هل انتقاد السلطة السورية للتنفيس فقط؟

عمر كوش

تعيش سورية مرحلة انتقال سياسي بعد أن طوت صفحة نظام الاستبداد الأسدي في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وشرعت في تأسيس نظام رئاسي جديد يعمل في إدارة عملية انتقالية، يُفترض أن تنتهي بوضع دستور تجرى وفقه انتخابات تشريعية ورئاسية، وتشكّل حكومة تمثيلية جامعة. وبانتهائها، تُستكمل أركان إعادة بناء دولة، يمكنها أن تقطع نهائياً مع ممارسات سادت أكثر من خمسة عقود خلت، عانى في ظلّها السوريون مختلف أنواع القهر والقمع على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية. ليست سهلة مهمّة إعادة بناء الدولة السورية، لأنّها تتطلّب إعادة تشكيل مؤسّساتها السيادية والأمنية والإدارية، ومواجهة مختلف التحدّيات الداخلية والخارجية، وخصوصاً العمل على تحسين أوضاع الناس المعيشية، وصيانة السلم الاجتماعي، وبسط سيادتها في المناطق الخارجة عن سيطرتها.
صحيح أن إسقاط نظام الأسد البائد كان إنجازاً عظمياً، لكنّ الصحيح أيضاً أن عملية إعادة بناء دولة مدمَّرة بشكل كبير تحتاج الكثير أيضاً، ولا تتوقّف المسألة عند بسط السيادة والشروع في إعادة الإعمار، بل تطاول ضرورة مشاركة القوى الحيّة في المجتمع السوري وإعادة بناء الوطنية السورية، وترميم الخراب الذي طاول النسيج الاجتماعي، وتوسيع الحريات العامة، وإطلاق المجال لحياة سياسية حيوية، وتمكين مؤسّسات المجتمع المدني، وخصوصاً النقابات والاتحادات المهنية والحقوقية والاجتماعية.
لا تعيش سورية الجديدة في محيط مستقرّ وآمن، بل يشهد الإقليم متغيّرات متسارعة، ولعلّ ما يدعم سعيها إلى الاستقرار حصول إجماع عربي ودولي على دعمها، لكن هذا الدعم ليس مفتوحاً، بل ربطت دول عديدة استمراره بما تحقّقه الإدارة الجديدة على المستوى الداخلي، الأمر الذي يضع السلطة الجديدة أمام اختبار قدرتها على النجاح في ذلك عبر توسيع المشاركة والتمثيل في مختلف مفاصل الحكم، وتعزيز الوحدة الوطنية، وبما يمكّنها من التغلّب على محاولات التفتيت والتفكيك، وتأجيج الصراع الداخلي. وإن كانت المرحلة الانتقالية قد أكملت ما يقارب 14 شهراً من عمرها المقدّر بخمس سنوات، بحسب الإعلان الدستوري، وإنّ كان من المبكّر تقييمها أو وضع جردة حساب لما أنجزته، إلا أنّ ذلك لا يمنع من فحص المسار، وتبيان ما جرى إنجازه، وما لم يُنجز على المستويات كافّة، ويأتي في مقدم ذلك ما تحقّق من إزالة عقوبات أميركية وأوروبية وأممية كانت مفروضةً على سورية، وخطوات على مستوى الداخل، أهمها عقد حوار وطني وتشكيل حكومة انتقالية، ووضع إعلان دستوري، وإجراء انتخابات تشريعية غير مباشرة، ولم تستكمل بعد.
هناك ضرورة لتبنّي استراتيجية شاملة في المرحلة الانتقالية لاحتواء القوى الداخلية، تشمل فتح حوار وطني جادّ، وغير إقصائي، وغير تقليدي
لاقت الخطوات التي اتخذتها السلطة السورية الجديدة تأييدَ سوريين كُثر، فيما رفض قسم آخر الخطوات كلّها التي قامت بها، وتعرّضت لانتقادات واسعة وبمنطلقات ودوافع مختلفة، واختلف جمهور المنتقدين ما بين رافضين بشكل مطلق الإدارة وناسها، ويمثلون شريحة يحرّكها عمى أيديولوجي، ومنتقدين آخرين منطلقهم الحرص على البلد وناسه، وغايتهم نجاح العملية الانتقالية، بوصفها نجاحاً للدولة السورية، ولا يعدم الأمر وجود ناقدين بدوافع شخصية وسواها، فضلاً عن قلّة من الحاقدين والناقمين.
اللافت أن موجة الانتقادات وصلت إلى أوساط السلطة السورية الجديدة، في ظلّ انتشار تقارير إعلامية عن عزم الرئيس السوري أحمد الشرع على إجراء تغيير وزاري محتمل، ونيّته إعفاء شقيقيه ماهر وحازم من منصبَيهما. وهو أمرٌ أكّده والده (حسين الشرع) في منشور له بصفحته في “فيسبوك”. غير أن الأهم في هذا السياق هو مقال “تحصين الدولة السورية أمام عاصفة إعادة تشكيل المنطقة” (“الثورة السورية”، 22/2/2026) لمدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، محمّد طه الأحمد، وضع فيه ما يشبه خريطة طريق لضمان نجاح عملية الانتقال السياسي في سورية، اعتبر فيه أنّ التحدّي الداخلي الأكثر إلحاحاً يتمثّل في إدارة التنوع السياسي والاجتماعي والعرقي ضمن إطار وطني جامع، وأرجع ذلك إلى أنّ “الدول الخارجة من النزاعات لا تنهض بالقوة الأمنية وحدها، بل عبر بناء توافق سياسي واسع قائم على الشراكة والمساءلة والتوزيع العادل للسلطة والموارد. وتضمّنت خريطة الطريق نقاطاً عديدة، أبرزها أن قوة سورية في مواجهة التحدّيات لا “تقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل بمدى تماسك جبهتها، وقدرتها على إنتاج عقد وطني جامع، وإدارة الخلافات السياسية ضمن إطار مؤسّسي، بدل تركها عرضةً للاستثمار الخارجي”. وتفترض الخريطة “اعتماد مقاربة استراتيجية متعدّدة المسارات، تقوم على قراءة دقيقة للتحوّلات الدولية، وبناء شبكة علاقات متوازنة، وتجنّب الارتهان لمحاور متصارعة، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني أولويةً سيادية”.
إدارة التنوّع المجتمعي وفتح حوار وطني جزء من نضال يومي من أجل مستقبل السوريين
يدرك أصحاب القرار في سورية الجديدة أن النقاش لا يزال مفتوحاً بشأن شكل النظام السياسي الأمثل لسورية الجديدة، عبر البحث عن نموذج جمهوري متوازن يوزّع الصلاحيات بين رئاسة الجمهورية ورئاسة حكومة تنفيذية، وبما يعزّز المراقبة والمساءلة، ويمنع الانسداد، والانزلاق إلى براثن الاستبداد. إضافة إلى ضرورة تبنّي استراتيجية شاملة في المرحلة الانتقالية لاحتواء القوى الداخلية، تشمل فتح حوار وطني جادّ، وغير إقصائي، وغير تقليدي، ويعتمد على الفواعل المجتمعية الحقيقية والسياسية والاقتصادية الفاعلة والمؤثّرة في المجتمع والتيارات، ويفضي إلى دمج مختلف القوى السياسية والاجتماعية في عملية صنع القرار، ضمن إطار وطني جامع يرتكز على مصلحة الوطن العليا، وتفكيك أسباب التوتّر بدل الاكتفاء بمعالجة أعراضه. لذلك طالب الأحمد، في مقاله، بمعالجة جذور (وأصول) التوتّرات الداخلية، فكرية كانت أو سياسية أو مجتمعية أو اقتصادية، وتحويل مراكز القوة المحلّية من عوامل تهديد إلى روافع استقرار، من خلال تعبئة القوى الفاعلة وتوظيفها في صناعة القرار وتبنيه في كلّ الأحوال.
قد يحاول بعضهم التقليل من أهمية ما طرحه الأحمد بالتذرّع بأن ما كتبه يهدف إلى التنفيس أو جسّ نبض الشارع أو سوى ذلك، لكن مثل هذه الذرائع، إضافة إلى الشكوك، لا تصمد أمام ضرورة عدم التوقّف عن انتقاد الخطوات والإجراءات الخاطئة والناقصة، وفتح باب المراجعة والمساءلة، فإدارة التنوع المجتمعي، وفتح حوار وطني غير إقصائي، ودمج القوى الفاعلة في صناعة القرار، ليست للاستهلاك الداخلي، ولا لاسترضاء العامل الخارجي، بقدر ما هي جزء من نضال يومي يخوضه السوريون من أجل بناء مستقبلهم. والمسألة تتعلّق بشروط مواجهة مجمل التحدّيات، وبممكنات نجاة بلدهم من التحوّلات الخطيرة، خاصّةً أن منطقة الشرق الأوسط تشهد متغيّرات متسارعة، ويتوجّب على السلطة السورية إدراك ضرورة حساسية المرحلة الانتقالية التي يتوقّف عليها خلاص البلد، كي يأخذ موقعه الطبيعي في النظام الإقليمي الجديد.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى