الطائفة والقبيلة بين بناء الدولة وإعادة إنتاجها

أحمد الشمام

بدأت الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال في سوريا بناء كيان الدولة المعبِّر عن جميع مواطنيه، والانتقال بالأفراد والجماعات من ذهنية الجماعة ما دون الوطنية إلى مفهوم الشعب أو الأمة.
ورغم الحراك السياسي وبدايات التحول الديمقراطي في مرحلة الخمسينيات، أحبط دخول العسكر ميدان الصراع السياسي كلَّ إمكانات العمل؛ إذ شهدت سوريا انقلابات انتهت بانقلاب رسّخ نظام البعث في السلطة، وتُوِّج باستلام الأسد زمام الحكم. فأنشأ سلطة أبوية ونظامًا عمل فيه على ترسيخ هيمنته، وتطويع ثقافة ومخيلة السوريين وفقًا لما يخدم سياسته، التي اعتمدت الحرص على إبقاء البنى الاجتماعية ضمن أنساقها، وتجذير فرقتها مع ضرورة اتساقها القسري بما يتفق مع السلطة وأنساقها.
يمكن ملاحظة إعادة تشكيله للجماعات، أو تراتبية السلطة ضمنًا، بما يضمن ربطها به، والتحكم باختلافاتها لتبقى مرتهنة لسياسته في ترسيخ الحكم الطائفي. ولا يخرج الأسد ولا معارضوه من الضباط الذين صفّاهم حينها من نسق سلطة عسكري امتازت به معظم النخب العسكرية في بلدان ما بعد الاحتلال؛ إذ لعبت ذهنية الحياة العسكرية وقياداتها القائمة على مفهوم التفرد بالسلطة والقوة والتحكم، دورها في حكم البلدان بعد الجلاء من باكستان إلى الجزائر، مع ارتباطها بالقوى الدولية.
في المستوى الظاهر للبعث كان الخطاب وطنيًا وقوميًا، لكن البنى الاجتماعية من طوائف وقبائل وأقليات إثنية بقيت مرتهنة لمعادلات السلطة والتحكم، في غمرة تحييد الثقافة والسياسة عن المجال العام، وإفقار الدولة والمجتمع من خلال ضرب البرجوازية.
لكن تعريف الأسد بدلالة الطائفة يتأتى من استخدامه لها؛ إذ بدأ بتصفية منافسيه أو تحييدهم، وإعادة تشكيلها بما يخدم هيمنته واختزالها فيه، وجعل النظام معبِّرًا عن مصالح الجماعة لتجيير أبنائها. وبالتوازي مع ذلك، عمل على تسويق نفسه حاميًا للأقليات الدينية، وجعلها جزءًا من نظامه بحدود لا تنافس سلطته. كما لعب داخليًا في أنساق السلطة والتسابق عليها، وتشكيل أنساق جديدة للوجاهة والمكانة في سائر البيئات الاجتماعية.
أما في الأوساط القبلية، فقد تقرّب من قواعد القبائل عبر مفاهيم «ثورة البعث» ضد الإقطاع، والصفقة التي عقدها مع الفلاح لتطويعه عبر مفهوم حزب البعث للعمال والفلاحين، واتحاد الفلاحين الذي كان متشكِّلًا قبل حكمه، لكنه أعاد تشكيله وأقصى من لم يؤيد انقلابه. كما تحكّم بالسلطات المشيخية للقبائل عبر إدخالها في ميدان التنافس فيما بينها ضمن القبيلة، مع منافع رمزية تدنّت إلى حدود الحفاظ على كرسي المشيخة، تحت وطأة إشعارها بإمكانية تغييرها لصالح منافسين من بيوت المشيخة. وعمل أيضًا على خلق منافسة بين كل قبيلة وأخرى على مستوى ما تحصّله من مكتسبات وظيفية ووظائف ووجاهة وعضوية في البرلمان، أو نيل قيادات حزبية محلية؛ لينتج نظام سلطة ضمّ الجميع تحت جناحه ترغيبًا أو ترهيبًا، في سباق التنافس والصراع الحامي للعيش وتأمين الحياة، في موطن التناحر الكبير على أساسيات الحياة التي أمسك بمفاصلها الأسد.
وقد زُرع الولاء له في كل مكان، من «اتحاد شبيبة الثورة» لدى أطفال المدارس، ثم حزب البعث الذي صار جسرًا لإمكان التوظيف، من أصغر آذنٍ أو عضوٍ في اتحاد الفلاحين، حتى آخر خطيب مسجد بعثي.
في المستوى الظاهر للبعث كان الخطاب وطنيًا وقوميًا، لكن البنى الاجتماعية من طوائف وقبائل وأقليات إثنية بقيت مرتهنة لمعادلات السلطة والتحكم، في غمرة تحييد الثقافة والسياسة عن المجال العام، وإفقار الدولة والمجتمع من خلال ضرب البرجوازية، ونسف الطبقة الوسطى، وإعاقة تطور المجتمع الذي تجاورت فيه البنى الاجتماعية ما دون الدولة، والتي كانت تحمل في تاريخها القريب رصيد تجاورها وتشابكها وتعاونها لإنجاز الاستقلال عن المستعمر الفرنسي، وتحمل إمكانات التحول الديمقراطي والانتقال إلى شكل الدولة الحديثة.
وكأن السلطة المركزية المستبدة تستنسخ الأنساق نفسها في البنى الأدنى منها، كلٌّ في مستواه وبيئته، لتفرض أنساق سلطة محلية ضمن البنى الاجتماعية تكون وسيطًا بين الفرد والدولة. ورغم تشكيل النظام لجماعة السلطة من مختلف البيئات، فإنها بقيت في مستوى فريق السلطة الذي يؤدي دورًا ويُستبدل أيٌّ من أعضائه بشرط بقاء المهمة: ترسيخ السلطة.
لا قيمة للفرد حيث لا مدخل للتعامل مع المواطن كفرد ـ كما في الدول الحديثة ـ إلا عبر الجماعة التي تلعب دور مفتاح التعامل مع الدولة، أو يخضع التعامل معه في أطر الوظائف والمناصب والمشاركة السياسية المزعومة من خلال الجماعة التي ينتمي إليها. وكان ذلك جزءًا من سياسته في ترسيخ الجماعة ودفعها إلى إعادة صياغة نفسها لدى الطوائف؛ فظهرت النخبة المعتبرة ذات الأثر الاجتماعي والسياسي المحلي من الطائفة العلوية ترى نفسها كعلويين، كما ظهرت الدرزية هويةً تميّزت بها النخب الدرزية عن غيرها، وكذلك أبناء الطائفة الإسماعيلية، مع تفاوت بين كل منها في مستوى التفاعل الوطني وتوجهات نخبه الحزبية.
حتى إن الأكثرية السنية المستقرة بدأت تقرأ نفسها تبعًا لهذا المنظور. ومثال ذلك أن القبيلة بقيت ترى نفسها قبيلةً وكيانًا يجب احترامه، رغم اختلاف مستوى تفاعلها ومغايرته لنمط تفاعل الطائفة؛ إذ أبقت الأخيرة على مصلحتها وعصبيتها ومرجعيتها، في حين أن القبيلة انخرطت في صفوف حزب البعث واعتبرته معبِّرًا عنها، وتشظّت رغم حملها الذهنية القبلية على مستوى التواصل والعادات والتقاليد العامة.
إن ما سردناه يقودنا إلى التساؤل أمام هذه التركة الثقيلة: هل يقع على عاتق السلطة وحدها تفكيك ذلك؟ وأين المثقفون والنخب الاجتماعية والسياسية من ذلك؟
يقتضي العمل لبناء الدولة أن تطلق الدولة مسار العمل المشترك، ونبذ شتى أشكال العنف، ورعاية الحراك الاجتماعي والتظاهر، وتحقيق الأمن، بالتوازي مع عملية البناء الكفيلة بتوفير قراءات جديدة للسوريين خارج مجالات التحشيد القطيعي في وسائل التواصل والذباب الإلكتروني.
إن الدولة العربية الحديثة ما زالت تنتمي إلى النمط السلطاني الذي شهدته السلطنة العثمانية. ورغم أن الدولة العثمانية اتسمت بالنظام الإمبراطوري الذي لم يصطدم بالخصوصيات الاجتماعية والمذهبية والدينية واختلاف الثقافات، بشرط الحفاظ على الولاء للدولة، فإن السلطة اتبعت فيه نظام الهبات والعطايا والإقطاعات لكل جماعة لضمان ولائها، مع ترك المجال لقياداتها المحلية، قبلية كانت أم طائفية، لتدير شؤونها بما لا يتعارض مع نظام السلطنة حتى بداية عهد التنظيمات، وأوجبت عليهم جباية الضرائب عنها.
إن نموذج الأعطيات والهبات والامتيازات التي تُمنح لقادة الجماعات، ونموذج السلطة الواحدة المتفردة، قد تم استنساخها في دولنا، مع إضافة جديدة هي اللعب بالطوائف بما يخدم مصالح الحكم.
أشار كمال صليبي في كتابه «إشكالية الدولة والطائفة والمنهج» إلى القراءات التي سادت حين تهاوت السلطة العثمانية وتصوير السلطنة بظلامية عصور أوروبا، كما وثّق وجيه كوثراني مراسلة بعض نخب الأقليات لفرنسا. لنجد أن ما نشهده الآن هو نشاط فاعلين سياسيين في بنى ما دون الدولة تمثل قوى تنطلق من مرجعية الجماعة، بما يتنافى مع فعل الشراكة الوطنية الذي تتخذه قواعدها، ويعاني من محاولات تجييره ليُعاد إنتاج الشتات وتظهير العصبيات الجماعاتية، تيمّنًا بطرح ابن خلدون حول الدولة كثيرة العصائب التي تصبح ضعيفة وعرضة للتفتت، وضرورة وجود عصبية للدولة أو الأمة أو الشعب تعلو على الانتماءات دونها.
ما يعني أن الإشكالية ليست في الدولة ولا في السلطة، رغم التحفظ على بعض سلوكها وأحقية معارضتها انطلاقًا من مبدأ التعاون والنصح لا التضاد ولا التصيد، بل في تموضع الجماعة في المسار السياسي، رغم ما أطلقته القيادة السورية من أن قاعدة تعاملها مع المواطنين تكون بعيدًا عن انتماءاتهم.
يقتضي العمل لبناء الدولة أن تطلق الدولة مسار العمل المشترك، ونبذ شتى أشكال العنف، ورعاية الحراك الاجتماعي والتظاهر، وتحقيق الأمن، بالتوازي مع عملية البناء الكفيلة بتوفير قراءات جديدة للسوريين خارج مجالات التحشيد القطيعي في وسائل التواصل والذباب الإلكتروني. وفي المقابل، يجب اعتماد معيار أخلاقي لنشاط كثير من مثقفي التحشيد وكل من اشتغلوا مع لوبيات الغرب لمنع إزالة العقوبات عن سوريا.
كما أن المعارضة التي يمكن أن تظهر يجب أن تحمل برنامجًا ينطلق من مبدأ الدفاع عن سوريا، وعدم الطعن في الوطنية السورية، ومواجهة موجة القراءات السطحية والموتورة التي تقول بتفتت الوطنية السورية انطلاقًا من طفو عصبيات ما دون وطنية على الرابط الوطني.
المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى