
على الرغم من كل الضجيج السياسي الذي يشهده لبنان، إلا أن السياسة تبدو غائبة. إنها استحقاقات داهمة ومتزاحمة، لكنها تبدو مؤجلة أو معلقة، بانتظار ما ستحمله تطورات الخارج. وما قبل حسم الصورة أو المشهد، تبقى التفاصيل هي المتصدرة. على الخط البياني العام، فإن لبنان، كما المنطقة، في حالة انتظار لما ستؤول إليه تطورات الوضع الإيراني الأميركي، وكيف سينعكس الاتفاق في حال تم التوصل إليه، أو ما ستكون تداعيات الحرب وأكلافها وتوازناتها السياسية التي ستفرزها على المنطقة.
عودة الحريري قرار مؤجّل
بانتظار الحسم الدولي والإقليمي، تتزاحم الصور والمشاهد في لبنان، بدءًا من عودة الرئيس سعد الحريري والحشد الذي ستشهده ساحة الشهداء في إحياء ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وسط آمال لدى جمهور تيار المستقبل بإعطائه الإشارة للعودة إلى الحياة السياسية والمشاركة في الانتخابات النيابية. إلا أن ذلك لا يبدو قائماً بالمعنى الرسمي والعلني. فمثل هذا القرار يبقى مؤجلاً ولا تحسمه معايير داخلية بل الخارج، إقليمياً وحتى دولياً. كان رفيق الحريري يمثل مشروعاً سياسياً في سياق مشروع مرسوم للمنطقة ككل أطلق عليه شعار “الأرض مقابل السلام”. عمل الرجل على بلورة رؤية سياسة متكاملة لبنانياً، إذ بدا وكأنه يسعى لإعادة إطلاق “مشروع لبنان” المتكامل مع الدول العربية. اصطدم بموانع كثيرة كان أهمها الوصاية السورية التي منعت ذلك، ويومها انقسم لبنان بين معادلتين، هانوي أو هونغ كونغ. في مواجهة الوصاية أو التضييق السياسي وحصر لبنان ضمن رؤية “البعث” لوحدة المسار والمصير، فكّر الحريري في الالتفاف على السياسة بتقوية الاقتصاد، لكن مشروعه أجهض أيضاً وصولاً إلى اغتياله، والذي مع لحظته بدت المنطقة وكأنها تدخل منعطفاً جديداً.
منعطف جديد
هذه الأيام، تبدو المنطقة وكأنها تدخل في منعطف مختلف، يُراد لها أن تساق الى التطبيع وفق الشروط الإسرائيلية، مع تفويض كامل لإسرائيل المتفوقة على كل دول المنطقة بالتصرف كما تراه مناسباً وبما يتلاءم مع تطلعاتها، سواء كانت حربية، عسكرية، أم تهجيرية، أم بفرض شروط سياسية واقتصادية على كل دول المنطقة. شقّ المنعطف الجديد طريقه من الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان والمنطقة ككل وصولاً إلى إيران، في ظل إدارة أميركية تريد جعل المنطقة كلها ضمن رؤيتها ومسارها، وهو ما يفرض الكثير من التحديات والضغوط على دول مختلفة.
رؤية جديدة لسوريا
وإذا كان مشروع رفيق الحريري قد قوّض بمعادلة نظام الأسد لوحدة المسار والمصير، فإن المسار اليوم اختلف، بعد أكثر من سنة على سقوط نظام الأسد ووصول قيادة جديدة إلى سوريا تسارع للانفتاح على الغرب وبناء تحالفات جديدة، يقدّمها الرئيس السوري أحمد الشرع بوصفها رؤية جديدة، كي تلعب سوريا دور السوق المفتوحة والممر لطرق التجارة والنفط والتكنولوجيا ودور صلة الوصل بين الخليج وتركيا وبين المشرق العربي واوروبا. هذا الدور الذي تطمح إليه سوريا، هو ما كان لبنان قد اعتقد به على مدى عقود، لكنه منذ سنوات دخل في حالة من الأفول وسط غياب أي رؤية أو مشروع.
ذكرى الشحّار
المشهد الآخر، اختاره وليد جنبلاط على طريقته، في إحياء هو الأول من نوعه لذكرى تحرير الشحار، والتي تصادف أيضاً يوم 14 شباط. تلك المعركة هي التي فتحت الطريق أمام المقاومة للوصول إلى الجبل في العام 1984. ومن تلك المعركة خيضت معارك أخرى في الجبل، وتحديداً في سوق الغرب، والتي عدلت موازين القوى في الحرب الأهلية وفتحت الطريق أمام التسوية الكبيرة التي تجلت في اتفاق الطائف. يختار وليد جنبلاط إحياء الذكرى لأسباب كثيرة، أهمها إعادة إحياء رمزيات كثيرة تتصل بالقتال في سبيل الصمود والبقاء، ولإعادة الاعتبار لمنطق لبنان الكبير والحفاظ عليه، في مواجهة أي مشروع لتقسيمه أو لقضمه أو لتوسيعه. يصر جنبلاط على إحياء الذكرى في ظل ما يتعرض له من هجمات متعددة على مستوى المنطقة بما يتصل بهوية الدروز وموقعهم، وهو يريد التركيز على عروبتهم والتمسك بها، خصوصاً بعد كل التطورات التي حصلت في سوريا. هي صورة يسعى جنبلاط دوماً لتثبيتها خصوصاً في ظل هذه التحولات التي تعصف بالمنطقة، لكن طبعاً البت بها يبقى معلقاً على حبال ما ستحمله تطورات المنطقة.
ماذا عن شمال الليطاني؟
المشهد الثالث، هو انتظار اللبنانيين لاستحقاق جلسة مجلس الوزراء يوم الإثنين المقبل، والتي ستبحث مجدداً في ملف سلاح حزب الله، وعرض قائد الجيش اللبناني لتقريره حول ما أنجزه في جنوب نهر الليطاني، والبحث في كيفية التحرك شمال النهر. تجري الاتصالات الداخلية لتمرير الجلسة بهدوء وتفاهم، وسط مساع إقليمية مصرية خصوصاً، تركز على فكرة احتواء السلاح أو تجميده، كي لا يقع الانقسام مجدداً وكي لا يحصل الصدام. الاختلاف في المقاربة السياسية سيبقى قائماً بين من يطالب بمهل زمنية وخطة واضحة لسحب السلاح بالكامل ومن يسعى لتحقيق ذلك بهدوء ومن دون استنفار أو استفزاز أو صدام. لكن الحسم يبقى معلقاً، وهو بالطبع ليس في يد اللبنانيين، بل في الخارج، وبانتظار في ستفرضه المفاوضات او المساومات أو تحدده موازين القوى.
.. واستحقاق الانتخابات
المشهد الرابع، هو تقديم رئيس مجلس النواب نبيه بري ترشيحه الرسمي للانتخابات النيابية، مع تشديده على أنها ستجري في موعدها. أراد بري القول للجميع إنه يلتزم بإجراء الانتخابات ومن دون ضمان تصويت المغتربين لا لستة نواب يمثلون الاغتراب ولا للـ 128 نائباً. كما يريد تأكيد جهوزيته لخوض الاستحقاق، وأنه في حال جرى تمديد ولاية المجلس الحالي فلا يكون هو وراء ذلك. خطوة بري ترتبط بحسابات كثيرة، أبرزها أن كل الدراسات حتى الآن تشير إلى صعوبة تسجيل أي خرق من قبل المعارضة الشيعية لأحد مقاعد الطائفة، وأن حزب الله وحركة أمل يضمنان الحصول على 27 مقعداً من أصل 27. عملياً. وبمعزل عن كل الحسابات الداخلية، فإن قرار الانتخابات يبقى في الخارج، وهو ما سترسمه الموازين السياسية خصوصاً تلك المتصلة بمصير السلاح، إذ هناك جهات وقوى داخلية وخارجية ترفض إجراء الانتخابات في ظل بقاء السلاح، إلا في حال ضمان مخرج سياسي واضح لمعالجته والانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة. هذا لن يقرر فيه اللبنانيون على الإطلاق بل أيضاً يبقى بانتظار الخارج وما سيقرره.
المصدر: المدن






