نومة لا تُنسى (قصة قصيرة/من أدب الحرب)

عساف سلامة السلمان

في صيف 2013، لم تكن السماء فوق منبج زرقاء. كانت آلة. تمرّ من جهة الغرب، تخفض ارتفاعها قليلًا، ثم تفرغ حمولتها من الرصاص قبل أن تمضي. اعتدنا أن نرفع رؤوسنا لنحسب الثواني: أولًا الصاروخ، ثم الرشّ. دائمًا الصاروخ يسبق، كمن يطرق الباب قبل أن يكسره.
كنت أسكن في بناية صارت معروفة للطائرات أكثر مما هي معروفة لسكانها. مرة أصابت مركزها، ومرة السوق القريب، ومرة فرن الخبز عند رأس الشارع. وبعد كل غارة، كانت الفوارغ تتساقط على السطح وعلى الشارع، معدنية وحارّة، فنمشي بينها بحذر، كأننا نتجنب بقايا فم غاضب.
الخوف لم يعد إحساسًا عابرًا. صار عضوًا داخليًا، ينمو بصمت، يضغط على المعدة والصدر، ويجعل النوم عملًا شاقًا. بعد القصف، كان بعض الشباب يركضون نحو الدخان، لا لينقذوا أنفسهم، بل ليؤجلوا موت غيرهم. في المساجد لم يعد الأذان للصلاة، بل للدم.
“نحتاج زمرة” O.. “نحتاج “AB .. كأن المدينة كلها غرفة إسعاف مفتوحة.
حين يقترب صوت الطائرة، كنا نترك كل شيء ونجري. في إحدى المرات، رأيت طفلي حسّون، ابن السنتين، يحمل وسادته الصغيرة ويركض نحو أسفل الدرج، كأنه يعرف وحده أن النوم لا يأتي إلا مختبئًا. لم يبكِ. كان وجهه جادًا أكثر مما يحتمله عمره، يهبط الدرج خطوة خطوة، والوسادة أكبر من ذراعيه.
في الطابق الأرضي، كانت جارتنا الحامل في شهرها الأخير ترتجف. تمسك بطنها وتقول بصوت مكسور:
“زوجي في العيادة… القصف قريب منه” .
ثم ترفع رأسها وتتمتم: “يا رب، بردًا وسلامًا” .
كل سكان البناية كانوا يتجمعون هناك، تحت الدرج، أجساد متلاصقة، أنفاس متداخلة، وأعين معلّقة بسقف لا يملك وعدًا. الأطفال تبولوا في نومهم. بعض الرجال سقطوا في الأسواق بجلطات. قلوبهم لم تحتمل هذا الحمل الثقيل من السماء.
في رمضان، كان القصف ينتظر موعد الإفطار. الشوارع تمتلئ بالعائدين إلى بيوتهم، بالأكياس، بالدعاء الصامت. ثم ينكسر جدار الصوت فجأة، ويسقط شيء ما من السماء، وتبدأ الفوضى.
عندها قررت أن أُنقذ عائلتي، ولو مؤقتًا. نقلتهم إلى”الكدرو”، حيث تسكن أخت زوجتي. وجدنا ثلاث عشرة عائلة سبقتنا إلى هناك. كانوا ينامون على الحصير، تحت سماء مفتوحة. قال أحدهم: “الصيف جلال الفقير” ، أي أن الفقير لا يحتاج إلا حصيرة وسقف من نجوم، إن كان الحظ كريمًا.
تركتهم وعدت إلى قرية المشرفة لأقضي ليلة عند قريب قديم. رجل متزوج من ثلاث، واسع الصدر، يستقبل ضيفه كأنه يملك فائضًا من كل شيء. في المساء قال لي بثقة: “ستنـام الليلة نومة لا تنساها بحياتك” .
فرش لي على سطح البيت. الهواء كان عليلًا، والنجوم قريبة، فصدّقته. لكن ما لم يقله لي أن الفراش يطل مباشرة على: زريبة بقر، وحابوسة أغنام، وحياة كاملة من الحشرات التي وجدت في جسدي فرصة نادرة.
قضيت الليل في معركة خاسرة. قراد، بقّ، بعوض. حككت جسدي حتى الفجر، صفعت الهواء، قفزت من مكاني، ثم عدت مهزومًا. عند الأذان، كنت متعبًا، محكومًا بالأرق، لكن حيًّا.
في الصباح شكرته على طيبه وكرمه وضيافته، وغادرت دون أن ألتفت خلفي. لم أشأ أن أرى السطح مرة أخرى.
بعد سنوات، حين يسألني أحدهم عن تلك الأيام، لا أذكر الطائرات فقط، ولا الدم، ولا الخوف. أذكر حسّون وهو يحمل وسادته، وجارتنا وهي تدعو، وذلك الدرج الذي اختصر معنى الحياة.
كنت هناك.
وهذا ما فعلته السماء بنا.
بعض الليالي لا يجب أن تُودَّع.
يجب فقط أن تُنسى، إن استطعت.

/السويد /بعد منتصف الليل 15 كانون الأول /2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى