اليمن… السلفية المقاتلة ومسار التمكين

بشرى المقطري

من قوةٍ هامشية كانت محصورةً في نطاق الاجتماعي؛ أي المجال الدعوي، إلى لاعبٍ محليّ رئيس، اتخذت مساراتُ القوة السلفية المقاتلة في اليمن تحوّلاتٍ جذرية، الأمر الذي مكّنها من ضمان موقع مركزي في المعادلة المحلية، سواء على مستوى بنية السلطة الشرعية أو تأمينها، بما في ذلك هندسة التحالفات السياسية، وبالطبع وفق الأجندة السعودية.
قياساً بفاعلين محليين أطول تجربة، استطاعت القوة السلفية المقاتلة، وفي غضون زمنٍ قياسي، التحوّل إلى قوة مهيمنة، فباتت أهم اللاعبين المحليين في المشهد اليمني. وفي مسارات القوة تتداخل عوامل مركّبة ذاتية وموضوعية أدّت إلى تصعيد القوة السلفية المقاتلة؛ ففي مقابل استثمارها الواقع المجتمعي بشرطه الصراعي الذي يغذّي القوى الدينية عموماً، فقد شكّلت سماتها الذاتية عوامل حاسمة أسهمت في مراكمة قوتها العسكرية وتحسين موقعها في المعادلة السياسية، إلى جانب تمكين المتدخّلين لها، إضافةً إلى الواقعين، الإقليمي والدولي، اللذين أتاح لها لعب دور رئيس في هذه المرحلة. ففي حين مكّنتها مقوّماتها الذاتية كقدرتها القتالية وعقيدتها الجهادية بفرض موقعها في معادلة الصراع، فإن تحييد نفسها في الصراعات البينية في معسكر السلطة الشرعية، بما في ذلك تحوّلها إلى طرف وسيط، أسهم في اكتسابها موثوقية استثمرتها لصالحها، وكذلك حماية مواردها العسكرية من الاستنزاف. كما أن مرونتها وقدرتها على تكييف نفسها تبعاً للمتغيّرات مكّناها من تنويع تحالفاتها من دون خسائر، والأهم منحها الأفضلية بالنسبة إلى المتدخّلين باعتبارها قوةً مرنةً يمكن استخدامها وفقاً لأجنداتها؛ من الإمارات التي شكّلت السلفية المقاتلة جزءاً من تحالفاتها في اليمن، إلى السعودية التي باتت القوة السلفية حليفاً سياسياً موثوقاً وخياراً مثالياً يمكنها من فرض سيطرتها العسكرية في المناطق المحرّرة خصوصاً في جنوبي اليمن، إلى جانب هندسة مشهد السلطة في معسكر حلفائها.
على مستويات عدّة، تكشف منظومة السلطة الشرعية في الوقت الحالي هيمنة المكوّن السلفي على حساب فاعلين سياسيين مؤثّرين، بما في ذلك الأحزاب اليمنية الرئيسة؛ إذ عكست خريطة السلطة الشرعية حضوراً مهيمناً للمكوّن السلفي بشقّيه السياسي والمقاتل، يشمل التمثيل في أطر السلطة التنفيذية وفي السلطات المحلية، والأهم إدارة المشهد العسكري والأمني في المناطق المحرّرة، بما في ذلك آلية توجيهه وضبطه. فبالإضافة إلى سيطرة المكوّنات السلفية على قوام الجهاز العسكري للسلطة الشرعية، بما في ذلك حصر مهمة تأمين المدن اليمنية والمنافذ الحدودية البرية على المكوّنات السلفية، فإن مسارات إعادة إدماج القوات العسكرية والأمنية فرضت، كما يبدو، تمكين المكوّن السلفي على مفاصل المعادلة العسكرية، بما يتعدّى الإحلال الجزئي لقيادات سلفية إلى تمكين عام، بما في ذلك تولّيها قيادة مناطق عسكرية للمرّة الأولى في التاريخ اليمني. وإذا كان حضور المكوّن السلفي عموماً في منظومة السلطة الشرعية قد خضع سابقاً لمفاعيل قوته العسكرية، وأيضاً لأنه قوة توازن بين المتنافسين على السلطة، ما مكّنه من شغل مواقع الإزاحة، فإن هذا التمكين الموجّه فرضته في المقام الأول الاستراتيجية السعودية وخياراتها في هذه المرحلة.
تكشف منظومة السلطة اليمنية الشرعية هيمنة المكوّن السلفي على حساب فاعلين مؤثّرين
مقارنةً بوكلاء آخرين، تعضد أفضلية القوة السلفية المقاتلة بالنسبة إلى السعودية وتحوّلها إلى حليف موثوق جملةٌ من العوامل. فمن جهة يشكّل الإطار المذهبي العام الذي تنضوي فيه الجماعة السلفية، أي المذهب السنّي الذي تدين به السعودية، عاملاً حاسماً لتضفير علاقتها التحالفية. وإذا كان دعم السعودية الجماعة السلفية عموماً يرجع إلى مسار تاريخي طويل، بما في ذلك استخدامها لتطويق انتشار المذهب الزيدي، خصوصاً على الحدود اليمنية السعودية، فإن حالة الاستقطاب المذهبي في اليمن حوّلت القوة السلفية بالنسبة إلى السعودية إلى رديف سياسي واجتماعي لمواجهة نفوذ جماعة الحوثي. كما أن تحوّل القوة السلفية المقاتلة إلى قوة ضاربة ضدّ الجماعة فرضها حليفاً مهمّاً بالنسبة إلى السعودية، سواء للضغط على الجماعة أو تقييد توسّعها في المناطق المحرّرة. إلى جانب أن طابع ولاء الجماعة السلفية، الذي يستند إلى شرعية فقهية (الولاء لولي الأمر)، أي في هذه الحالة للسعودية، يجعلها تضمن موثوقية ولائها مقارنةً بحلفاء محليين آخرين. كما أن بنيتها الهيكلية المتشظّية التي تفتقر إلى إطار مركزي موحّد، بما في ذلك افتقارها مرجعية موجّهة، على الأقل في المستوى السياسي، يتيح للسعودية القدرة على ضبط أدائها والسيطرة عليها، بما في ذلك توظيفها بحسب أولوياتها. كما أن توظيف القوة السلفية في سياق إدارة تحالفاتها المحلية لا يترتّب منه أيّ محاذير دولية بالنسبة إلى السعودية مقارنةً بجماعات الإسلام السياسي الأخرى كالإخوان المسلمين، ما يجعلها خياراً مناسباً لها.
ومن جهة أخرى، يمكّن قالبها الديني العام والمرن السعودية من استثمار مفاعيلها قوةً اجتماعية دينية واسعة الانتشار ومتعدّدة الأطياف. يضاف إلى ذلك، وهو الأهم، أن السعودية، وفي سياق تعضيد القوة السلفية وتمكينها في الوقت الحالي، تعوّل عليها قوةً ناعمةً لإدارة المشهد الجنوبي باعتبارها معادلاً عسكرياً وسياسياً مهمّاً يمكّنها من تقليم بقايا المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ المدعوم من الإمارات، وأيضاً استخدامها لتفكيكه من الداخل وتقييد حضوره في المناطق الجنوبية، إذ إن ضعف الأحزاب السياسية في جنوب اليمن، إلى جانب أنها جزءٌ من معادلة الصراع، يجعل من القوة السلفية الخيار المثالي للسعودية، لقدرتها على إعادة موضعة نفسها في المشهد الجنوبي، سواء على مستوى إدارة التحالفات السياسية أو التأثير في فاعلين محليين ثانويين. إلى جانب مفاعيل أنها جزءٌ من بنية المجلس الانتقالي المنحلّ يمكّن القوة السلفية، برموزها وكياناتها العسكرية، من لعب أدوار مزدوجة، وبالطبع، لصالح السعودية. إلا أن آلية الاعتماد على القوة السلفية وحدها في إدارة المشهد السياسي، بما في ذلك العسكري والأمني، وإن مكّنت السعودية من اللعب على التناقضات والبناء عليها لصالحها، لا تشكّل خياراً آمناً لتطبيع الأوضاع في جنوب اليمن، فضلاً عن جملةٍ من التحدّيات المصاحبة لسياسة التمكين.
الضبابية الانتهازية السياسية للسلفية عموماً، والجنوبية بشكل خاص، قد تقلّصان قدرة السعودية على ضبطها
على صعيد مكاسب التمكين، استطاعت القوة السلفية ترسيخ نفسها قوةً مهيمنةً في إدارة معادلة السلطة الشرعية، بما في ذلك تحوّلها إلى مركز ثقل في التحالفات المحلية، إلى جانب الاعتماد عليها لتثبيت السلطة الشرعية في المناطق المحرّرة، وما يعنيه ذلك من تمتّعها بمزايا السلطة وامتيازاتها. سياسياً أيضاً، فإنّه، وبتصعيدها القوة السلفية الجنوبية وتمكينها من السعودية، استطاعت إلى حدّ كبير تحويل نفسها إلى ممثّل جديد للقضية الجنوبية، إضافةً إلى استثمار قاعدة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ، بما في ذلك مؤسّساته وأطره، بما يدفع إلى تعميق ثقلها في إدارة المعادلة الجنوبية. سياسياً أيضاً، فإن مرونتها وقدرتها على التكيّف مع التحوّلات الإقليمية والدولية، خصوصاً بعد تصعيد أنظمة سلفية في المنطقة، مقابل استمرار استهداف وكلاء إيران من القوى الشيعية، ينمي قوتها ويمنحها مكاسب إضافية. إلى جانب أن القوة السلفية، وخلافاً لجماعات الإسلام السياسي السنّي، كالإخوان المسلمين، ضمنت من خلال انطوائها وتقييدها بالشرط المحلي استثناءها من التقييد والحظر، أي وصمها بالإرهاب، وهو ما يمنحها القدرة على العمل في المستويين، السياسي والمجتمعي، وأيضاً تنمية مصادرها التمويلية. اجتماعياً، تمكّن مفاعيل السلطة ومواردها القوة السلفية من توسيع انتشارها في اليمن والتمدّد إلى نطاقات سابقة كانت مغلقة عليها. عسكرياً، فإن تحوّلها إلى ذراع مهيمن في المؤسّسة العسكرية والأمنية المُعاد تشكيلها يفرضها قوةَ تأمين، وأيضاً قوة ردع ضدّ منافسيها.
على مستوى الخسائر، قد تلقي تجربة الهيمنة القائمة على تصعيد الفاعلين المحليين، وفي مشهد سياسي منقسم كالمشهد اليمني، بثقلها على القوة السلفية على المدى البعيد، ومن ثم قد تفقدها شعبيتها التي راكمتها. كما أن البراغماتية غير المقيّدة بأيّ مُوجّهات سياسية، التي لا تخضع لضوابط سياسية أو حتى وطنية عدا الولاء لولي الأمر، أي للمتدخّل الأجنبي، وإن شكّلت مساراً انتكاسياً للجماعة السلفية، فإنها قد تسقطها في فخاخ الانتهازية، فضلاً عن التناقض والازدواجية ما بين السياق الوطني وأولويات المتدخّلين الإقليميين. وإذا كانت سلفنة المجتمع اليمني، وكذلك هيكلة المؤسّسة العسكرية والأمنية القائمة على بعد مليشياوي، وعقائدي ديني، تعني استمرار دائرة الصراع، فضلاً عن تجريف مؤسّسات الدولة، فإن تمكين القوة السلفية على حساب القوى السياسية يعني سيطرتها على المجالين السياسي والمدني، وهو ما يشكل خطراً كارثياً على مستقبل اليمن واليمنيين. وأخيراً، الضبابية وأيضاً الانتهازية السياسية للسلفية عموماً، والجنوبية بشكل خاص، قد تقلّصان قدرة السعودية على ضبطها، بحيث قد تمضي هي الأخرى، وضمن مسار التشظي الوطني والشرذمة السياسية، في إنتاج مشروع انفصالي جديد، وإن في نموذج ديني.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى