذاتها وخططها وتطلعاتها
وهكذا يكون منطقياً أن تهتم الصين ببقاء النظام الإيراني المعادي صراحةً للولايات المتحدة وإسرائيل، أكثر مما فعلت تجاه رئيس فنزويلا، إذ لم تقدم حين اختطافه من الولايات المتحدة أكثر من تصريحات دبلوماسية أدانت الحدث باسم القانون الدولي، لأن علاقتها مع فنزويلا كانت تتمحور حول الحصول على النفط ولا تتشعّب إلى إشغال واشنطن وحلفائها. لكن ما الذي يمكن أن تفعله الصين، كي تحافظ على بقاء النظام الإيراني من دون تحويل الحرب الحالية إلى حربٍ عالميةٍ واسعة تفسد خططها التنموية؟
يبدو أنّ مسألة تزويد إيران بمواد ذات استعمال مزدوج تبدو، ظاهرياً، سلمية ومدنية الطابع، لكنها في جوهرها عسكرية وحربية، أمر يمكن القياس عليه، إذ من المستحيل حالياً أن تدخل الصين الحرب عسكرياً ما دامت لم تطرق أبوابها. هذا يعني أن الصين يمكن أن تدعم النظام الإيراني عسكرياً واستخباراتياً في الخفاء، كما تدعمه دبلوماسياً في العلن، ذلك أنّ تحالف أي دولة مع الصين له حدوده دائماً، فلا تقيم الصين تحالفاً متيناً إلّا مع ذاتها وخططها وتطلعاتها، وهو استمرار لمنهجها البراغماتي المستند إلى أساس وطني ثابت منذ دخولها سياسة الإصلاح والانفتاح قبل نحو نصف قرن، كما تجلّى في شأن تحالفها مع روسيا، فهي لا تساندها في الحرب على أوكرانيا، لكنها تشتري منها الغاز بأسعار تفضيلية، فيستفيد مشروع الصين الاقتصادي التنموي، وتتنفس موسكو فتتمكّن من مواصلة حربها.
إيران تمثل ما يشبه خط الدفاع الأول عن المشروع الصيني
هل هذا الحال في شأن موقف الصين من الحرب على إيران نهائي في كل الظروف؟ لو توسّعت الحرب ووجدت الصين نفسها مضطرّة لدخولها، ستفعل قبل أن تجد نفسها عارية أمام ضغوط واشنطن، لكن العالم حينها يكون قد دخل حرباً عالمية ثالثة. يستلزم حدوث ذلك أن تفقد الصين كل أوراقها أمام الولايات المتحدة، وهو أمرٌ يُستبعد أن تدفع واشنطن العالم نحوه، بخاصة أنها ما تزال قادرة على لجم طموحات الصين وتهديدها والضغط عليها وإشغالها في ملفّات عديدة ليس أقلها ملف جزيرة تايوان، كذلك أنها قادرة على فرض تغيير طبيعة النظام الإيراني، من دون حرمان الصين من استفادتها الاقتصادية من نفط طهران، وهو ما يشبه المعادلة التي يبدو أنها توصلت إليها مع بكين في شأن نفط فنزويلا عقب خطفها الرئيس مادورو، وفرضها تغيير جوهر النظام في كاراكاس مع بقائه شكلياً على حاله. وهكذا سيجد الرئيس دونالد ترامب نفسه في زيارته المقرّرة نهاية مارس/ آذار الجاري إلى بكين، أمام ملفات جديدة تستوجب عقد صفقات شديدة الأهمية، وهو أمرٌ لا ريب أنه يبرع فيه، تماماً كما يجيده الصينيون بكفاءة.
في الإجابة على تساؤلنا الأول: هل تملك الصين ألّا تتدخّل في الحرب على إيران؟ تبدو الإجابة: لا. لا بدّ أنها ستجد نفسها مضطرّة للتدخل، لكن هذا لا يمنع أن تسلّم الصين بالأمر الواقع لو فرضت واشنطن إرادتها على إيران بما تملكه من إمكانات عسكرية لا يمكن مجابهتها، وأن تقبل بمعادلةٍ ما في شأن النفط الإيراني، ذلك أن بكين تدرك بالتأكيد أنها ما تزال أضعف من منافسة الولايات المتحدة على السيطرة على العالم. والأمر الوحيد الذي يمكن أن تستفيده الصين حينها أن تستخلص دروساً استراتيجية مفيدة للمستقبل، إذ إنّها من دون شك لن تتخلّى عن طموحاتها.
المصدر: العربي الجديد






