
عشية السنوية الرابعة للغزو الروسي لأوكرانيا، التي تصادف في 22 الجاري، يبدو أن المفاوضات الأميركية الروسية الأوكرانية التي جرت في 4 الجاري في أبو ظبي قد حركت سلام أوكرانيا من ثباته. وكان ويتكوف أول من أعلن عن نجاح المفاوضات في إثبات أفضلية الدبلوماسية على لغة السلاح. وبقيت رد فعل الروس والأوكران على تفاؤل ويتكوف متحفظاً، وإن كان بدرجات متفاوتة، وكل لأسبابه. فالطرفان يدركان أن تفاؤل ويتكوف يعود لشغف رئيسه بتجميع “الانتصارات” والإنجازات، حتى لو كانت شبه وهمية. فما تحقق في مفاوضات أبو ظبي من ملموس لا يتعدى التوافق على عملية تبادل للأسرى باعداد يختلف الإعلام بشأنها، ويتفق على تواضعها. وما تم التوافق عليه أيضاَ وعد بالعودة للمفاوضات في الأسابيع المقبلة، والتي قد لا تتعجل في قدومها. وتبادل الأسرى قد جرى من قبل، وليس بوساطة أميركية، وقد تكون نكهته الأميركية جعلته مصدر تفاؤل ويتكوف ووصفه لمفاوضات نهاية الأسسبوع بالبناءة، وبأنها حققت اختراقاً.
يبدو أن الإعلام الروسي التابع للكرملين قد “أزعجه” تفاؤل ويتكوف وقوله بتحقيق المفاوضات اختراقاً في المسيرة الطويلة لإنها الحرب التي طالت حتى الآن أكثر من الحرب السوفياتية ضد النازية الألمانية، والتي انتهت بزوال الأخيرة. والكرملين الذي لا يرى نهاية لحربه على أوكرانيا، إلا بتحقيق جميع أهدافه الأولية من هذه الحرب، والتي تتلخص بقبول أوكرانيا بالاستسلام، يثير انزعاجه أي كلام عن خروقات تعجل بنهاية الحرب قبل بلوغ هذه الأهداف.
اتسم رد فعل الإعلام الروسي على تفاؤل ويتكوف بالانتقاد الهادئ الذي لا يثير انزعاج رئيس المبعوث الخاص. فقد وصف مراسل عسكري روسي اعتبار ويتكوف مفاوضات نهاية الأسبوع بالبناءة بأنه وصف تقليدي معتاد يطلقه مبعوث ترامب على المفاوضات التي يشارك فيها.
وبعض هذا الانتقاد لم ينس أن الصيغة الأخيرة من الإستراتيجية الدفاعية الروسية تصف الولايات المتحدة بالعدو. كما أنه لم ينس في المقابل أن روسيا بحاجة للحوار الذي يجري الآن مع هذا العدو بشأن العلاقات الاقتصادية وقضية العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا. فقد نشرت إحدى كبريات الصحف الروسية الاتحادية KP (كومسومولسكايا برافدا) في 5 الجاري نصاً، تحدث فيه كاتبه عن مفاوضات نهاية لأسبوع وما تحقق فعلاً خلالها. وقد تهكم الكاتب على ويتكوف لتسرعه بالقول بتحقق اختراق في المفاوضات. لكنه هو نفسه لم ينف إمكانية تحقق خرق فعلي، لكن في الربيع المقبل.
قال الكاتب في الصحيفة، أندريه زوبوف (Andrey ZOBOV)، أن مفاوضات أبو ظبي الثلاثية انتهت في 5 الجاري، ووعد المتفاوضون بالكثير، حتى أن آمالاً لاحت بلقاء المتفاوضين مع الصحافة، لكن الصمت خيبها. وفجأة ضجت وسائل التواصل بتصريح مبتهج لستيف ويتكوف: لقد تحققق اختراق في مفاوضات أبو ظبي، “الله أكبر!”. “عذراً، لكن ليس من أسباب للابتهاج. لا تعيروا الأمر اهتماماً: إنها الولايات المتحدة تطبل مرة أخرى لتقدم كبير”.
لم ينف أي من مواقع الإعلام الروسية والغربية (إعلام المنطقة، حتى الأبرز منه، غطى بعضه المفاوضات رفعاً للعتب) حدوث تغير في اللهجة الروسية يشكل خرقاً فعلياً وكبير الأهمية. فالعقدة الأصعب في قضية إنهاء الحرب الدموية التي تفوقت بطول مدتها على الحرب السوفياتية ضد النازية الألمانية، هي الموقف الروسي الرافض لوضع نهاية الحرب قبل تنفيذ الأهداف التي أعلنت حين بدأ غزو أوكرانيا. ولذلك لا يفارق الحذر الكثيرين في شأن مصداقية التغير الروسي، إن كان حصل بالفعل. فقبل يوم من توجه الوفود إلى المفاوضات شهدت كييف والمدن الأوكرانية أعنف موجة قصف روسي، أكدت Politico أنها تضمنت 450 طائرة مسيرة و71 صاروخاً، بما فيها الباليستية. وقد دعا هذا القصف العنيف عشية المفاوضات الرئيس الأوكراني إلى الإعلان بأنه قد غير تعليماته الأولية للوفد الأوكراني المفاوض.
نص Politico الذي نقله إلى الروسية في 5 الجاري موقع INOSMI التابع لوكالة نوفوستي تساءل في عنوانه “هل بوتين مستعد للسلام؟ مفاوضات أبو ظبي ستظهر ذلك”. ومما جاء في النص أن الجولة الجديدة من المفاوضات في أبو ظبي بشأن أوكرانيا، تبعث على الأمل في التوصل إلى نتيجة ملموسة. ويؤكد المسؤولون والخبراء على الطابع البنّاء للاجتماعات الأخيرة وعلى تغير اللهجة فيها. وستكشف نتائج محادثات هذا الأسبوع عن نوايا الرئيس الروسي بصورة نهائية.
صحيفة kommersant الاتحادية الروسية نقلت في 6 الجاري عن مصدر مطلع على مسار مفاوضات أبو ظبي صرح لوكالة تاس بأن إقرار اتفاقية السلام في أوكرانيا سيستغرق شهراً ونصف على الأقل.
ونقلت الوكالة عن المصدر الذي تحدثت إليه قوله بأن العمل يجري بطريقة متعددة الجوانب وعلى مراحل. ومن غير المرجح أن يكتمل في غضون شهر. ولن يستغرق الأمر شهراً ونصف الشهر على الأقل، إلا إذا كانت جميع الأطراف مستعدة لحل أي خلافات جوهرية على الفور. وإلا، فسيستغرق الأمر بالتأكيد وقتاً أطول من ذلك.
لكن توقع الكاتب في صحيفة KP ومصدر وكالة تاس عن التوصل إلى اتفاقية السلام في أوكرانيا الربيع المقبل، يترافق مع تشاؤم يعبر عنه كتاب ومواقع إعلامية روسية أخرى، تصر على تحميل الجانب الأوكراني المسؤولية عن استمرار الحرب. ويرى هؤلاء الكتاب والمواقع أن مسؤولية الطرف الأوكراني تقوم في رفض الخضوع للشروط الروسية التي لا تعني سوى الاستسلام.
موقع وكالة الأنباء الروسية eadaily التي تغطي أخبار أوراسيا، نشر في 5 الجاري نصاً نقل فيه عن خبير روسي قوله على منصة تلغرام بأن لا شيئ سينتهي لا في الشتاء ولا في الربيع. قال البوليتولوغ أليكسي بيلكو (Alexei Belko) بأن كل ما تحقق حتى الآن في مفاوضات أبو ظبي، اقتصر على اتفاقيات بين روسيا وأوكرانيا بشأن تبادل الأسرى، بالإضافة إلى تلميحات باستئناف الحوار العسكري بين موسكو وواشنطن. كما تنتشر أحاديث عن مفاوضات محتملة بشأن معاهدة ستارت الجديدة بين روسيا والولايات المتحدة للحد من انتشار الأسلحة الإستراتيجية وتقليص المتوفر منها، والتي انتهت صلاحيتها يوم 5 الجاري. ويذكر أن الولايات المتحدة كانت قد انسحبت سابقاً من المعاهدة.
وتساءل الخبير: ما الذي كان يُتوقع من مشاورات عسكرية تقنية؟ ليحيب هو نفسه بالقول إنه لا توجد حتى الآن سوى الاختلافات في القضايا السياسية الرئيسية: “أوكرانيا غير مستعدة للتنازل عن أي أراضٍ، وتفضل قوات الناتو كضمانات أمنية”. و”هذا قبل أن يناقش الجانبان حتى قضايا اللغة الروسية والكنيسة الأرثوذوكسية الروسية”. ويضيف بالقول: لذلك، فإن ما يحدث الآن في أبوظبي ليس سوى قناة تواصل لا أكثر. بالطبع، قد يتطور كل ما يجري هناك إلى حوار جاد، لكن ذلك يتطلب نتيجة استراتيجية على أرض الواقع. ففي الوقت الراهن، تصمد القوات المسلحة الأوكرانية، بل وتراهن، بحسب زيلينسكي، على استنزاف روسيا. ولهذا، لن يحلّ الوضع الراهن لا هذا الشتاء ولا حتى الربيع.
المصدر: المدن

