رمضان يغيّر إيقاع دمشق.. كيف ينعكس ذلك على غير الصائمين؟

جولي بيطار

قبيل أذان المغرب بساعة، تبدو دمشق وكأنها تحبس أنفاسها. حركة خفيفة في الشوارع، وجوه متعبة، محال تترقب اللحظة الفاصلة. ثم بعد دقائق من الإفطار، تتبدّل الصورة كلياً: أضواء ممتدة، عائلات تتجول، سيارات تملأ الطرقات، وأصوات تختلط حتى ما بعد منتصف الليل.
في هذا الانتقال اليومي الحاد بين نهار بطيء وليل نابض، يعيش غير الصائمين إيقاعاً مختلفاً عن بقية العام، وإن لم يشاركوا في الصيام نفسه.
يوم عمل بين الامتناع والاختباء
في أحد المكاتب الخاصة، يبدأ داني يومه كالمعتاد، لكن الإيقاع لا يبقى كما هو، مع اقتراب المغرب، تصبح الساعات الأخيرة أثقل من غيرها. “الحديث يقلّ، صداع الزملاء يزيد، والكل يركّز على الساعة”، يقول لموقع تلفزيون سوريا، مشيراً إلى توتر خفيف يسبق لحظة الإفطار.
لا أحد يمنعه من الأكل أو الشرب، لكنّه يفضّل الامتناع عن تناول طعامه في المكتب. “لا أشعر أن الوقت مناسب”، يوضح أن الامتناع سببه مراعاة لمزاج عام يتبدّل مع اقتراب الأذان.
ويضيف أن مطعم الشركة يُغلق خلال رمضان، ما يعني أن خيار تناول الطعام في مكان العمل يصبح محدوداً أصلاً ويتابع: “إذا قررت أن آكل، يجب أن أحضر الطعام معي”، في إشارة إلى أن التكيّف لا يكون فقط سلوكياً بل تنظيمياً أيضاً.
وكونه مدخناً يجعل الأمر أكثر تعقيداً. “أحياناً أبحث عن زاوية بعيدة لأشرب ماء أو أدخّن بسرعة”، يقول.
لا يقدّم الأمر بوصفه ضغطاً، بل كتكيف يومي مع بيئة يغلب عليها الصيام. في المقابل، يحاول أن ينجز جزءاً أكبر من المهام في الساعات التي يراها الأصعب على زملائه. “أعرف أنهم متعبون، فأحاول تخفيف الحمل”.
بين الامتناع الطوعي، والعمل بوتيرة أعلى أحياناً، يتشكّل يوم مختلف عن بقية أشهر السنة، يوم تحكمه الساعة أكثر مما تحكمه العادة.
امتحان بلا قهوة؟
في الجامعة، تقول نتالي إنها لا تستطيع دخول قاعة الامتحان من دون قهوتها الصباحية. “التركيز أولاً”، تكرر، معتبرة أن الامتحان لا يحتمل المجازفة.
تقف قبل الدخول إلى القاعة بدقائق، تحتسي قهوتها بسرعة، وتشعل سيجارة قصيرة “لتصفية الذهن”، كما تصف الأمر. وبعد انتهاء الامتحان، تعود السيجارة جزءاً من طقس الخروج من التوتر.
لا ترى نتالي في ذلك تحدياً لأحد، بل حاجة شخصية مرتبطة بالأداء. تقول إن الجامعة مساحة واسعة ومتنوعة، “وكل شخص ينظّم يومه كما يراه مناسباً”. بالنسبة لها، رمضان يغيّر المزاج العام، لكنه لا يغيّر متطلبات الامتحان ولا يلغي التوتر.
تضيف: “أستغني عن البسكويت قبل الامتحان.. لكن السيجارة لا”.
المدرسة: مراعاة في مساحة أضيق
على الجانب الآخر، تعيش تالا المشهد بطريقة مختلفة. هي طالبة في مدرسة ثانوية، حيث المساحة أضيق والعلاقات أكثر قرباً. تقول إنها تتوقف عن شرب الماء علناً خلال النهار مراعاةً لمشاعر الصائمين من زميلاتها والمعلمات. “لا أحد طلب مني ذلك”، توضح، “لكن الجو العام يجعلني أتصرف بمراعاة”.
في المدرسة، لا توجد ساحات واسعة أو مساحات مفتوحة كما في الجامعة. التفاصيل تُرى بسرعة، والحضور اليومي أكثر تماساً. لذلك تختار تالا إعادة ترتيب سلوكها داخل هذا الفضاء المحدود، لا باعتباره التزاماً مفروضاً، بل انسجاماً مع الإيقاع السائد.
قلق اقتصادي قبل بدء شهر رمضان
في منزل مشلين، لا يبدأ رمضان مع رؤية الهلال، بل قبل ذلك بأسابيع. أول ما تفكر فيه هو جرة غاز إضافية.
“لا أنتظر حتى يبدأ الشهر”، تقول لموقع تلفزيون سوريا. خبرتها مع المواسم السابقة علمتها أن الأسعار ترتفع فجأة، وأن بعض المواد قد تختفي من السوق أياماً من دون تفسير واضح.
تصف الأمر بالاستغلال، وتتحدث عن نمط يتكرر كل عام: زيادة طلب تقابلها قفزات في السعر، وطوابير أطول، ومواد تُباع بأضعاف سعرها. لذلك تفضّل أن تسبق الموجة.
بالنسبة لها، التأثر ليس دينياً بل معيشياً. “نتأثر بالغلاء ككل السوريين”، تقول بواقعية. فالطلب على اللحوم والخضار والحلويات يرفع الأسعار على الجميع، سواء كانوا صائمين أم لا.
ميزانية المنزل تعاد صياغتها تلقائياً: تقليل بعض الأصناف، تأجيل مشتريات، أو شراء مبكر لتفادي ارتفاع لاحق. ومع ذلك، تقول مشلين لموقع تلفزيون سوريا أنا مائدتها لا تخلو من بعض الأطعمة المرتبطة بالشهر. المعروك والناعم يحضران بوصفهما جزءاً من أجواء المدينة في هذا الشهر.
“المدينة كلها تتغير”، تقول، في إشارة إلى أن رمضان ليس فقط صياماً، بل موسم استهلاك ومزاج عام يدخل كل بيت بطريقته.”رمضان بلا عمل”
على مسافة مختلفة من المطاعم والمقاهي المزدحمة ليلاً، تبدو صالة الألعاب التي يعمل فيها عمر أكثر هدوءاً من المعتاد. يقول إن رمضان بالنسبة لهم ليس فترة نشاط، بل شهر انتظار. “الحركة تكاد تتوقف”.
روّاد الصالة، كما يشرح، يفضّلون النوم نهاراً أو تأجيل نشاطهم إلى ما بعد الإفطار، لكن المساء لا يعوّض خسارة النهار. “الناس تخرج للتنزه أو الجلوس مع العائلة، لا للعب”، بحسب ما يقول.
بالنسبة لعمله في الصالة، لا يحمل الشهر فرصة إضافية، بالعكس، فإن دخله يقل في هذا الشهر. فتكاليف الإيجار والكهرباء لا تتغير، بينما يتراجع عدد الاشتراكات المؤقتة والزوار اليوميين. “ليس موسماً لنا أبداً”، يختصر.
في مدينة تنتقل حياتها إلى الليل، لا تدخل كل الأنشطة في الدورة الجديدة نفسها. بعض القطاعات تزدهر مع السهر، وأخرى تبقى خارج الإيقاع، تنتظر عودة الجدول المعتاد بعد انتهاء الشهر.
دمشق أكثر أماناً وازدحاماً
بعد الإفطار، تتحول الشوارع إلى مساحة اجتماعية مفتوحة. عائلات تتجول ببطء، مجموعات شبابية تقف على الأرصفة، سيارات تتحرك ببطء تحت أضواء المحال الممتدة حتى وقت متأخر. في هذا الزخم، تقول نتالي إن المدينة “تبدو أكثر طمأنينة، حتى لو لم أسهر أنا فالحضور البشري الكثيف في الشارع يخفف الإحساس بالقلق”.
تالا تشاركها الشعور نفسه. بالنسبة لها، السهر في رمضان يمنح الشارع حياة إضافية. “وجود الناس يعطي شعور بالأمان”، تقول، مشيرة إلى أن الحركة المستمرة حتى ساعات متأخرة تجعل الخروج ليلاً أقل توتراً من بقية العام.
لكن نسرين تضيف وجهاً آخر للصورة. فالأمان الذي يخلقه الازدحام نفسه يتحول إلى عبء يومي. الطرقات تمتلئ بالسيارات، والمشاوير القصيرة تطول أكثر من المعتاد. “الليل أجمل، لكن الطريق مساءً أصعب”، تقول، في توصيف يلخّص المفارقة: مدينة أكثر حيوية واطمئناناً، لكنها أكثر ازدحاماً وضغطاً في الوقت نفسه.
“تبدو رحلة العودة من العمل إلى المنزل قبل الإفطار رحلة لا نهائية مع السائقين الغاضبين” في إشارة إلى وقت ذروة الازدحام قبل الإفطار.
في هذا التوازن الدقيق بين الطمأنينة والحركة الخانقة، يعيش غير الصائمين كما غيرهم تجربة يومية مختلفة عن بقية العام.

نصف ساعة من المدينة الخالية
لا يلاحظ داني تغيّر الإيقاع في المكتب فقط، بل في الشارع أيضاً. يقول إن ساعة ما قبل الإفطار تكون الأكثر ازدحاماً، لكن المفارقة تبدأ مع لحظة الأذان. “فجأة تفرغ الطرقات تماماً”، يوضح. خلال الدقائق التي ينشغل فيها الناس بالإفطار، تتحول المدينة إلى مساحة شبه خالية.
بالنسبة له، أصبحت تلك النصف ساعة موعداً ثابتاً لزيارة أصدقائه. “أستغل هدوء الشارع لأصل إلى منزل أصدقائي”، يقول إن الطريق الذي يستغرق عادة وقتاً أطول يصبح سلساً على غير العادة.
في العاصمة التي تعيش نهاراً متوتراً وليلاً مزدحماً، تخلق لحظة الإفطار فراغاً قصيراً ومفاجئاً، يعيد توزيع الحركة داخلها. فراغ لا يدوم أكثر من نصف ساعة، لكنه يكفي ليكشف وجهاً ثالثاً للمدينة خلال رمضان.

أكثر من طقس
في دمشق، لا يختصر رمضان في الامتناع عن الطعام والشراب. هو حياة اجتماعية كاملة تعيد تشكيل إيقاع المدينة: مواعيد العمل، طرق العودة إلى المنزل، حركة الأسواق، وحتى تفاصيل صغيرة مثل مكان شرب قهوة أو إشعال سيجارة. الشهر لا يمرّ كطقس فردي، بل كتحوّل جماعي يطال الجميع، بدرجات مختلفة.
غير الصائمين لا يقفون خارج هذه الحياة، بل يتحركون داخلها، يعدّلون عاداتهم، يؤجلون بعض التفاصيل، أو يستفيدون من لحظات فراغ قصيرة لا تتكرر في بقية العام.
بين ازدحام ما قبل الإفطار وطمأنينة الليل، وبين استعداد منزلي مبكر وركود في بعض القطاعات، يتشكّل وجه آخر لرمضان، وجه يُرى في تفاصيل العيش اليومية.
هكذا يصبح رمضان في المدينة أكثر من شهر عبادة، يصبح موسماً اجتماعياً كاملاً، تتبدّل فيه العلاقات والمواعيد والمزاج العام، قبل أن تعود الحياة تدريجياً إلى نسقها المعتاد مع انقضائه.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى