
بعد أن أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم /13/، القاضي بتجنيس أبناء المكوّن الكردي في الجمهورية العربية السورية، كتب الصحفي السوري غسان ياسين منشوراً أثار تفاعلاً واسعاً، دعا فيه إلى تعميم التجنيس ليشمل اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في سوريا أيضاً.
ونتيجة لهذا التفاعل الكبير بين أوساط اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وكذلك أشقائهم السوريين، فتحت مبادرة فلسطينيي سوريا للرقابة الشعبية – مرصد نقاشاً على منصتها، تستطلع فيه الآراء في الوسط الفلسطيني السوري تحديداً، وقد لاقى هذا النقاش أيضاً تفاعلاً واسعاً بين مؤيد ومعارض ومنتقد حتى لطرح هكذا مواضيع حساسة للحوار والنقاش في الحيز العام، والمطالبة باقتصار نقاشها ضمن إطار قانوني وأكاديمي تخصصي، تصل فيه هذه النخبة إلى خلاصات محددة وتقدمها كمقاربات للإدارة السورية الجديدة.
هواجس محقّة أم مبالغات مفرطة
بين هذا وذاك طُرحت آلاف الآراء، وحصد المنشور على منصة مرصد أكثر من 350 ألف مشاهدة خلال يوم واحد، وهو رقم مشاهدات كبير من دون شك، إذا ما قيس بالفئة المخاطبة التي لا تتجاوز ضعف هذا الرقم بحدها الأقصى بين المتواجدين في الداخل السوري والشتات.
الهواجس التي وردت كانت بمعظمها مرتبطة بالتخوف الشديد من خسارة الهوية الوطنية الفلسطينية وذوبان اللاجئين في المجتمع السوري بعد الحصول على الجنسية السورية، ونسيانهم أو تجاوزهم لحق العودة بوصفه جوهر ملف اللاجئين الفلسطينيين، الذي بدوره يشكّل لبّ القضية الفلسطينية ومرتكزها الأساس.
لكن في المقابل، اعتبر المؤيدون للحصول على الجنسية السورية أن ثمة مبالغة في طرح هذه الهواجس، واستحضروا النموذج الأردني في التجنيس.
بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، هاجر ما يزيد على 120 ألف فلسطيني سوري إلى أوروبا، واستقروا في غالبيتهم هناك، وحصل معظمهم على جنسيات لدول أوروبية مختلفة خلال ثلاث إلى خمس سنوات، وفي الحد الأقصى خلال ثماني سنوات.
الاستدلال بالنموذج الأردني: هل هو كافٍ؟
النموذج الأردني في تجنيس اللاجئين الفلسطينيين حضر بقوة في النقاش، لاسيما أن الحاصلين على الجنسية الأردنية من اللاجئين الفلسطينيين عددهم بالملايين، ومنذ عشرات السنين، وهم لا يزالون متمسكين بهويتهم وقضيتهم الفلسطينية وحقهم في العودة، وأسسوا لذلك مراكز ومؤسسات تدافع عن حق العودة، وتحافظ على التراث الفلسطيني، وتحرص على إحياء جميع المناسبات الوطنية الفلسطينية.
ما يعني، برأي المؤيدين، أنه لا داعي للمبالغة في التخوفات والهواجس المطروحة، وأن بين أيدي المترددين والمتخوفين نموذجاً يمكن الاستناد إليه وتقديمه كمقاربة أثبتت نجاعتها، وهي كافية لدحض كل مزاعم التوطين والوطن البديل.
ازدواجية المعايير بين قبول الجنسية الأوروبية ورفض السورية
بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، هاجر ما يزيد على 120 ألف فلسطيني سوري إلى أوروبا، واستقروا في غالبيتهم هناك، وحصل معظمهم على جنسيات لدول أوروبية مختلفة خلال ثلاث إلى خمس سنوات، وفي الحد الأقصى خلال ثماني سنوات.
وهنا احتج المؤيدون للحصول على الجنسية السورية بهذه الحالة، على اعتبار أن هذه الجنسيات منحتهم هامشاً كبيراً من حرية التنقل والحركة، ولم تُسقط عنهم حق العودة، بل وفرت لهم بيئة آمنة ومناسبة جداً على المستوى الحقوقي والقانوني للدفاع عن هذا الحق، وانخرطوا في مراكز ومؤسسات وحملات إعلامية واسعة داعمة، ليس فقط لحق العودة، بل للقضية الفلسطينية بكل تفاصيلها.
ولعل المشاركة في زخم الحراكات الطلابية في الجامعات الأوروبية، وكذلك الأميركية، في السنتين الأخيرتين خير دليل وشاهد على الحاجة إلى جنسية أخرى يتم توظيفها واستثمارها إيجابياً، وليس وضعها كعقبة كؤود أمام كل مؤيد لهذا الطرح، فضلاً عن تمرير الموافقة على الجنسية الأوروبية ضمن جغرافيات بعيدة جداً عن فلسطين، في مقابل التمترس خلف رفضها ضمن دول الطوق العربية والجوار الأقرب إلى الأراضي الفلسطينية.
مقاربات وحلول وسطية
حاول بعض الأشخاص خلال النقاش تقديم حلول وسطية ومقاربات اعتبرها كثيرون منطقية، بين قبول التجنيس ورفضه، مبنية على أساس أن يُمنح الفلسطيني السوري إقامة دائمة توفر له حقوقاً مدنية كاملة في مجالات العمل والتعليم والصحة والتملك العقاري وغيرها، بحيث يبدو كالمواطن السوري، ولكن من دون أن يحمل الجنسية السورية، ويحتفظ بهويته الفلسطينية وحقه في العودة.
ويكون ذلك بمنزلة إقفال لهذا الملف بلا خسائر على أي صعيد، وفي الوقت ذاته لا تُعطى فرصة أو مبرر لتصعيد الهجوم على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تتعرض له وتزداد وتيرته حالياً. وبذلك لا يكون منح الجنسية السورية للاجئين الفلسطينيين في سوريا، في هذا التوقيت بالذات، عاملاً مساعداً، بل ربما تكون مثل هذه المقاربة داعمة لاستمرار عمل هذه المؤسسة وعدم شطبها، بما تعنيه وما تحمله من صفة دولية أممية مساندة لحق اللاجئين الفلسطينيين ضمن هذه الأوساط الدولية.
لا سيما أن هناك ربطاً قوياً بين مبررات تأسيسها وعودة اللاجئ الفلسطيني إلى أرضه ودياره وممتلكاته التي هُجّر منها بفعل المجازر التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي.
الجنسية، في السياق العربي، ليست مجرد وثيقة، بل قد تتحول إلى أداة لتصفية سياسية ناعمة لقضية اللاجئين، وهنا مكمن الخطر والتخوف والهواجس لدى اللاجئين.
أخيراً.. رأي الكاتب ومقاربته للقضية
في ضوء النقاش المتجدد حول تجنيس اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، من الضروري التمسك بموقف متوازن يحمي كرامة الإنسان من دون المساس بجوهر قضيته.
وعليه يمكن القول: لسنا ضد الجنسية بشكل مطلق، ولسنا معها بلا قيد أو شرط.
والمبدأ هنا يقوم على أن اللاجئ الفلسطيني يجب أن يُمنح كامل الحقوق المدنية والإنسانية، مع الاحتفاظ بحقه السياسي كلاجئ، وحقه غير القابل للتصرف في العودة إلى وطنه.
وما نطالب به بوضوح: عدم فرض الجنسية السورية بشكل جماعي أو تلقائي، بمعنى ألا يكون ذلك ضمن مشروع سياسي تصفوي يُقايَض بصفقة ما بعد ذلك.
وأن يتم تمكين الفلسطيني من اختيار الجنسية بحرية، من دون أن يؤدي ذلك إلى شطب هويته الوطنية أو إسقاط صفة اللجوء عنه، فضلاً عن حماية الخصوصية القانونية والسياسية للفلسطيني داخل أي صيغة دستورية سورية قادمة.
لماذا قد يكون هذا الطرح مناسباً، وباختصار؟
لأن الجنسية، في السياق العربي، ليست مجرد وثيقة، بل قد تتحول إلى أداة لتصفية سياسية ناعمة لقضية اللاجئين، وهنا مكمن الخطر والتخوف والهواجس لدى اللاجئين.
أما في السياق الغربي، فهي في الغالب تُمنح في إطار إنساني فردي، من دون مساس بجوهر الحق الفلسطيني، وأقله حتى الآن لا توجد مشاريع واضحة مطروحة للنقاش أو مقايضة تمت بهذا الخصوص.
الخلاصة
الحل ليس في رفض التجنيس ولا في التورط فيه، بل في صيغة تحفظ الكرامة، وتُبقي باب حق العودة مفتوحاً، وتُقرّ بأن الفلسطيني في سوريا ليس مجرد مشكلة لجوء إنساني، بل شعب له وطن مسلوب، وحق لا يسقط بالتقادم، وهوية وطنية مطلوب بقوة الحفاظ عليها.
المصدر: تلفزيون سوريا




