فلسطين 36… حين تختار السينما أن تفكّر

سعدية مفرح

يأتي فيلم “فلسطين 36” (إخراج آن ماري جاسر، إنتاج 2025) بوصفه تجربةَ مشاهدة تتجاوز حدود المتعة البصرية، وتدخل مباشرة في مساحة التفكير الهادئ الذي لا يرفع صوته، ولا يساوم على معناه. منذ لحظاته الأولى، يضع المتلقّي أمام عمل يعرف ماذا يريد، ويعرف كيف يقوله، ويثق بأن الصورة قادرةٌ على أن تحمل فكرة، وبأن الرمز حين يُستخدم بوعي، يصبح أبلغ من الخطابة، وأكثر قدرةً على العبور بين الثقافات.
ما يلفت في الفيلم الذي عرض أخيراً في الكويت ذلك الخيار الواضح باستخدام السينما بوصفها لغةً عالميةً لا تحتاج إلى شروح مطوّلة، ولا سياقات مُغلقة. فلسطين هنا تُقدَّم باعتبارها حكايةً إنسانيةً مفتوحة، لا تُختزل في حدث تاريخي، ولا تُحاصر داخل إطار سياسي ضيّق، بل تُروى عبر تفاصيل، وإيماءات، وصمت محسوب، وإيقاع بصري يتقدّم بثقة من دون استعجال. المشاهد لا يُدفع إلى التعاطف قسراً، ولا يُستدرج بعاطفة جاهزة، بل يُترك أمام صور تفكّر معه، وتدعوه إلى إعادة النظر في المسلمات التي اعتاد تلقّيها.
ليس اختيار عام 1936 زمنياً محايداً، بل لحظة مفصلية تتكثّف فيها البدايات، وتتشابك فيها الأسئلة الأولى التي ما تزال حاضرة. ومع ذلك، لا يقع الفيلم في فخّ التوثيق المباشر، ولا يتحوّل إلى استعادة تاريخية جامدة. الزمن يُستثمر هنا بوصفه طاقة رمزية تُضيء الحاضر، وتكشف استمرارية الجرح، من دون أن تُصرّح بذلك. كل مشهد يبدو وكأنّه يقول إن التاريخ لا يمضي كما نحبّ أن نعتقد، وإن ما جرى لم يصبح ماضياً تماماً.
اللغة البصرية في “فلسطين 36” واعية بذاتها، وتعرف حدودها، وتتحرّك باقتصاد جمالي محسوب. الكاميرا لا تتباهى، والموسيقى لا تفرض شعورها، والحوار يؤدّي وظيفته من دون فائض. حتى الفراغات، وحتى الصمت، يُستخدمان جزءاً من السرد، وكأنّ الفيلم يراهن على ذكاء المتلقّي، وعلى قدرته على التقاط ما لا يُقال. هذا الهدوء المقصود يمنح العمل قوةً إضافية، ويجعله أكثر قابليةً للنفاذ إلى ذاكرة المشاهد، وأكثر قدرةً على البقاء.
الرمز في الفيلم ليس زينة فنّية، ولا لغزاً مغلقاً، بل أداة سردية دقيقة. كل استعارة بصرية تؤدّي معناها من دون تعقيد، ومن دون حاجة إلى تأويل متكلّف. تتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى إشارات كبرى، والأشياء اليومية تكتسب بعداً سياسياً وأخلاقياً من دون أن تُحمَّل فوق طاقتها. وهكذا تصبح فلسطين في الفيلم فكرة تختبر ضمير المرء، وسؤالاً عن العدالة حين تُنتهك، وعن الذاكرة حين تُهدَّد، وعن الصمت حين يُطلب باعتباره موقفاً مقبولاً.
ما يمنح “فلسطين 36” فرادته أيضاً أنه لا يخاطب جمهوراً واحداً. الفيلم موجّه إلى من يعرف القضية، وإلى من يجهلها، وإلى من يقف في المنطقة الرمادية بين المعرفة والإنكار. يفعل ذلك من خلال سرد سينمائي متقن، يرفض التبسيط، ويبتعد عن الوعظ، ويختار الإقناع الهادئ طريقاً. اللغة السينمائية هنا لا تتخلّى عن جذورها، لكنّها تنفتح على أفق إنساني أوسع، يجعل الألم مفهوماً، والمعنى قابلاً للتشارك.
ما لم أفهمه جيّداً في الفيلم إشارته إلى ما سمّاها “الجماعة الإسلامية” وتأكيده أنها قامت بتمويل صهيوني، بالإضافة إلى تصوير طلب التبرّعات للثورة بأسلوب غريب يقترب من فكرة الإكراه وربّما السلب، وهو ما جعلني أحتاج إلى مشاهدة الفيلم مرّة أخرى بعيداً عن الدفق العاطفي الذي كنت أشعر به في المشاهدة الأولى.
بعد انتهاء الفيلم، لا ينتهي أثره؛ يبقى حاضراً بوصفه نصّاً بصرياً يدعو إلى التفكير، وإلى إعادة النظر في علاقة السينما بالقضية، وفي قدرة الفنّ على أن يكون موقفاً أخلاقياً من دون أن يتحوّل إلى بيان. “فلسطين 36” يذكّرنا بأن الرمز حين يُحسَن استخدامه، يصبح أداة مقاومة، وبأن السينما، حين تُخلص لفكرتها، تستطيع أن تقول ما تعجز عنه الخطب، وأن تجعل فلسطين مفهومةً، ومؤلمةً، وعادلةً، من دون أن تطلب إذناً من أحد.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى