إبستين… العقل الغربي الذي نريد له بديلاً

محمد سي بشير

           

أثارت ملفّات إبستين المسرّبة لغطاً كثيراً، إذ كشفت أعاظم القوم ممّن استغلّوا انحرافاته المنحطّة، موقظين إيّاها في “جزيرة الملذّات”. ومنهم، وفق تلك الملفّات، قمم فكرية غربية على غرار عالم اللسانيات الأميركي نعوم تشومسكي، أو الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (وهو لم يشارك في انحرافات المعني، بل كان الملهم له في تلك الملذّات ومدحها، بل والانخراط فيها)، ممّا يؤكّد تلك الرؤية التي كان كاتب المقالة قد عبّر عنها في “العربي الجديد” (“طوفان الأقصى… بشائر القطيعة المعرفية وانبعاث التفكير المستقل”، 29/12/2023) عندما أُثيرت قضية وقوف عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس مع الاستخدام المفرط للقوة من الكيان الصهيوني ضدّ العُزَّل من المدنيين في غزّة، غداة “طوفان الأقصى” في العام 2023.

من البداية، هناك براديغمات (نماذج) معرفية مؤسِّسة للفكر الغربي على مرّ العصر الحديث، تُبرز الوجه القبيح لدائرة معرفية منحازة لأسس فكرية تنفي الآخر، ذات خلفية عنصرية، إضافة إلى ارتكازها على مركزية فكرية، أي عقل مهووس بالتفوق بدأ منحازاً ثم ارتقى بعدها ليصبح عرقياً مع مسحة من الأخلاقيات المنحطّة، رأينا بعضاً منها فترة القتل الجماعي والجرائم الرهيبة ضدّ أهلنا في غزّة؛ إذ لا إمكانية لانتقاد الاستخدام المفرط للقوة، بل لا تُحتمل أيُّ انتقادات للكيان؛ لأن ذلك وُضع تحت مسمّى مبدأ “معاداة السامية”، وهي نوع من الحماية القانونية لتلك الجرائم ومانع شرعي من الوصول إلى أيّ اتهام أو احتمال اعتقال للمجرمين، كما شاهدنا في حالة بنيامين نتنياهو وبعض وزرائه وقادة جيش الكيان بفعل تلك الجرائم التي وُثِّقت وكُيِّفت وفق نصوص القانون الدولي الإنساني.

كنّا دعونا إلى “براديغمات” معرفية بديلة تستحقّ أن تشكّل وعيّاً جديداً لدى الأكاديميين، بصفة خاصّة، تنقذنا من ذلك الواجب العلمي الذي قارب أن يصبح مقدّساً في وجوب أن تكون مرجعياتنا تلك الدائرة المعرفية التي نشأت في تلك البيئة وانخرطت في رفع قيم شاذّة وأخرى منحرفة. ظننّا، لفرط انبهارنا بها في فترة ما، أنها الأجدى بالاعتبار لتفسير حركيات المجتمع وفكّ رموز إشكاليات المنتظم الدولي، في حين أن تلك المعارف منحازة لا تعترف ثقافياً بوجود الآخر، بل تنطلق من فرضيات المركزية الفكرية الغربية التي هي القيمة الأعلى، وغيرها إنما يقتات منها فكرياً، إلى درجة أن فكرنا وأدبنا وسياقات البراديغمات المستخدمة عندنا كلّها موصوفة بالفكر غير الغربي (Non-Western Thought)، بل وكل ما يعني العالم غير الغربي من نظريات وأفكار هو من باب الفكر ما بعد الكولونيالي (Post-Colonial Thought)، ما يعني أن ثمّة إقصاء لكل ما هو غير غربي؛ الإقصاء الذي رأينا جانباً منه في عبارات منسوبة (موثّقة في محاضر الجمعية الوطنية الفرنسية لأنّ صاحبها كان حينها برلمانياً) للمفكّر السياسي الفرنسي ألكسيس دي توكفيل في وصف “الواجب الاستيطاني” الفرنسي إزاء الجزائريين في بداية العقد الرابع من القرن التاسع عشر (كانت فرنسا قد بدأت مشروعها الاستيطاني في الجزائر منذ 1830)، وهو إقصاء للجزائريين كلّهم وتخصيص الأراضي الخصبة للمستعمِرين، ولو كان ذلك بالقتل الجماعي الذي مارسه العسكريون الفرنسيون من دون هوادة وبتلذّذ (كشفت وثائق المراسلات ممارسة ساديّة للعسكريين في القتل والتنكيل بالجثث)، وأوقع الملايين من الضحايا.

لم ينتج الغرب معرفةً للإنسانية، بل أنتج معرفةً للتفوّق

هناك أعمال كثيرة أكاديمية سبقت هذا المدّ الجارف للمركزية الفكرية الغربية، جادت بها قريحة أنور الجندي، ومالك بن نبي، وعبد الوهاب المسيري، وكلّها أكّدت (بمقاربات علمية وأكاديمية رصينة) أن الوافد من المناهج الغربية إنما هو ابن بيئته الغربية بخلفية ثلاثية تتمثّل في إرادة التفوّق المَرضي، وهوس الهيمنة، والمفاصلة مع الغير/ الآخر. ما يبرز، وفق هؤلاء المفكّرين، أن الغرب لم ينتج معرفةً للإنسانية، بل أنتج معرفةً للتفوّق، وكان من نتائجها أنها معرفة خاضعة للحسابات الرأسمالية المرتكزة أساساً على العائد والربحية باعتبارهما المؤشّرَين الوجوديَّين.

وحتى عند الغوص في مضمون تلك المعرفة الغربية نجدها ماديةً، وفلسفتها منحازة، ولا ترى في الآخر إلّا سلعةً أو إنساناً دونياً لا يصل إلى معرفة القيم ولا يليق به التقدّم والتطوّر، بل يجب أن يخضع للاستعباد؛ ليكون العقل الغربي ومشروعه على المستويات كافّة شبيهاً بإبستين، شكلاً ومضموناً، قيماً وأخلاقاً: منحطّاً ودونياً، حقّاً لا مجازاً. وكل ما ينتجه يحتاج إلى بديل يؤدّي مهمة المعرفة ولا ينحرف بها لتصبح في قطيعة مع الإنسانية، كما هي عند ذلك الغرب الذي يتصوّر حضارته في صدام دائم؛ وكان المُعبِّر عنها (بوحي من الدوائر الاستخباراتية الأميركية) هو صموئيل هنتنغتون، الذي ردّ على نظرية قاتمة تعبّر عن وجه الغرب القبيح وهي نظرية “نهاية التاريخ”، أو انتصار الغرب النهائي على الآخر.

السياسة والمال يمكنهما (حتى في بيئة تدّعي الشفافية والديمقراطية) إنتاج الفساد الذي لا يمكن تصوّر مداه

وعلى خطى إبستين، كان من بني جلدتنا من سعى للتملّق إلى ذلك الغرب، من مفكّرين وروائيين وأكاديميين مسجّلين حضورَ قيم الاستلاب في إسهاماتهم، وخاصّة في الرواية والأدب، على غرار كمال داود، والطاهر بن جلّون، وبوعلام صنصال، وليلى سليماني؛ إذ أبرزت كتاباتهم اجتراراً للأفكار الغربية وانبهاراً بها، ومحاولة منهم لنشر وعي زائف بشأنها يناقض الوعي الجمعي الرافض للغرب بقيمه تلك، قيم إبستين الانحرافية والشاذة.

بالعودة إلى فضيحة إبستين، ثمّة ملاحظاتٌ ثلاث خاصّةٌ بالتداعيات الفكرية، إضافة إلى التي تناولها الحديث أعلاه. وهي، بداية، ذلك الفارق بين معيارية الخطاب الغربي الذي يصدّره إلينا بشأن حقوق الإنسان وقدسية القيم الخاصّة به، ثم تُبرز لنا الوثائق المسرّبة تلك الصور لفتيات وشابّات اغتصبن، بل جرى بيعهنّ مثل الرقيق لمنحرفين، ممّا يُبرز حقّاً ذلك الفارق، ويبيّن درجة النفاق الغربي أخلاقياً.

تشير الملاحظة الثانية إلى درجة انحطاط الغرب؛ إذ أبرزت الفضيحة بأن إبستين كان أخطبوطاً واستفاد من الأبواب كلّها التي كانت تُفتح أمامه، وبخاصّة من وحي التأثير الممارس من داعميه السياسيين ورجال المال الأثرياء، ممّا دلّل على أن السياسة والمال يمكنهما (حتى في بيئة تدّعي الشفافية والديمقراطية) إنتاج الفساد الذي لا يمكن تصوّر مداه، مع استمرار تسريب الوثائق من العدالة الأميركية.

أبان العقل الغربي عن وجهه مصدّراً لنا معياريةً خاطئةً ومزيّفةً بشأن الإنسان والأخلاق والمعرفة وحتى العلم

أمّا الملاحظة الثالثة فهي تؤشّر إلى فرية كبيرة أراد الغرب أن يوهمنا بأنه موجدها وحاميها عبر العالم، وهي فرية الحرية وسلّم القيم التي في رأسها العدالة؛ إذ غابت هذه وتلك. ودليل ذلك ما رشُح من تأثير إبستين في كثير من قرارات حكومات غربية، ومنها فرنسا، في حظر الانتقادات الموجّهة للكيان ولو على سبيل الخيال الأدبي أو الفكاهة، وفق ما جاء في تلك الوثائق، وطلب إحدى النساء المنتسبات إلى عائلة روتشيلد (حامية إبستين) العمل على وقف انتقادات ممثل فكاهي فرنسي (ديودوني) كان مشهوراً بأعماله المضادّة للكيان في فرنسا.

بالنتيجة، تُبرز لنا فضيحة إبستين كثيراً من الرؤى، خاصّةً تلك المتعلقة بالمركزية الفكرية الغربية ووجوب العمل، عاجلاً، على إيجاد البديل منها في تفكيرنا. ذلك أنّ العقل الغربي أبان عن وجهه مصدّراً لنا معياريةً خاطئةً ومزيّفةً بشأن الإنسان والأخلاق والمعرفة وحتى العلم، فضلاً عن السياسة والاقتصاد؛ مستدعياً (كما قلنا) العملَ الأكاديمي والفكري على حدّ سواء لبناء قطيعة أبستمولوجية (معرفية) مع المنظور الفكري الغربي كلّه، الذي يبدو لنا مؤسَّساً ومنهجياً، ولكن عند الغوص في مضمونه، وفهم منطلقاته، نجده منحازاً وعنصرياً ومادّياً حتّى النخاع.

نحن، بالتالي، لسنا أمام فضيحة أخلاقية بأبعاد سياسية، بقدر ما هي فضيحة ذات خلفيات معرفية تستدعي التفكير العميق في إسهامات الغرب المعرفية، وإيجاد القطيعة معها، ثم إنتاج البديل الكفيل بتغطية الفراغ الذي جرى خداعنا به عقوداً، بل قروناً… فهل من مُصغٍ؟

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى