
أتخمتنا السينما العربية والعالمية بالمشهد الأخير للمجرم، الذي تلاحقه العدالة منذ الدقائق الأولى للفيلم، وهذا المشهد هو اتخاذ الجاني (نوعاً من حلاوة الروح كما يقولون) ضحيةً أو أيّ شخص، حتى لو كان طفلاً أو مسّناً، درعاً بشرياً يحتمي خلفه، ويضع فوّهة مسدّسه على صدغ “الدرع”، أو سلاحاً أبيض.
الدرع البشري في السينما (إذ مللْنا من تصوير حالة اليأس لدى الجاني)، مشهد يستطيع أن يتفاداه ضابط الشرطة الهُمام، الذي كان يلاحق المجرم. وفي أحيان كثيرة، ينتهي الفيلم بأن يُقبَض عليه، فيما يكون الدرع البشري هو الثمن، ونبكي كثيراً تأثّراً بما حلّ بذلك البريء، الذي ليس له ذنب أو جريرة، سوى أنه كان الأقرب للمجرم وهو يناور مناورته الأخيرة، وهو يوقن من خلال لغة جسده التي تصل إلينا عبر الشاشة، أنه سيقع في يد العدالة، ما لم تضعْ رصاصةٌ حدّاً لحياته.
في غزّة، استخدم جيش الاحتلال المجرم الناس البائسين دروعاً بشرية في معظم الوقت، طوال مدّة المقتلة أخيراً، حيث استخدام هذا الأسلوب لا ينمّ إلا عن مقدار جبن الجنود وخوفهم من اقتحام البيوت ودخول الحارات والأزقّة الضيّقة، وحيث كان جنود الاحتلال الأكثر فشلاً دوماً في حرب الشوارع غير المتكافئة، التي كانت تدور، حتى بينهم وبين أطفال الحجارة، إبّان الانتفاضة الأولى، وحيث أهل مكة هم الأدرى بشعابها، فأطفال غزّة ورجالها هم الأدرى والأكثر معرفة بخريطة غزّة على ضيقها، ولذلك لم يكن أمام هذا العدو الجبان سوى استخدام الغزّيين دروعاً بشرية، إذ تكشف هذه الطريقة أماكن المقاومين، أو المنازل التي تركها هؤلاء بعد تفخيخها، بل الأدهى والأكثر بشاعة وجرماً تفخيخ الجنود الدرع البشري نفسه، وتفجير هذا الجسم البشري الهزيل والضعيف بعد انتهاء مهمّته.
في حادثة وقعت في مايو/ أيار الماضي، كشف عنها ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي من لواء ناحال عوز، استخدم الجنود مُسنّاً فلسطينياً في الثمانين درعاً بشرياً، وضمن ما يعرف بـ”بروتوكول البعوض”، فربطوا سلسلة من المتفجّرات حول عنقه، بعد أن عثروا عليه مع زوجته في أحد بيوت حيّ الزيتون، ولأن الزوجَين المُسنَّين لم يستطيعا (لكبر سنّهما) النزوح إلى جنوب القطاع، ظلّا في منزلهما في انتظار المجهول، ولم يكونا يعرفان أن هذا المجهول هو أسوأ كوابيسهما.
طلب الجنود من الرجل المُسنّ، الذي كان يسير على عكّاز، أن يدخل عدة منازل في حيّ الزيتون لكي يتأكّدوا أن هذه المنازل ليست مفخّخةً، وبعدما قام المُسنُّ بمهمته، وفيما كان الجنود يراقبونه من بُعدٍ، ويصدرون تعليماتهم له من طريق مكبّرات الصوت، طلبوا منه أن يغادر باتجاه الجنوب مع زوجته. ولكن، وبعد أن سارا مسافةً لا تزيد عن مائة متر أطلق جنود آخرون عليهما النار فسقطا قتيلَين.
أدلى بهذه الاعترافات جنود ومواطنون فلسطينيون، فيما لا تزال كثير من الحوادث المشابهة مخفيّةً، وبدأ الناس، وهم يستفيقون من صدمة الحرب، بالحديث عن حوادث مشابهة وقعت لذويهم، فتحدّث شاب آخر عن استخدام والديه درعَين بشريَّين في شارع صلاح الدين، الذي يصل برّاً ما بين شمال القطاع وجنوبه، فقد تحدّث هذا الشاب بكلّ أسىً كيف قام بجمع أشلاء والديه قطعةً قطعةً بيديه، بعد أن فجّرهما الجنود، وبعد انتهاء مهمّتهما في التجوّل في المزارع والبيوت القليلة التي تتناثر على جانبي شارع الموت، وهناك حوادث لم يكشف عنها في كلّ أنحاء القطاع لما يعرف بـ”بروتوكول البعوض”، ولكنّك بكلّ أسىً لا تستطيع أن تصف هذه الطريقة في القتل بهذا المُسمّى، وتكتفي بأن تستذكر مشهد المجرم ودرعه البشري، فيما يوشك أن يقع في براثن الشرطة في الدقائق الأخيرة من فيلم عربي قديم.
المصدر: العربي الجديد