
تشهد المنطقة تطورات متسارعة في ظل تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، وسط مؤشرات سياسية وعسكرية توحي بأن المرحلة الحالية تختلف عن جولات التصعيد السابقة. فالمشهد لم يعد مجرد تبادل رسائل ردع غير مباشرة، بل بات أقرب إلى اختبار إرادات مفتوح، تحكمه حسابات داخلية وإقليمية ودولية معقدة.
في طهران، تبدو القيادة واثقةً من موقعها الاستراتيجي. فالخطاب الرسمي الإيراني يؤكد الجاهزية الكاملة لأي مواجهة محتملة، مع التشديد على أن سياسة «الردع المتبادل» هي الضامن الأساسي لمنع الحرب. وترى إيران أن امتلاكها ترسانة متطورة من الصواريخ الباليستية يشكل حجر الأساس في معادلة التوازن مع إسرائيل.
وتُعدّ صواريخ «خرمشهر» من أبرز هذه المنظومات؛ إذ تشير تقارير عسكرية إلى أنها قادرة على حمل رؤوس متعددة، وتتمتع بمدى بعيد ودقة محسّنة مقارنة بالأجيال السابقة. كما طوّرت إيران، خلال السنوات الأخيرة، قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة الهجومية وأنظمة الدفاع الجوي، إضافة إلى تعزيز بنيتها الصاروخية تحت الأرض، ما يجعل أي ضربة استباقية ضدها معقدةً ومكلفة.
الولايات المتحدة تعيش حالة استقطاب سياسي حاد، مع انقسامات داخل الحزب الجمهوري نفسه حول جدوى الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط.
في المقابل، تواصل إسرائيل تأكيد تفوقها الجوي والتكنولوجي، مع التلويح بإمكانية استخدام طائرات الشبح من طراز F-35 في أي مواجهة قادمة. وترى تل أبيب أن البرنامج الصاروخي الإيراني يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، خصوصاً في ظل استمرار تخصيب اليورانيوم بمستويات مرتفعة. ولهذا، تدفع باتجاه تشديد الضغوط الدولية على طهران، سواء عبر العقوبات أو من خلال فرض قيود صارمة على برنامجها الصاروخي.
وتتردد في الأوساط السياسية معلومات عن سعي إسرائيلي لفرض شروط على أي تفاهم محتمل مع إيران، تتعلق بتحديد أعداد الصواريخ الباليستية وتقليص مداها، إضافة إلى الإبقاء على نظام العقوبات الاقتصادية. غير أن هذه الطروحات تصطدم بتعقيدات المشهد الأمريكي الداخلي.
فالولايات المتحدة تعيش حالة استقطاب سياسي حاد، مع انقسامات داخل الحزب الجمهوري نفسه حول جدوى الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط. وترى بعض التيارات أن أي مواجهة شاملة قد تستنزف القدرات الأميركية، خاصة في ظل أولوية التنافس مع الصين وروسيا. كما أن الحسابات الانتخابية، ولا سيما ما يتعلق بالانتخابات النصفية، تلقي بظلالها على القرارات الاستراتيجية الكبرى.
هذا التردد الأميركي يمنح طهران هامشاً أوسع للمناورة؛ فإيران تدرك أن واشنطن لا ترغب حالياً في فتح جبهة عسكرية مباشرة، وأن أقصى ما يمكن أن تقدمه هو دعم سياسي وعسكري غير مباشر لإسرائيل. في المقابل، تسعى تل أبيب إلى الحفاظ على حرية حركتها في تنفيذ عمليات محدودة أو ضربات نوعية، من دون الانجرار إلى حرب واسعة.
إقليمياً، تتزايد مؤشرات التنسيق بين أطراف ما يُعرف بمحور المقاومة. فالتصريحات الصادرة عن قيادات في لبنان والعراق واليمن تعكس توجهاً نحو «وحدة الساحات»، أي اعتبار أي مواجهة مع إيران أو أحد حلفائها معركةً مشتركة. وقد برزت في هذا السياق لقاءات سياسية وأمنية بين شخصيات إيرانية وقيادات حليفة في المنطقة، ما يعزز فرضية الاستعداد لسيناريو تصعيد واسع.
في لبنان، أكد الأمين العام لحزب الله معادلة «الشعب والجيش والمقاومة» كمرتكز دفاعي، مشدداً على أن أي عدوان سيقابل برد جماعي. أما في اليمن والعراق، فثمة إشارات إلى استعداد الفصائل المسلحة للانخراط في أي مواجهة إقليمية محتملة، ما يعني أن الحرب – إن اندلعت – لن تبقى محصورة بين طرفين.
ولايمكن فصل هذا التصعيد عن السياق الدولي الأوسع؛ فالصين تراقب التطورات عن كثب في ظل التوتر القائم حول تايوان، في حين تخوض روسيا حرباً مفتوحة في أوكرانيا. وأي انخراط أميركي واسع في الشرق الأوسط قد يؤثر في توازنات أخرى في آسيا وأوروبا، وهو ما يدفع واشنطن إلى حساب خطواتها بدقة.
في الداخل الإيراني، يظل القرار الاستراتيجي بيد المرشد الأعلى، الذي يتمتع بصلاحيات حاسمة في قضايا الحرب والسلم. وتعمل المؤسسات العسكرية والأمنية ضمن منظومة منضبطة، مع حضور فاعل للحرس الثوري في رسم السياسات الإقليمية. هذا التماسك المؤسسي يمنح طهران قدرةً على اتخاذ قرارات سريعة في حال حدوث تصعيد مفاجئ.
السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كانت المنطقة قادرة على خوض حرب، بل ما إذا كانت الأطراف المعنية قادرة على تجنبها. فالتاريخ القريب يثبت أن الشرارة قد تنطلق من حادث محدود أو خطأ في الحسابات.
ومع ذلك، تبقى كل الأطراف مدركةً لكلفة الحرب الشاملة؛ فإسرائيل ستواجه جبهات متعددة، وإيران ستتعرض لضربات مكثفة، في حين ستتأثر اقتصادات المنطقة بشكل كبير، في وقت يعاني فيه العالم أصلاً من اضطرابات في سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.
لذلك، يبدو أن المرحلة الحالية تقوم على سياسة «حافة الهاوية»، أي رفع مستوى التهديد من دون تجاوز الخط الأحمر نحو المواجهة الكاملة. فالرسائل العسكرية المتبادلة، والتحركات الدبلوماسية المتوازية، تشير إلى أن الجميع يسعى إلى تعزيز موقعه التفاوضي أكثر من سعيه لخوض حرب مفتوحة.
السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كانت المنطقة قادرة على خوض حرب، بل ما إذا كانت الأطراف المعنية قادرة على تجنبها. فالتاريخ القريب يثبت أن الشرارة قد تنطلق من حادث محدود أو خطأ في الحسابات. وفي ظل تشابك الملفات النووية والصاروخية والإقليمية، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، وإن كان خيار الاحتواء لا يزال مطروحاً بقوة.
تقف المنطقة، إذاً، عند مفترق طرق حساس: إما إعادة صياغة قواعد الاشتباك ضمن تفاهمات جديدة، أو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية ستغير معالم الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.
المصدر: تلفزيون سوريا






