اليمن اقتصاد العُصبة وفقر الجموع

بشرى المقطري

في دورة متواصلة ومغلقة من الاستغلال الاقتصادي، تدور سردية حياة اليمنيين. وإذا كان انعدام الأمن الغذائي بات السمة العامة التي تميز مستوى (ونوعية) الحياة لقطاعات واسعة من اليمنيين، فإن اتساع ظاهرة الفقر بات الضلع الآخر في معادلة البؤس والفاقة، التي تعمّقها، لا فشل مسارات التدخّلات الإنسانية ومحدوديتها، بل مفاعيل النماذج الاقتصادية لسلطات الحرب، وانعكاساتها الإنسانية والمجتمعية أيضاً.
بمعزلٍ عن إدارة الاقتصاد الوطني غنيمةً لعُصبة السلطة على حساب الجموع، إلى جانب تحويل الدولة إلى أداة وظيفية للنهب المنظم، يمكن تعقّب نموذجَين اقتصاديَّين لسلطات الحرب، وإن شكّلا نوعاً من الاقتصاد الطفيلي الذي يعمل معظمه خارج أطر المؤسّسات الرسمية للدولة بقوانينها ولوائحها، ففي حين كرّس انقسام المؤسّسات الاقتصادية والمالية ترسيم نموذجَين اقتصاديَّين مشوّهَين، فإن مسارات الحرب الاقتصادية المتبادلة، بما في ذلك تبعات الصراع على الموارد، وأيضاً مفاعيل السياسات الوقائية في القطاع الاقتصادي، تحوّلت إلى سمة لنموذجَين اقتصاديَّين للإفقار والتجويع. وإذا كان استمرار انقسام المؤسّسات الاقتصادية والمالية بين سلطات الحرب قد أفضى إلى تنويع أشكال النهب العام وبناه، فإن وسائل إدارة سلطات الحرب سلطتها ومواردها، بما في ذلك أموال الداعمين والمانحين، جذّرت نماذج اقتصادية مشوّهة باتت النواة الصلبة لاستمرار تردّي الوضع الإنساني لليمنيين، من غياب أيّ مستوىً من العدالة في توزيع الثروات إلى تنصّل السلطات من واجباتها حيال المواطنين، مقابل تدمير مؤسّسات الضمان الاجتماعي، فدفعت سياسات الإفقار التي تنتهجها سلطات الحرب إلى إعادة هندسة المجتمعات المحلّية، سواء على المستوى الاقتصادي أو المجتمعي والإنساني، ناهيك عن السياسي، ومن ثم تحويل جموع اليمنيين إلى قوة معطَّلة، ومقيَّدة بإكراهات البؤس المفروض من أعلى.
سلطة الحوثيين مثال على مفاعيل نموذج اقتصادي طفيلي ومشوّه ينتج الفقر والحرمان
تحضر سلطة جماعة الحوثي مثالاً حيوياً على مفاعيل نموذج اقتصادي طفيلي ومشوّه بات آلة لإنتاج الفقر والحرمان الغذائي وصلت، بحسب تقارير منظمات دولية عديدة، إلى حالة الطوارئ الإنسانية، وربّما الأسوأ منذ بدء الحرب، حيث تنتظم في النموذج الاقتصادي لجماعة الحوثي توليفة مركّبة، تتفعل فيها بنية سلطتها ووسائلها في إدارة السلطة، وأيضاً نتائج سياستها الحربية الداخلية والإقليمية، وأيضاً سياستها الاقتصادية الوقائية. فعلى مستوى أولي، تعكس بنية سلطة الجماعة ووسائلها في إدارة السلطة فرزاً اقتصادياً، وأيضاً اجتماعياً، يدير موارد الدولة، بما في ذلك عائدات النشاط الاقتصادي والتجاري لصالح طبقات الامتياز ممثّلةً بسلطة الجماعة بتحالفاتها السياسية والاجتماعية. وبالتالي، تستثني جموع المواطنين من الحقّ في الموارد، وفي مستوى ثانٍ، شكّل اختلال فهم الجماعة لوظائف السلطة والدولة إلى تجذير سياسات تميّزية تشمل مظاهر الحياة كلّها، بما في ذلك مؤسّسات الدولة، وتتمظهر بتصنيف قطاع موظفي الدولة إلى فئات، ترتّب عليه تمييز من حيث الأجور، أعلاها الكادر الوظيفي التابع للجماعة، بما يعنيه ذلك من تجيير موارد الدولة على شحّتها لصالحها.
وفي مستوى ثالث، أفضت ندرة الموارد الاستراتيجية في المناطق الخاضعة للجماعة مقابل تنامي صراع أجنحتها على العائدات والفوائد إلى تعدّد أطر النهب العام وانفراطها أيضاً، سواء بشكلها المؤسّسي من خلال كيانات الدولة أو بكيانات موازية تتخذ أسماءً عديدة، من مؤسّسة الشهداء إلى هيئة الزكاة التي باتت كياناً وظيفياً للنهب والاستغلال. ومن جهة ثانية، تمثّل مفاعيل السياسات الاقتصادية العامة للجماعة منظومةً مركّبةً تعمل لاستنزاف المجتمعات الخاضعة لها اقتصادياً، عبر توسيع آلية امتصاص الموارد والنهب، بما في ذلك تحويل الدولة، بمؤسّساتها وأجهزتها، إلى دولة قائمة على الجباية فقط، من الإتاوات اليومية إلى توظيف قطاع التجارة جهازاً يعزّز نظاماً ضريبيّاً منفلتاً، وخارج أطر القانون، وبالطبع الرقابة، يتمثّل في فرض ضرائب متعدّدة على حركة التجارة الداخلية في المناطق الخاضعة لها، تتعدّى نقاط الجمارك الرسمية بين المدن اليمنية، إلى استحداث نقاط جمارك جديدة داخل المدينة الواحدة، تتبع جهات متعدّدة ونافذة محسوبة على الجماعة، الأمر الذي ضاعف تدهور الوضع المعيشي وارتفاع كلفة أسعار المواد الغذائية. يضاف إلى ذلك أن تعدّد مستويات السلطة في شكل أجنحة الجماعة أنتج سياسات اقتصادية متضاربة، انعكست نتائجها الكارثية على الحياة الاقتصادية، بما في ذلك فرص العمل ونوعيته، فقد استخدمت الجماعة قطاع التجارة بمؤسّساته الرسمية والمدنية أداةً لفرض احتكار مراكز نفوذها مقابل استهداف شريحة واسعة من الأسر التجارية الوطنية، والتسلّط على شركاتهم عبر الحارس القضائي، إضافة إلى تقييد النشاط الاقتصادي والتجاري وإخضاعه لاشتراطاتها السياسية والأمنية أيضاً، ما أفضى إلى هجرة رأس المال الوطني في المناطق الخاضعة للجماعة.
دفع الإفقار الممنهج والمستمرّ، لا الحرب ولا القصف، مئات الأسر المنهكة للنزوح قسرًا
بموازاة مفاعيل نموذجها الاقتصادي القائم على الإفقار والنهب، بما في ذلك استمرار عسكرة الاقتصاد رغم توقّف الحرب، فقد جذّرت نتائج الحرب الإسنادية لجماعة الحوثي تدهور الأوضاع الإنسانية في المناطق الخاضعة لها ووصولها إلى مستويات خطيرة، إلى جانب تأثير العقوبات الأميركية المستمرّة والدورية على الجماعة، بيد أن الأهم مفاعيل هذه العوامل في تبنّي الجماعة نموذجاً اقتصادياً وقائياً وانعكاساته على المجتمعات الخاضعة لها، حيث لجأت الجماعة، وبهدف التحايل على العقوبات، وأيضاً لامتصاص أيّ هزّات اقتصادية مستقبلية، إلى مأسسة نموذج مغلق، يعتمد، في المقام الأول، على تدوير العمليات الاقتصادية، سواء في المستوى التجاري أو المالي، ضمن أطر محلّية ومحدودة، إلى جانب إدارة المؤسّسات المالية في المناطق الخاضعة لها بسياسة وقائية تعطّل فرص تثبيت اقتصاد رسمي مزدهر، يحقق إمكانية الانتعاش الاقتصادي للمواطنين، حتى في حدّه الأدنى، مقابل حماية أصولها المالية، فضلاً عن تقييد البنوك والمؤسّسات المالية باشتراطاتها الأمنية والاقتصادية، بدءاً بتدفّقات العملات الأجنبية إلى آلية إيداع الأموال التي تخضع، من حيث آلياتها وضوابطها، لمستوىً رقابي. يضاف إلى ذلك، وفي سياق تكريس نموذجها الاقتصادي، عملت الجماعة على استنساخ جزء من التجربة الاقتصادية لحزب الله، أي مؤسّسة القرض الحسن، مع اختلاف جوهري في تجربة حزب الله وبين تجربة الجماعة، سواء من حيث الآلية المتبعة أو تأثيرها في النطاق المجتمعي. ففي حين يعتمد الحزب على مؤسّسة القرض الحسن لمركزة اقتصاد بديل من مؤسّسات الدولة اللبنانية، يدعم اقتصاد الحزب، وينمي حاضنته الشعبية بمنح أعضائها قروضاً، فإن الجماعة تستعير نموذج القرض الحسن فقط بشكلها المغلق، أي تدوير العمليات الاقتصادية ضمن شبكات نفوذها، مقابل تحويل المؤسّسات المالية والبنوك إلى مؤسّسات مغلقة على اقتصاد داخلي ومنضبط، ومنع المواطنين من استخدام أموالهم المودعة في البنوك والتحفّظ عليها. ومن جهة أخرى، وفي سياق النموذج الاقتصادي الذي باتت الجماعة ترسّخه، حوّلت هيئة الزكاة إلى مؤسّسة لاستثمار تدفّقات عوائد أموالها، مع حصر الانتفاع بمقاتليها وشبكات ولاءاتها، وعملت إضافة إلى ذلك (في ظلّ ترسيخ الجماعة تمايزاً اقتصادياً واجتماعياً تشغّل طبقاتها مركزه) لتدمير البنى المدنية والمؤسّسية التي كانت لسنوات سابقة توفّر حتى الحدّ الأدنى من الضمان الاجتماعي أو الرعاية للطبقات المتوسّطة والفقيرة.
في صنعاء، أولاً، عاصمةً للسلطة، وسردية حياة موازية يمكن من خلالها قياس مستويات الوضع الاقتصادي والإنساني، فإن حالة الكساد التي تضرب العاصمة، بدءاً بإغلاق العشرات من المصانع والشركات إلى توقّف المشاريع الصغيرة والكبيرة والهجرة المتتالية لرأس المال الوطني، تعكس مظاهر انهيار عام، تتجاوز شلل الحركة الاقتصادية إلى تجفيف ما تبقّى من فرص العمل أمام المواطنين، وإذا كان توقّف نشاط المنظّمات الدولية والإنسانية في المناطق الخاضعة للجماعة بعد اعتقالها موظفيها، قد أفقدت قطاعاتٍ من المواطنين، وتحديداً الفئات الأشدّ فقراً لرئة إنسانية مهمّة، فإن الإفقار الممنهج والمستمرّ، لا الحرب ولا القصف، قد دفع مئات الأسر المنهكة للنزوح قسراً في محاولة للنجاة من إكراهات سلطة عمياء.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى