
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) مدينة طرابلس في شمال لبنان عاصمةً ثقافيةً عربيةً (في العام 2015)، وبمبادرة من المنظّمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو). إلا أنّ المعنيين تأخروا كثيراً في التحضيرات، إذ فرض انفجار مرفأ بيروت وجائحة كورونا والظروف الاقتصادية الصعبة في لبنان التأجيل إلى حين إعلان الأنشطة والفعّاليات المرافقة للعام 2024. ومع ذلك، قد يسهم الاعتراف المتأخّر في دعم الجهود للحماية والحفاظ على تراث المدينة بعد تعرّضها لكثير من آلام الحرب والفقر والحرمان والترهيب. لكن المدينة بقيت خارج سياقات المرحلة التطويرية في دائرة شهدت التراجع واليأس في رصد البرامج التنموية من البنك الدولي وفشل تنفيذها، فإذا بها تعود وتشهد انهيارات كارثية في مبانيها وكياناتها السكانية، الواحدة تلو الأخرى، في الأحياء القديمة.
انهيارات كارثية تتكرّر، مع تساقط الأمطار وزعزعة العناصر الجيولوجية التي أقيمت عليها مساكن لم يُصَرْ إلى ترميمها عقوداً، وتعاني الاهتراء والتصدّع والرخاوة تحت الأعمدة والجدران المتشقّقة، في واحدة من أقدم المدن العالمية التي تحمل تاريخاً ثريّاً وثقافةً متنوعةً، وعالماً من التفاعل الحضاري والاختلاط السكني والديني والعيش المشترك، ونموذجاً متقدّماً للمدن المتوسطية، وبسمات التبادل التجاري والاجتماعي، خاصّة في صناعة السجّاد والمنسوجات (اشتهرت تاريخياً بصناعة الورق وتصديره إلى سمرقند، والصابون إلى إسطنبول).
كوارث خلّفت وراءها نحو 18 قتيلاً، عدا الجرحى، والخوف من تهاوي مبانٍ أخرى مع تراكم العشوائيات التي سببتها الحرب الأهلية، التي تركّزت في باب التبّانة وجبل محسن ومنطقة القبّة، ما أدّى إلى كارثة اجتماعية نتيجة رفض الأهالي ترك مبانيهم المتهالكة، وبسبب أوضاع الفقر والعوز. فتضاف مآسي الانهيارات إلى مآسي الحرب والسياسات المعطَّلة والإهمال، وسط تقاعس رؤساء ووزراء ونوّاب ورجال أعمال المدينة وأثرياء عن نجدتها في زمن الشحّ وتفجّر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. ما يهدّد موقعها المركزي والتاريخي تجمّعاً حضارياً أسوةً بمدن كثيرة شرق أوسطية، ويحيلها من تجمّع إنساني إلى حيّز آخر في جغرافيا المدن في الحافَة الحضرية.
تنطوي ظاهرة الانهيارات على عمليات تتناقض تفاعلياً تتعلّق بغياب المدينة من منطقة الأعمال المركزية لإنقاذ الأهالي، وتدهور الاستخدام السكّاني للأبنية، وتناقض كبير في إمكانات العمل المنخفضة والرقابة والمحاسبة، وتقادم أعمار المباني، ونزاعات سياسات انعكست على أنشطة المدينة (التجارية والسياحية) التي تبدو كتلةَ عمران ضخمة لا تستطيع إعانة أبنائها، ويسودها التفريغُ وتوسّعٌ عمرانيٌّ جديد خارجها، فلا تكون قادرةً على تقديم مشروع حياة ومأوى على المستويات كلّها، مكاناً لتهذيب المستقبل وخدمة الناس، وما يصلها بالحلقة التاريخية والسياحية العالمية وعمليات الإحياء والتحديث بشكل استثنائي.
إنها سيرة المدن العربية ما بين الكوسموبوليتية والحرب والفوضى، المهدّدة بفقدان هُويّتها، تلفت الأنظار نحو ما أصاب النطاق التاريخي والحضري في القدس وغزّة (الأبارتهايد التمييزي الإسرائيلي في فلسطين) ومراكش والقيروان والإسكندرية وبيروت والدار البيضاء وبورسعيد والموصل وحلب، وسط الفوضى التي سبّبت دمار المدن التاريخية، ومحيط الشكّ في انتشار المجتمعات المضطربة، وموجات تهجيرية عكسية، وارتفاع الكثافات السكّانية، أو هوامش متفاوتة في مراحل نمو المدينة وصراع التضاريس والطبقات الاجتماعية.
الانهيار ليس للمباني، بل لمدينة بعيدة عن الترف ودواعيه، في صورة بائسة في انسداد الأفق السياسي مع ديكور شكلاني لطموحات زعماء محلّيين
الفوهة العمرانية في مستويات غير طبيعية من مورفولوجيا المدينة، تتدنّى معها خصائص ظروف العيش الكريم، وتتنامى صناعة الفقر والتهميش الإنساني، فتظهر الضغوط الاجتماعية خلف انهيارات الأبنية تحت وطأة تكوّن الكيانات المغلقة على نفسها، من دون تدخّل تخطيطي مدني يزيل حدّة التناقض في آفاق سلبية مكبوتة تهدّد حياة ناسها والمجتمع كله. فيؤدّي تراكم الإهمال إلى تكوين مناطق كاملة منهارة أصلاً، تتعطّل فيها الأعمال، ما يُعدُّ مؤشّراً كارثياً اجتماعياً وانعكاساً واضحاً للكتلة البشرية المتعطِّلة في مدن لا تستوعب أفرادها، وتنتهي الأمور بكوارث إنسانية. هذا في وقت لا تزال مدينة مثل طرابلس تحتفظ بالعديد من المعالم التاريخية المملوكية التي تعكس التراث الغني: “درّة المتوسط”، و”دمشق الصغرى”، و”القاهرة الصغرى”، و”البرلمان الفينيقي”. فيما اشتُهرت بقلعتها (العصور الصليبية)، و”خان النساء” أو “خان الخضر” (العصور العثمانية في القرن السادس عشر)، وغرف وأروقة ومكان إقامة التجّار والمسافرين، و”التكيّات”، حيث الاستمتاع بجمال العمارة، إلى مراكز العبادة وإقامة الدراويش والزاهدين، و”خان سوق الجملة”، ومتاجر المنطقة الحرفية والصناعات التقليدية، التي تبرز طابع الحياة اليومية.
تتحرّك حكومة الرئيس نوّاف سلام لوضع خطّة طوارئ عبر إخلاء المباني الآيلة إلى الانهيار بعد تأمين السكن بشروط السلامة والرعاية الصحّية، ومحاولة إنجاز مشروع إعمار، أو ترميم مع شحّ الأموال للنهوض بنحو 1400 وحدة سكنية، ما يعمّق كآبة المدينة وتواطؤ السنين على صناعة أوضاع صعبة. وتحتاج مشاريع التمويل إلى حوكمة وضبط التنفيذ (انحراف في مشاريع التمويل السابقة لتحويل المنطقة إلى مدينة جديدة)، وتشخيص التحوّلات المصاحبة للتطوّر الحضري كما في بيروت وصيدا، ولا بدّ من إعادة التوازن والحراك التنموي من خلال إعادة ترميم المساحات وتنمية المجتمعات الجديدة، وإيجاد بدائل لعمليات التفريغ السكّاني، وتفعيل المرافق والخدمات العامة.
تسلط طرابلس الضوء على التحدّيات التي تواجهها المدينة العربية التي تتعرّض للتدمير والخراب
وبخلاف بيروت التي طاولتها برامج العمران، واستقطبت مشروع رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري بوصفه منجزاً حضرياً في إزالة آثار الحرب الأهلية، لم يصل إلى طرابلس كثيرٌ في إطار تحقيق التوازن حيّزاً تنموياً وإدارياً، ربطاً بأهداف الحرب الأهلية المختلفة وظواهر خلل داخلية، ورأيٌ عامٌّ صامتٌ في اضطراب العلاقات والتفاعلات المكانية بعيداً عن مفاهيم التنمية ونوعية الحياة الأفضل. فالانهيار ليس للمباني، بل لمدينة بعيدة عن الترف ودواعيه، في صورة بائسة في انسداد الأفق السياسي مع ديكور شكلاني لطموحات زعماء محلّيين، لا يراعون ظروف السكّان/الضحايا، وما يطاول بيوتهم وأرواحهم (مجرّد أضرار جانبية). والموضوعات التي ترتبط بهم لا تُعدّ ولا تحصى. فيما المطلوب مواكبة المدينة واتجاهات تطوّرها عبر الزمن، وضرورة التفكير في كفاءة وظائفها الجديدة وكل ما يحتاج إلى إحياء. ليس فقط تاريخياً، بل إطلاق عملية تعمير مفتوحة على متغيّرات لوجستية وبيئية ومدنية، وبأنشطة إنتاجية خدمية وعلمية وكيانية وخدمات الأعمال والمجتمع، وإنشاء مرافق إدارية جديدة. وأن تؤدّي المدينة دوراً تنموياً على المستوى الإقليمي، وهي تملك عناصر كثيرة للربط مع ساحل المتوسّط موقعاً استراتيجياً للنهوض بمشروع إعادة تعمير سورية.
لم يعد الموت إيقاعاً استثنائياً في يوميات لبنان، وبانتظار الكارثة المؤجّلة، والموت يمحو ما قبله، ويصعب الإفلات منه: انفجار مرفأ بيروت، والحرب الإسرائيلية وضرباتها العدوانية اليومية، وقوارب الموت والهجرة، وحوادث السير اليومية، وجرائم القتل المتفشّية. الأمر ليس خللاً وظيفياً في بلد لم تعد فيه الحياة تستحقّ الكثير، فيما يحظى فيه المسؤولون بالحماية، ويُضيّق على الضحايا في سلسلة كثيرة من الأحداث والرسوم والضرائب، وسط استمرار سردية الموت، حيث يدفن المواطنون أطفالهم، ويعيش النازحون بعيداً عن ديارهم.
ما جرى في طرابلس يسلّط الضوء على التحدّيات التي تواجهها المدينة العربية التي تتعرّض للتدمير والخراب في زمن التحوّلات الحزينة والأزمات والفوضى ومحاولات تعطيل ذاكرتها، في تهديد مباشر لهُويّاتها التاريخية، وإثارة الوعي بالمخاطر التي تهدّدها بأشكال من العنف الأخرى، أو التخلّي عن وضع السياسات وتنفيذ المشروعات الرامية إلى التوفيق بين الأمانة لعراقتها وأصالتها وضرورة تبنّيها توجّهات مدن المستقبل، وتوظيفها مكتسبات الحداثة. ما زال هناك وقت للعمل عبر هيئات عمل مستقلّة، والتذكير بأن المدينة في خدمة الإنسان هو ما يمنح مشروعية إنشائها ومسوّغ ديمومتها، فضلاً عن دواعي عمرانها وتطوّرها ورقيّها وصمودها.
المصدر: العربي الجديد






