
على الرغم من أنّ حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة أوجدت حالةً لافتةً من التضامن الشعبي العالمي مع قضية فلسطين، استمرّ حصار القطاع من دون تغيير في مضمونه، خصوصاً وضع المعابر، وضمان تدفّق المساعدات الإنسانية، على نحو أكّد السلوك الإسرائيلي في التنكّر للاتفاقات، ناهيك عن الخضوع لأحكام القانون الدولي بشأن مسؤولية إسرائيل عن السكّان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال. وفي هذا الإطار، يقتضي فهم مسار قضية حصار غزّة، في المديَين المنظور والقريب، الوقوف على ثلاث ملاحظات: أولاها، الاحتكار الأميركي/ الإسرائيلي لتشعّبات ملفّ غزّة، خصوصاً بعد قرار مجلس الأمن رقم 2803 (الصادر في 17/11/2025)؛ إذ يبدو واضحاً تشديد القبضة الأميركية/ الإسرائيلية على الملفّ الإنساني، وعرقلة تدفّق المساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصَر، والتلاعب بمعبر رفح، فتحاً وإغلاقاً وبأعداد المسافرين أو العائدين، في ظلّ حالة مزرية من تدهور أوضاع القطاع الصحّي، وتفاقم معاناة الغزّيين من تكرار موجات البرد والعواصف الشتوية، بالتوازي مع إعادة تركيز الخطاب الذرائعي الإسرائيلي على نزع سلاح حركة حماس، بغية صرف الأنظار عن قضية إعمار غزّة، وكذا تعطيل عمل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزّة، وإصرار إسرائيل على منع أيّ إجراءات تخفّف معاناة الناس في سياق تكثيف ضغوطها لتحقيق ما فشلت في إنجازه بالقوة العسكرية، سيّما هدف تهجير أهالي غزّة.
يعيد الخطاب الذرائعي الإسرائيلي التركيز على نزع سلاح “حماس” لصرف الأنظار عن إعمار غزّة
وعلى الرغم من هيمنة الولايات المتحدة وإسرائيل على موضوع حصار غزّة، تبدو الخيارات المتاحة أمامهما لحلّ المشكلات المؤجّلة محدودةً لاعتبارين: أحدهما غلبة الأبعاد الشكلية/ الاحتفالية على مقاربة الرئيس دونالد ترامب تجاه قضية فلسطين، واقتصارها على “العصا الغليظة من دون أيّ جزرة”، أو “غلبة التهديدات/ العقوبات، وغياب المكافآت”، بالتوازي مع تفاقم تناقضات السياسة الأميركية تجاه حركة حماس وغزّة. والآخر، الخبرة الفلسطينية بشأن ما بعد حروب غزّة المتكرّرة، وفشل الأطراف الدولية والإقليمية كلّها عن الوفاء بتعهّداتها في إعمار القطاع المنكوب (المتوقّع بشأن الوضع الحالي، على الرغم من تغريدة ترامب (15/2/2026)، عن “اجتماع مجلس السلام في واشنطن، وتعهّدات الدول بتقديم أكثر من خمسة مليارات دولار لصالح الجهود الإنسانية وإعمار غزّة، إضافة إلى الالتزام بإرسال آلاف العناصر للمشاركة في “قوة الاستقرار الدولية” والشرطة المحلّية بهدف “الحفاظ على الأمن والسلام للغزّيين”).
واستطراداً في التحليل، من المتوقّع فشل خطّة ترامب لغزّة، لأسباب عدة؛ من ذلك إحجام دول وازنة، خصوصاً بريطانيا وفرنسا، عن دعم الخطّة، والمخاوف من أن يشكّل “مجلس السلام” بديلاً من مجلس الأمن، ناهيك عن محاولات حكومة نتنياهو وإدارة ترامب توظيف “اللجنة الوطنية…” لتكريس الفصل بين الضفة الغربية والقطاع، والاستمرار في تهميش دور السلطة الفلسطينية في مقابل إبراز دور اللجنة بصفتها “ممثّلاً” لأهالي غزّة، بدليل دعوة ترامب علي شعث (رئيس اللجنة) إلى المشاركة في منتدى دافوس الاقتصادي، وكذا إلى المشاركة في اجتماع “مجلس السلام” في “المؤسّسة الأميركية للسلام” بواشنطن (19/2/2026).
تتعلّق الملاحظة الثانية بتقويم شكل العلاقة بين الأبعاد العالمية والإقليمية والفلسطينية في قضية فلسطين بعد حرب الإبادة، ما يستوجب تحليل ثلاثة عوامل: أولها “التراجع النسبي” في المظاهرات الشعبية العالمية المؤيّدة لفلسطين، بسبب التضييقات القانونية والسياسية عليها، وخضوعها لقانون “المدّ والجزر” طول مدّة الحرب. وثانيها انحسار الضغوط العربية والإقليمية في الضغط على واشنطن، بشأن إلزام إسرائيل تنفيذ بنود اتفاق شرم الشيخ (13/10/2025). وثالثها تفاقم معاناة الغزّيين، وحالة الإنهاك المتواصل لقوى المقاومة الفلسطينية، بالتوازي مع استمرار حالة الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وغزّة، في غياب المشروع الوطني الفلسطيني، وغياب استراتيجية نضالية فلسطينية جامعة.
وعلى الرغم من أن محصّلة تفاعل هذه العوامل الثلاثة يشير إلى استعادة واشنطن وتل أبيب (ولو مؤقتاً)، زمام المبادرة في الشأنَين الفلسطيني والإقليمي، فإن حرب غزّة تحوّلت إلى لحظة “مواجهة سياسية وحقوقية وقيمية” داخلية في أوروبا، بالتوازي مع شعور أوساط حقوقية وحزبية ونقابية أوروبية بأخطار التماهي الرسمي الأوروبي مع سياسة ترامب في دعم إسرائيل، على تراجع المكانة الدولية للاتحاد الأوروبي، بسبب التنكّر لمنظومة قيم العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي، سواء في غزّة أو الضفة الغربية أو غرينلاند أو فنزويلا.
يمكن تأكيد استمرار التضامن الشعبي العالمي مع قضية فلسطين، على الرغم من استمرار حصار غزّة، بعد حرب الإبادة، بسبب خمسة أمور
في هذا السياق، ثمّة أربعة مؤشّرات على استمرار التضامن العالمي مع فلسطين والتداعيات العالمية لحرب غزّة، أولها قرار المحكمة العليا البريطانية (13/2/2026) بإبطال وضع حركة “بالستاين أكشن” في قائمة المنظمات الإرهابية، ما يُعدّ انتصاراً رمزياً للمتضامنين مع فلسطين. وثانيها، إعلان “أسطول الصمود العالمي”، عبر منصّة إكس (5/2/2026)، تسيير أسطول بحري وقافلة إنسانية برّية، في وقت واحد، لكسر حصار غزّة، بمشاركة آلاف الناشطين من أكثر من مئة دولة، في ظلّ عدم التزام إسرائيل بالبروتوكول الإنساني المنبثق من اتفاق وقف إطلاق النار، ولا سيّما ما يتعلّق بإدخال الوقود والمساعدات الإنسانية ومعدّات رفع الأنقاض. وثالثها المظاهرات الشعبية احتجاجاً على زيارات المسؤولين الإسرائيليين الخارجية (مثالان: مظاهرات ضدّ زيارة نتنياهو في الولايات المتحدة (11/2/2026)، ومظاهرات مؤيّدة لفلسطين وغزّة في مدن كانبيرا وسيدني وملبورن، احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أستراليا في فبراير/ شباط الجاري). ورابعها نشاط المنظّمات الحقوقية غير الحكومية (مثل مؤسّسة هند رجب، و”حركة 30 مارس”، وغيرهما) التي تركّز على السعي إلى تحقيق العدالة ردّاً على الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل بحقّ الشعب الفلسطيني، والملاحقة القانونية لمرتكبي الجرائم والمتواطئين معهم، والعمل على توثيق الانتهاكات الإسرائيلية المنشورة بفيديوهات في مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً تحديد هُويّة الجنود الإسرائيليين الذين نشروا أدّلةً على جرائمهم بأنفسهم).
وإلى ذلك، قد تلعب عوامل اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، وتصاعد خطاب اليمين الإسرائيلي، وتكثيف قوات الاحتلال تصعيدها الممنهج في الضفة والغربية وغزّة، دوراً في تنشيط مبادرات حركة التضامن العالمي مع قضية فلسطين، وتسيير أساطيل الحرية لكسر الحصار، سيّما لدى الهيئات الإنسانية والحقوقية وشبكات التضامن الإنساني الأوروبية والعالمية. وتتعلّق الملاحظة الثالثة بأثر هشاشة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط على عودة المواقف الأميركية/ الإسرائيلية، إلى تشديد حصار غزّة؛ إذ يبدو واضحاً أن أهالي غزّة يدفعون أثمان اتفاقات أبراهام واستمرار صفقات التطبيع الإقليمي، مع إسرائيل، على الرغم من توحّشها في حرب إبادة غزّة، والتغوّل الإسرائيلي على إقليم الشرق الأوسط بكامله.
ويبدو لافتاً على هذا الصعيد، استمرار أغلب دول المنطقة في الإحجام عن استخدام أوراق قوتها في الضغط على واشنطن، أقلّه في تحريك ملفّ غزّة الإنساني وإخراجه من أسر التوظيفات الإسرائيلية الأميركية، ما يذكّر بإخفاق القمة العربية الإسلامية في الرياض (11/11/2023) في تنفيذ البند الثالث في بيانها الختامي، “كسر الحصار على قطاع غزّة، وفرض إدخال قوافل مساعداتٍ إنسانيةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ ودوليةٍ؛ تشمل الغذاء والدواء والوقود، إلى القطاع فوراً، ودعوة المنظّمات الدولية إلى المشاركة في هذه العملية، وتأكيد ضرورة دخول هذه المنظّمات القطاع، وحماية طواقمها وتمكينها من القيام بدورها الكامل، ودعم وكالة الأمم المتّحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)”.
تصاعدت الضغوط الأميركية/الإسرائيلية للالتفاف على المناشدات الأممية بشأن الأوضاع الإنسانية في غزّة، وطالبت فرنسا وألمانيا باستقالة المقرّرة الخاصّة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز
وإجمالاً لما تقدّم، يمكن تأكيد استمرار التضامن الشعبي العالمي مع قضية فلسطين، على الرغم من استمرار حصار غزّة، بعد حرب الإبادة، بسبب خمسة أمور: أولها محدودية الدور المصري في الضغط لإجهاض المخططات الإسرائيلية، في غير موضوع تهجير أهالي غزّة، وثانيها غياب “الحدّ الأدنى من التماسك” من النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وتراجع ضغوطه على واشنطن بشأن قضيَّتَي غزّة وفلسطين (بخلاف ضغوطه في موضوعَي: رفع العقوبات عن سورية، وتأجيل الحرب على إيران). وثالثها الاحتكار الأميركي/الإسرائيلي لملفّ غزّة بعد الإبادة، وميلهما إلى توظيف/ تفريغ الأطر الجديدة (مجلس السلام، وقوة الاستقرار الدولية، ولجنة غزّة)، والتحكّم في أدوار الدول المشاركة في هذه الأطر. ورابعها تصاعد الضغوط الأميركية/ الإسرائيلية للالتفاف على المناشدات الأممية بشأن الأوضاع الإنسانية في غزّة، ومطالبة فرنسا وألمانيا باستقالة المقرّرة الخاصّة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز، من منصبها، بسبب تصريحاتها. وخامسها محدودية الضغط الشعبي العربي، على صانع القرار العربي، وصولاً إلى ضرورة تغيير الموقف الرسمي العربي من حصار غزّة، والتحوّل نحو دعم قضية فلسطين وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، ما يؤكّد أهمية استمرار الضغوط الشعبية، العربية والعالمية، وتشبيك الجهود والمبادرات، وصولاً إلى تشكيل ائتلاف عالمي، رسمي وشعبي، لدعم قضية فلسطين وعزل إسرائيل ومعاقبتها، وإجبارها على الخضوع لمقتضيات القانون الدولي، وعدم التسامح مع الضغوط الإسرائيلية والأميركية (والأوروبية الرسمية) لتجاوز قضية إبادة غزّة وطيّها في عالم النسيان، كأنّ حرب إبادة ممنهجة لم تقع، ولم تهلك الحرث والنسل، وكأنّه يمكن التسامح مع جريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان، إذا كانت ضدّ الشعوب المقهورة.
المصدر: العربي الجديد






