التنقيب غير المشروع عن الآثار في سوريا.. كلفة ثقافية وإنسانية باهظة

زينب مصري

داخل حفرة عميقة في حي الصليبة بمدينة جبلة، انتهت حياة أربعة شبان بحثًا عمّا اعتقدوا أنه كنز مدفون في حادثة مأساوية هزت المجتمع المحلي يوم 8 من شباط الحالي، وأعادت إلى الواجهة ملف التنقيب غير القانوني عن الآثار في سوريا باعتبارها ظاهرة مستمرة رغم ما يترتب عليها من مخاطر إنسانية وثقافية واقتصادية.
ورغم التحذيرات المتكررة من الجهات الحكومية حول مخاطر التنقيب غير المشروع، لا تزال هذه الممارسات تنتشر في مناطق مختلفة من البلاد، مدفوعةً باعتبارات اقتصادية، إذ يرى البعض فيها مصدر دخل محتمل في ظل تراجع فرص العمل وتدهور الظروف المعيشية.
ولا يقتصر الأمر على محاولات فردية عشوائية، إذ تنتشر إعلانات أجهزة كشف المعادن في الأسواق المحلية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، كما يمكن طلب بعضها عبر متاجر إلكترونية، رغم قرار صادر عن وزارة الاقتصاد يقضي بحصر استيرادها بالجهات الحكومية.
وكان وزير الداخلية، أنس خطاب، طلب في تعميم صادر في تموز الماضي، بتكثيف الدوريات لمراقبة المواقع الأثرية، ومنع وضبط أعمال التنقيب غير المشروع عن الآثار أو تخربيها، وحجز الآلات والمعدات المستخدمة في ذلك، وإلقاء القبض على الفاعلين وتقديمهم إلى الجهات القضائية المختصة، في إطار الجهود الحكومية لضبط هذه الظاهرة.
الإطار القانوني للتنقيب
ويعكس انتشار هذه الأجهزة في الأسواق فجوة واضحة بين القرارات الرسمية والتطبيق الفعلي على الأرض، إذ لم تمنع القيود المفروضة على استيرادها تداولها أو استخدامها في عمليات التنقيب غير المشروع.
وينظم المرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963 ملف الآثار في سوريا، إذ يمنح الدولة الحق الحصري في أعمال التنقيب، ويجرّم أي حفر أو تحرٍّ دون ترخيص رسمي، حتى لو جرى في أرض مملوكة للمنقّب، كما يفرض عقوبات تصل إلى السجن 15 عامًا وغرامات مالية بحق المخالفين.
ورغم أن القانون يفرض غرامة تتراوح بين 100 ألف ليرة سورية إلى 500 ألف ليرة المحددة إلّا أنها تبدو اليوم متواضعة قياسًا بالقيمة السوقية للقطع الأثرية، ما يثير التساؤل حول مدى فعاليتها في منع الظاهرة.
اقتصاد بديل
وفي بلد مثل سوريا، فإن مشكلة عمليات التنقيب عن الآثار غير الشرعية، ليست مشكلة قانونية فقط، إنما مشكلة مركبة، بحسب الصحفي المتخصص في قضايا حقوق السكن والأراضي والملكية صالح ملص، وذلك لأن الفقر المدقع وضعف العملة، وعدم توفر فرص العمل المناسبة، ووجود سوق محلية وإقليمية تشتري الآثار يحوّل التنقيب غير الشرعي عن الآثار لاقتصاد بديل وليس مجرد جريمة.
وأوضح ملص في حديث لموقع تلفزيون سوريا أن المادة رقم 6 من قانون الآثار السوري حظرت على أصحاب الأراضي حق التنقيب عن الآثار فيها، ما يعني أن ملكية الأرض لا تكسب صاحبها حق التصرف بالآثار الثابتة أو المنقولة، التي قد توجد على سطحها أو في باطنها، وبالتالي المنطق القانوني يرى بأن التنقيب لا يمكن أن يكون حقًا خاصًا.
مبرر هذه المادة، بحسب ملص، هو اعتبار الآثار ملكًا عامًا، وقيمة جماعية، وهوية وطنية وإنسانية، وإسناد الملكية للدولة هو أداة قانونية لحماية التراث ومنع النهب والاتجار غير المشروع وضمان استرداده دوليًا، ويترتب على هذا المنطق، وجود رادع لمنع النهب، وفرض ترخيص مسبق للحفريات، وإلزام أي مكتشف بالتصريح عن الآثار.
لكن في الحالة السورية، القانون وحده لا يكفي لردع التنقيب غير الشرعي عن الآثار، لعدة عوامل أبرزها أن المجتمع لا يثق بالدولة ومؤسساتها، والتي من المفترض أن تكون المالك القانوني للآثار، والجهة الحامية له والمسؤولة عنه، لأن الدولة كانت على مدار عقود طويلة من الفساد واستغلال النفوذ السياسي والأمني الجهة المستفيدة أساسًا من تهريب الآثار كجريمة منظمة، وبالتالي لن يكون هناك أي التزام بالقانون.
ومع احتكار الدولة لقطاع الآثار في المادة رقم 4 من القانون من دون أي جهة رقابية مستقلة فعالة تراقب بشفافية مدى المحافظة على الآثار، وكيفية استثمارها لمصلحة المجتمع اقتصاديًا، ستكون هناك دائمًا محاولات مجتمعية سرية وغير شرعية للاستفادة من التنقيب، لأن تهريب الآثار لدى البعض الآن هو مصدر دخلهم الأساسي، وبالتالي القانون فقد أثره عند هذه الفئة.
ويرى ملص أنه من الضروري الابتعاد عن فكرة انتقائية تطبيق القانون، وقبل مناقشة فكرة تطبيق القانون على أولئك الأفراد الذين يرتكبون الجريمة، يجب ضمان تطبيق القانون على موظف الدولة نفسه المتورط في ارتكاب جريمة نهب الآثار وتهريبها، فإذا كان احتمال القبض على موظف دولة متهم بسرقة قطع آثار منخفضًا، لن تكون هناك أي مخاطرة لدى المواطن في محاولة التنقيب، ففي النهاية الربح المتوقع، سيكون أعلى من مخاطر احتمال تطبيق القانون.
وبالتالي، فإن الردع الحقيقي يحصل عندما يصبح الربح غير مضمون أو أقل من المخاطرة، لأن تطبيق القانون أهم من شدة العقوبة، بعد ذلك، من الضروري دراسة تعديل العقوبات كي تكون التكلفة المتوقعة للعقوبة أعلى من الربح المتوقع من الجريمة، كي تكون العقوبة رادعة اقتصاديًا.

كلفة إنسانية وثقافية
ولا يتوقف أثر التنقيب غير المشروع عند حدود الاقتصاد أو النصوص القانونية، إذ إن كلفة هذه الظاهرة تمتد إلى مخاطر قد تكون قاتلة أو تؤدي إلى خسارة لا تُعوض في التراث الثقافي، فعمليات التنقيب العشوائي، بحسب المختصة في أرشفة التراث خولة طه، تنطوي على مخاطر جسدية وجنائية قد تودي بحياة المنقبين وتدمّر المواقع الأثرية على حد سواء.
وحول المخاطر التي يتعرض لها المنقّبون غير الشرعيين في أثناء الحفر، أوضحت خولة طه في حديث لموقع تلفزيون سوريا أن هناك نوعين من المخاطر، الأولى المخاطر الجسدية الناتجة عن العمل بالحفريات في غياب كامل لأسباب السلامة والحماية والخبرة في معرفة طبيعة البيئات التي قد تؤدي للوفاة أو الإصابات الخطيرة في حالات انهيار التربة وسقوط الكتل الصخرية أو الاختناق في أثناء الحفر في طبقات الأرض العميقة نتيجة غياب الأوكسجين أو وجود غازات متراكمة بعضها يكون سامًا.
وأما النوع الآخر من المخاطر فهو مخاطر جنائية إذ إن التنقيب غير الشرعي يعرّض صاحبه للملاحقة القانونية، وإن كانت اليوم الدولة ما زالت في طور الولادة لا بد من إدارة هذا الملف بشكل أكثر حزمًا وانضباطًا، مع الاستقرار السياسي والأمني في البلاد مستقبلًا، بحسب ما أضافته.
وأشارت طه إلى أن الأمر يتجاوز كونه وسيلة للكسب غير المشروع بالنسبة لكثير من الفقراء وذلك لارتباطه بالأسواق السوداء والعصابات التي تدير عمليات التهريب والاتجار غير القانوني العابر للحدود والذي يجرمه القانون الدولي علاوة عن المحلي.
وأكدت طه على وجود نوع “حسّاس” من المخاطر الخاص بسوريا والبلدان التي تمر بحروب أو أزمات داخلية، وهو التنقيب في بعض المواقع غير المأهولة حاليًا والتي لربما استُخدمت كمستودعات ذخيرة أو مخابئ عسكرية ليتجاوز الخطر العاملين بالتنقيب ويضر بالمنطقة المحيطة وسكانها الآمنين.
وتعتبر طه أن التنقيب العشوائي أخطر من أعمال البناء النظامية بسبب غياب الخبرة الأكاديمية والإشراف المختص، إذ يتم خلال أعمال البناء إيقاف العمل فور العثور على لُقى أثرية لتتولى اللجان المختصة توثيقها وحماية السياق الأثري بما يحفظ تسلسلها التاريخي، أما في التنقيب غير المشروع، فيتم التعامل مع القطع وفق قيمتها السوقية فقط، ما يؤدي إلى تدمير الموقع وفقدان قيمته المعرفية والتاريخية.
وبينما تستمر الحفريات السرية بحثًا عن “كنوز” مدفونة، يبقى الخطر المتمثل في خسارة أرواح جديدة وتدمير التراث الثقافي قائمًا في ظل فجوة قائمة بين النصوص القانونية وتطبيقها، ما يحمّل الدولة والمجتمع مسؤولية الحد من هذه المخاطر.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى