
الخلاصة التي ينتهي إليها من يزور مواقع التاريخ اليهودي في أوروبا الشرقية أن أولئك القوم صدّروا مشكلتهم إلينا حين أقاموا دولة لليهود على أرض فلسطين. ثمة تاريخ معقّد يمكن الاطلاع عليه هناك كما حدث مع كاتب هذه السطور خلال زيارة مدينة كراكوف بجنوب بولندا، والحي اليهودي القديم فيها، لكنه تاريخ لا علاقة لنا به حتى يجري حله ومعالجته على حساب حقوقنا وأرضنا وحياتنا.
الحي اليهودي في كراكوف، المعروف باسم “كازيميج”، كان شاهداً على أقسى ممارسات النازية بحق اليهود في أوروبا، ومنه جرى ترحيل مئات الآلاف إلى معسكر أوشفيتز النازي القريب من المدينة. لكن هذا الفصل النازي من اضطهاد اليهود في أوروبا لم يكن سوى الفصل الأخير قبيل اقتطاع أرض فلسطين ومنحها للحركة الصهيونية، فالحقيقة أن اضطهاد اليهود في بولندا وفي غيرها من المدن الأوروبية كان متواصلاً عبر القرون السابقة، ومثّلت النازية استمراراً له، فهي إذاً مسألة أوروبية خالصة، لا علاقة لها بقصص ما قبل التاريخ والوعود الإلهية المزعومة لبني إسرائيل، ذلك ببساطة أن أولئك اليهود المضطهدين في أوروبا ليسوا “بني إسرائيل” أصلاً.
بين الحربين العالميتين (1918 – 1939) عاش نحو ثلاثة ملايين يهودي في بولندا، جاء جزء منهم من أوكرانيا وروسيا عقب الثورة البلشفية لأنهم لم يفضّلوا العيش في دولة شيوعية. كذلك فرّ بضعة آلاف من ألمانيا النازية باتجاه بولندا. هكذا، عندما وقع الاحتلال النازي لبولندا خلال الحرب العالمية الثانية، وتعرض تاريخ البلاد لتدمير ممنهج حيث دمرت القوات النازية القصور والقلاع التاريخية، أصبحت بولندا أكبر موقع لبرنامج الإبادة النازي. قامت ألمانيا النازية باحتلال غرب بولندا الذي تقع فيه معظم مدن البلاد ومنها كراكوف في عام 1939، وفي تلك المدن أسسوا أحياء يهودية لم تكن موجودة سابقاً على شكل مناطق مغلقة “غيتو” يعيش سكانها ظروفاً قاسية، وقاموا كذلك بنقل مئات الآلاف من يهود ألمانيا والنمسا إليها. تشير التقديرات إلى أنه لم ينج من اليهود البولنديين في نهاية الحرب سوى ما بين 50 ألفاً و120 ألف شخص.
اضطهاد اليهود في بولندا وفي غيرها من المدن الأوروبية كان متواصلاً عبر القرون السابقة، ومثّلت النازية استمراراً له
قبل الحربين العالميتين، شارك اليهود في حركة الاستقلال البولندية بين عامي 1912 و1914، وقدموا مساهمات مالية كبيرة لتشكيل الخزانة العسكرية البولندية، ما يعكس اندماجهم التام في المجتمع البولندي، وانخرطت الجمعيات النسائية اليهودية، والمنظمات الشبابية اليهودية، وتجمعات التجار اليهود، في نشاطات مؤيدة لحركة استقلال بولندا وتوحيدها، وشاع الزواج بين العائلات اليهودية وغير اليهودية في المجتمع البولندي. هذا يعني أنهم كانوا يتصرفون على أنهم مواطنون، وأن حياتهم كلها متمحورة حول بلادهم الأوروبية، ولم يكونوا يتصرفون بوصفهم غرباء لديهم حلم الانتقال لبلاد أخرى وتأسيس وطن قومي جديد فيها.
عقب الحرب العالمية الأولى، تدخلت الولايات المتحدة الأميركية في المسألة اليهودية. أرسل الرئيس الأميركي “وودرو ويلسون” في عام 1919 لجنة رسمية للتحقيق في تقارير نشرتها الصحف الأميركية عن تعرض اليهود في بولندا لمذابح جماعية بزعم أنهم يدعمون الثورة البلشفية في الاتحاد السوفييتي. خلصت اللجنة إلى أن تلك التقارير كان مبالغًا فيها، لكنها حددت 89 حادثاً رئيسياً وقعت بالفعل ضد اليهود بين عامي 1918 و1919، قدّر عدد ضحاياها بين 200 و300 شخص، ورأت اللجنة أن معظم تلك الحوادث نتجت من أفعال فردية لجنود غير منضبطين ولا يقع اللوم في أي منها على سياسة الحكومة الرسمية.
المشروع الصهيوني لم يكن استثنائياً في التاريخ، ولا يعكس عبقرية قيادية، لكن المصادفات هي التي خدمته
لكن، كيف أصبح أولئك الأوروبيون يهوداً، يدّعون اليوم أنهم “بنو إسرائيل” الذين تذكرهم الكتب المقدسة؟ رغم أن الكتب المقدسة تتحدث عن قوم شرق أوسطيين، ملامحهم ليست أوروبية، وقصصهم كلها تدور بين مصر وسيناء وفلسطين. لا إجابة واضحة على هذا السؤال المركزي، وإن تبدأ المعلومات التاريخية بمملكة الخزر التي اعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي، لكن الذكاء الاصطناعي قال لي إنه في القرن التاسع عشر، بدأ بعض الأوروبيين الشرقيين وبعض الفلاحين في مناطق مثل روسيا وأوكرانيا في التعرف إلى اليهودية باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية والدينية في المنطقة في إطار حركة التنوير، وقد تبنّت بعض هذه المجتمعات الديانة اليهودية أو بعض العادات اليهودية. الخلاصة أن حال أولئك اليهود الأوروبيين مع بلادنا يشبه حال شخص من المكسيك مثلاً، اعتنق الديانة الهندوسية ثم جاء يطالب الهنود بمعابدهم ومواقعهم المقدّسة.
الملاحظ أن القلاقل التي تعرّض لها اليهود في أوروبا الشرقية منذ مطلع القرن العشرين نجمت عن التطورات السياسية في أوروبا من حيث صعود الحركة البلشفية في روسيا، ثم الحركة النازية في ألمانيا. من الواضح أن مشروع الحركة الصهيونية حول إقامة وطن قومي في فلسطين أو في أي مكان آخر في العالم، لم يكن عاملاً مؤثراً في كل المسألة اليهودية حتى قررت القوى الاستعمارية الكبرى استثماره، فهو بالتأكيد أداة للاستعمار وليس مشروعاً مستقلاً أمكن تنفيذه بفضل التخطيط الصهيوني أو حُسن الإدارة الصهيونية. وعلى هذا يمكن القول إن المشروع الصهيوني لم يكن استثنائياً في التاريخ، ولا يعكس عبقرية قيادية، لكن المصادفات هي التي خدمته. وحديث بعض الكتّاب والإعلاميين اليوم عن مؤسّسي المشروع الصهيوني باعتبارهم قادة عظماء ومخطّطين أذكياء ليس إلا مديحاً غير موضوعي بأثر رجعي، إذ لولا الظروف التاريخية التي رافقت صعود الحركتين البلفشية والنازية في أوروبا لم يكن المشروع الصهيوني ليكون سوى جمعية خيرية عابرة لا يذكرها أحد.
المصدر: العربي الجديد




