خريف الملياردير… أفول “خصخصة السياسة” في المغرب

محمد طيفوري

لم يكن المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمّع الوطني للأحرار في مدينة الجديدة، نهاية الأسبوع الأول من شهر فبراير/ شباط الجاري، مجرّد إجراء تنظيمي عابر، بل كان بمثابة الفصل الختامي في سيناريو سياسي شُيِّدت أركانه بدقّة متناهية. فبين استدعاء رجل الأعمال عزيز أخنوش المستعجل (في أكتوبر/ تشرين الأول 2016) لملء فراغ استقالة صلاح الدين مزوار، وبين تنحّيه المفاجئ بعد أن كان يحشد الأنصار ويحفّز المناضلين، مستعيناً بلغة الأرقام والمؤشّرات، سعياً نحو ولاية حكومة ثانية في الانتخابات التشريعية خريف العام الجاري (2026)، تُثار أسئلة عدة حول توقيت انسحاب الرجل الذي مزج السياسة بـ”البزنس” (راجع مقال الكاتب “المغرب… عزيز أخنوش ومزج السياسة بالبزنس”، “العربي الجديد”، 11/1/2025)، ودواعيه، وما إذا كان رحيله عن قيادة الحزب قراراً شخصياً أم إعلان إسدال الستار على مرحلة في المشهد الحزبي بالمغرب.
كان محمد الشوكي المرشّح الوحيد بلا منافسة من أسماء وازنة في الحزب ببروفايلات ثقيلة كان يُنتظر منها إضفاء شرعية على مؤتمر الحزب
حرصت أقلام صحافية ونُخب أكاديمية، تسبح في فلك “نعيم الملياردير”، على تسويق القرار باعتباره التزاماً بـ”الديمقراطية الداخلية”، ودرساً في الزعامة بالقدرة على تسليم المشعل، وخطوة غير مسبوقة تكسر النمطية، ورسالة إلى زعماء حوّلوا الأحزاب إلى دكاكين سياسية في ملكيّتهم، بالتحايل على الأنظمة الداخلية للبقاء في القيادة؛ فيما الحقيقة خلاف ذلك تماماً. فقد شكَّل القرار المفاجئ صدمةً قويةً هزّت أركان البيت الداخلي لـ”الأحرار”، وزلزالاً سياسياً أعاد خلط الأوراق والتوقّعات بشأن خريطة المشهد الحزبي في المغرب؛ فلا أحد توقّع رحيل عزيز أخنوش بهذا الأسلوب بعد إفلاته من مطلب التنحية الذي ردّده “جيل زد” أواخر عام 2025.
عوداً على الطبقة الرقيقة من الشكليات الديمقراطية التي سُخِّرت لتبرير قرار الرجل بالتخلّي عن قيادة كتيبة الحمامة (شعار الحزب)، يمكن القول إنّ الوفاء للديمقراطية آخر اهتمام الحزب منذ التأسيس على يد أحمد عصمان، صهر الملك الراحل الحسن الثاني، عام 1978، مروراً بكيفية بلوغ أخنوش نفسه قمرة القيادة على حين غرّة قبل عشر سنوات، وانتهاءً بكيفية النزول الطارئ من دون سابق إنذار. فيوماً واحداً فقط قبل إعلانه الرحيل قرّر التمديد لمختلف هياكل الحزب، بمبرّر ضرورة استمرار العمل الميداني بحكم طبيعة السنة الانتخابية، ثم ما لبث أن عدل عن الأمر، وانقلب التأخير تقديماً في أقلّ من 24 ساعة. تستدعي الديمقراطية المفترى عليها من أنصار أخنوش أن يثير الرجل أمراً بهذا الحجم في أشغال المجلس الوطني الذي تحدث فيه عن إمكانيات التمديد لما بعد الانتخابات. وكيف يصبح تنحّي الزعيم ديمقراطياً فيما احترام قواعد الديمقراطية يستوجب خوض غمار الانتخابات، إذ يقدّم الرجل حصيلته وينتظر حكم المواطنين عليه، ليقرّر بعدها البقاء أو الخروج وفقاً لاختيارات الصندوق؟ إن محاولة القفز عن لحظة المحاسبة الشعبية بالانسحاب المبكّر، وبصيغة مستعجلة، تُقرأ بوصفها رغبةً من الملياردير في تفادي مساءلةٍ حقيقيةً عن الحصيلة، والإفلات من المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة.
تفاصيل مؤتمر الجديدة كفيلةٌ بكشف الجوهر الديمقراطي داخل “الأحرار”، خاصّةً بعد انتخاب محمّد الشوكي خلفاً لعزيز أخنوش في مسرحية كُتبت فصولها مسبقاً. فالرجل كان المرشّح الوحيد بلا منافسة من أسماء وازنة في الحزب ببروفايلات ثقيلة كان يُنتظر منها إضفاء شرعية على المؤتمر. فالفائز اسم مغمور يفتقر إلى الكاريزما، وبلا مشوار سياسي أو نضال حقوقي يؤهّله لخوض غمار المنافسة فقط، فكيف بالفوز؟ ثم أين الديمقراطية التي قيل إن انسحاب الملياردير جسّدها في انتخاب محمّد الشوكي، الذي كان بمثابة تعيين مدير تنفيذي؟ فالقرب من “دائرة أخنوش” يبقى المعيار، في تكريسٍ واضحٍ لسياسة تعيين المقرّبين الأوفياء، تماماً كما حدث مع تعيين محمّد الصديقي وزيراً للفلاحية بعد توليه رئاسة الحكومة.
غادر عزيز أخنوش سدّة القيادة الحزبية عقب مؤتمر استثنائي وُصف بـ”الجنازة السياسية” الفاخرة، طغى عليها الطابع الوداعي، رُدِّدت فيه هتافات “يا عزيز ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح”، ما أثار تساؤلاً عن طبيعة هذا الكفاح، في ظلّ حصيلة حكومية بإخفاق اجتماعي حادّ، بعد تجربة استنزفت الرصيد الشعبي لـ”حزب الكفاءات” وكبّدته كلفةً سياسيةً باهظةً. لكنّه سيظلّ “الزعيم الفعلي” من وراء الكواليس؛ فالرجل الذي أدار الحزب بعقلية رجل الأعمال استثمر طويلاً (10 سنوات) في بناء هيكل تنظيمي يضمن له ذراعاً سياسية للدفاع عن مصالحه بعد الخروج من الحكومة. بناء عليه؛ لا يبدو ما حدث “تداولاً ديمقراطياً” بقدر ما هو إعادة توزيع أدوار مدروسة بعناية.
بمغادرة عزيز أخنوش قيادة حزب التجمّع الوطني للأحرار، يتّجه المخزن نحو طي صفحة دامت سنواتٍ اعتمد فيها على رجال الأعمال
يدخل الحزب اليوم منعطفاً مفصلياً يعيد رسم ملامحه؛ فـ”حمامة الأمس” ليست “حمامة اليوم”، مع تراجع النموذج القائم على تحالف النُّخب المالية والسياسية الذي أنتج حكومة بلا شرعية شعبية حقيقية. فالحزب لم يحوّل الهيمنة البرلمانية رصيدَ ثقةٍ شعبيةٍ، ما يعني أن الحزب غير قادر على التحليق منفرداً من دون محرّك المال الذي كان يدفعه، حتى أضحى مجرّد “أداة انتخابية” صُمِّمت للفوز بالنتائج لا لصناعة السياسة.
بمغادرة أخنوش قيادة حزب التجمّع الوطني للأحرار، يتّجه المخزن نحو طي صفحة دامت سنواتٍ اعتمد فيها على رجال الأعمال لتسيير الشأن العام (راجع مقال الكاتب “المغرب.. أيّ أفق لإحياء تجربة النُّخبة الاقتصادية؟”، “العربي الجديد”، 24/3/2018)، إذ راهنت الدولة على “خصخصة” الفعل السياسي عبر تصدير النُّخب الاقتصادية إلى واجهة مراكز القرار؛ أي استنساخ نموذج الشركة داخل أروقة السياسة والتدبير العمومي. لكن الواقع كشف بالملموس، غير مرّة (المقاطعة، “جيل زد”…)، أن حسن إدارة الأرقام والمشاريع لا تضمن بالضرورة النجاح في تدبير التوازنات الاجتماعية والسياسية المعقّدة.
إن الرحيل هنا لا يرتبط بشخص أخنوش بقدر ما هو مراجعة لنهج كامل في التدبير. فما جرى في تجربة “الأحرار” كان مختبراً لقياس مدى قدرة نُخب “البزنس” على تعويض رجال السياسة، لكن تبيَّن أن القدرة على إنتاج الثروة في المقاولة لا تضمن إنتاج الرضا الشعبي والاستقرار السياسي، ما حتّم مراجعةً بنيويةً لخيار “تسييس المال”، بتوجّه المخزن نحو ردّ الاعتبار للسياسي التقليدي بدل مدير المشاريع الذي لا يتقن سوى لعبة الاختباء خلف لغة الأرقام.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى