
الموقف الصريح والحاسم لروسيا في دعم وحدة سورية يعني بوضوح التخلي ليس فقط عن قسد بل إمكانية الوقوف ضدها، وانسحاب ذلك أيضًا على فلول النظام البائد وربما كان هذا هو الأهم.
فروسيا بدأت مترددة بعض الشيء بعد سقوط النظام في 8 كانون أول 2024 وربما كان لديها بقية تعاطف مع نظام الأسد (وليس مع الأسد نفسه) وهذا ما دفعها لاحتضان الأسد ومجموعة واسعة من قياداته العسكرية والأمنية تقدر ب3000 ضابط وبعض المليارديرات السوريين .
وعشية التحرك الكبير لفلول النظام في الساحل في آذار من العام 2025 والذي كان يهدف في الحد الأدنى لفصل الساحل والسيطرة عليه وفي الحد الأعلى للانقلاب على الدولة الجديدة واستعادة السلطة في دمشق , كانت هناك تسريبات يبدو أنها ليست خالية من الحقيقة بوجود نوع من التواطىء الروسي مع قيادة التحرك الانقلابي دون التورط في الانخراط العسكري معها وربما كانت روسيا تنتظر مصير الانقلاب على الأرض لتحدد موقفها النهائي .
ويدعم هذه التسريبات تاريخ التدخل الروسي في سورية وصولا إلى قصف الطيران الروسي لقوات هيئة تحرير الشام بين حماة وحمص هذا القصف الذي تم ايقافه بعد اتصالات بين هيئة تحرير الشام وروسيا قدمت فيه هيئة تحرير الشام تطمينات للروس بكونها لاتنوي إخراج الروس من سورية ودعمت ذلك بعدم استهداف مطار حميميم وإبقائه بعيدا عن المعارك .
هذه السياسة الروسية التي بدأت تنتقل شيئا فشيئا من احتضان فلول النظام والتعاطف المحدود مع قسد دون التورط عسكريا في سورية إلى محاولة التفاهم مع الدولة السورية الجديدة كأمر واقع , ضمن عقلية الكرملين البراغماتية وصلت أول أمس إلى تحول نوعي بفك الارتباط نهائيا مع جميع القوى الانفصالية في سورية والتحول نحو الوقوف ضدها في دعم الدولة السورية الجديدة .
ويأتي هذا التحول النوعي الهام محصلة لعدة عناصر منها التحرك البراغماتي للديبلوماسية السورية تجاه موسكو , والانجازات التي أحرزتها الدولة السورية خاصة في الشهر الأخير بتحرير الجزيرة السورية واستعادة السيطرة عليها وحصر قسد في بقع جغرافية صغيرة مما يعني نهاية قسد بصورة تامة .
هذا التحول النوعي في موقف الكرملين مهم للغاية بالنسبة لسورية , فروسيا هي القطب العسكري الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية , ويمكن أن تكون مصدرا رئيسيا في إعادة تسليح سورية لأغراض دفاعية وهي عضو دائم في مجلس الأمن , وتخليها عن فلول النظام سوف يوجه ضربة قاصمة لتلك الفلول التي كانت تعول اعلى دعم روسي في مسعاها لفيدرالية مزعومة في الساحل بعد أن فقدت الأمل كليا في استعادة حكم سورية .
لقد أصبح هدف الفلول المعلن على تضاد تام مع السياسة الروسية في سورية , ولم يعد مستغربا أن تقوم روسيا بتقديم الدعم للدولة السورية بتفكيك الخلايا التنظيمية لتلك الفلول والكشف عن مستودعات الأسلحة لديها في جبال الساحل وكذلك منع الضباط الذين لجؤوا إليها من أي نشاط سياسي أو تنظيم أعمال عسكرية ضد الدولة السورية هذا إذا لم تسلم بعضهم إلى الدولة السورية .
وإذا أخذنا بالاعتبار التخبط والانقسام ضمن صفوف الفلول , وانكشاف خيوطهم التنظيمية إلى حد ما خلال المرحلة السابقة , والمصير المظلم لحوالي 6000 جندي وضابط لجؤوا لقسد المهزومة , فيمكن القول ببعض الثقة بانتهاء خطر فلول النظام إلى حد كبير .
معركة توحيد سورية والقضاء على الحركات الانفصالية المسلحة أنجزت حتى الآن مايقرب من 75% من أهدافها وهو الجزء الأكثر صعوبة وخطورة , أما الباقي فسوف يكون مسألة وقت لا أكثر .
لكن يبقى الأهم وهو مراجعة المسار السياسي بصورة جادة وشاملة , وتصويب البوصلة نحو دولة مواطنة ديمقراطية لاتفرق بين سوري وسوري , وتعالج جراحات الماضي بحكمة الطبيب وبروح من التسامح والنظر للمستقبل وليس للماضي.


