عن نخبويّة الحوار الوطني السوري وتوصياته

سميرة المسالمة

يمكن، من تصريحات لأعضاء في اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني، استخلاص أن الشعب السوري لا يمتلك رفاهية فرض مخرجات هذا الحوار مباشرةً، فهي توصياتٌ غير مُلزمة، لكنها في حقيقة الأمر تعبّر عن مضمون مستقبل العلاقة بين الشعب والحكومة، وهي قد تصبح معيار التلاقي بينهما، ما يجعل لهذه المخرجات دوراً محورياً في تعزيز مكانة السلطة وقدرتها على حل الخلافات الداخلية ضمن البيت السوري، بتفعيل المجتمع المدني ليكون عنصراً فاعلاً في تحقيق التوافق الوطني وتعزيز الاستقرار.

وفي هذا السياق، يغدو العمل على ما بعد المؤتمر له أهمية العمل على ما قبله، إن لم نقل الأهم، وذلك لتشكيل رأي عام واسع يدعم مخرجات الحوار، وهذا أحد العوامل الأساسية في تحقيق هذا التأثير، من خلال جعل المطالب المنبثقة من الحوار جزءاً من الخطاب العام، وليس مجرّد توصيات نخبوية، أو “تنفيسية”. ولكي يصبح من الممكن تحويل هذه المخرجات إلى قضايا جوهرية، لكونها تمسّ حياة الناس اليومية، وتحويلها إلى برنامج عمل حكومي، مثل تحسين الظروف الأمنية والمعيشية، معالجة الأزمة الاقتصادية، وضمان الحرّيات، ومنها أن يكون الإعلام سلطة رقابية مستقلة، وهو ما يعزّز الوعي العام لأهمية المشاركة الشعبية، ويدفع باتجاه إيجاد حلول مشتركة مع الدولة لاحتياجات المجتمع السوري.

علاوة على ذلك، يمكن أن يشكل الحوار الوطني فرصة لتعزيز التناغم داخل مؤسّسات الدولة المختلفة، كذلك فإنه قد يرسم الطريق نحو تحريرها من مركزية القرار، ويوضح أهمية الشراكة بين المجتمع المدني والحكومة التنفيذية في تسيير الشؤون المحلية، ما يتيح للمجتمعات المحلية أن تتقاسم مسؤولية إعادة بناء سورية مع مؤسّسات الدولة، ويرفع من مستوى التنافسية بين المواطنين، إذ إن التوافق على قضايا معينة، مثل ضرورة الإصلاح الإداري أو مكافحة الفساد، قد يسهم في توحيد الجهود الوطنية لتحقيق الأهداف المشتركة، حيث تسهم هذه التفاهمات الداخلية في تعزيز فاعلية الإدارة العامة، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة إلى المواطنين.

الحوار الوطني فرصةً لتعزيز الاستجابة المتبادلة بين المواطنين والحكومة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع

وعلى المستوى الدولي، لا يمكن إغفال الدور الذي قد يلعبه المجتمع الدولي في دعم جهود سورية للخروج من عزلتها، وتحقيق التكامل مع المجتمع الدولي، بعودة سورية إلى ممارسة دورها الطبيعي والمأمول منها في صناعة السلام المحلي، الذي ينعكس على السلامين، الإقليمي والدولي. وقد رأينا أهمية سقوط النظام القمعي الأسدي في سورية ومنعكساته الإيجابية على لبنان والأردن ودول المنطقة، ففي ظل التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في سورية قد تجد بعض الأطراف في هذه المخرجات أساساً لمفاوضات أو تفاهمات جديدة، خصوصاً إذا قُدِّمَت بديلاً أكثر استقراراً واستدامة من الواقع الذي يهدّد بنشوب صراعات قومية في الشمال الشرقي، أو محلية في الجنوب والساحل. وبناءً على ذلك، قد يكون التنسيق مع الجهات الدولية والإقليمية الفاعلة إحدى الأدوات المهمة التي تساعد على تهيئة الظروف المناسبة لرفع العقوبات الغربية، وتعزيز فرص التعافي الاقتصادي المبكر.

إلى جانب ذلك، يلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في تبنّي مخرجات الحوار والدفع نحو تنفيذها من خلال مبادرات اجتماعية وتنموية تعزز التعاون بين مختلف الأطراف، فالتركيز على المبادرات المحلية، والحملات الإعلامية التي يمكن للتلفزيون السوري (سيعاود بثه قريباً) والإعلام المحلي أن يسلط الضوء عليها، ما يعزّز مفهوم الحوار أداة لحل المشكلات وتعزيز الاستقرار الوطني، وهذا منوط بمساحة حرية تتيح للجميع التعبير عن رأيهم بصراحة، ومن دون أية عواقب محتملة على ذلك، كذلك إن استخدام المنصّات الرقمية لنشر الوعي بشأن هذه المخرجات يمكن أن يسهم في توسيع دائرة الدعم الشعبي لها وتحقيق توافق أوسع حولها.

يلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في تبنّي مخرجات الحوار والدفع نحو تنفيذها من خلال مبادرات اجتماعية وتنموية تعزز التعاون بين مختلف الأطراف

أدركت حكومة تسيير الأعمال التي تنتهي أعمالها قريباً حجم التحدّيات التي تنتظر الحكومة المقبلة بعدها، ولهذا قد لا يعوّل كثيراً على تفنيد إنجازات الحكومة، بما يتعلق بتحسين مستوى المعيشة خلال أقل من ثلاثة أشهر، نظراً إلى حجم الملفات المعقدة التي تعاملت معها إثر سقوط نظام الأسدين، إلا أنه يمكن الاستماع منها إلى حجم التحدّيات الكبيرة في التعامل مع المطالب الشعبية المحقّة، ما يستوجب تهيئة بيئة تفاعلية تعتمد على الحوار والتفاهم المشترك، لتحقيق خطوات ملموسة نحو تحسين الوضع العام، وفق الممكن والمتاح، فالأنظمة التي تواجه ضغوطاً كبرى تجد نفسها أمام ضرورة التكيف مع التغيرات الحاصلة، وهو ما يجعل الحوار الوطني فرصةً لتعزيز الاستجابة المتبادلة بين المواطنين والحكومة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

… يتعلق السؤال الأهم بكيفية توحيد الجهود المختلفة لجعل مخرجات الحوار الوطني أداة فاعلة تساهم في تعزيز الاستقرار الوطني، وليس مجرّد وثيقة تضاف إلى أرشيف المبادرات غير المنفذة؟ وللحقيقة، يحتاج تحقيق ذلك وعياً سياسياً حادّاً، وتنسيقاً بين القوى الفاعلة، واستخداماً ذكياً للأدوات المتاحة، داخليّاً وخارجيّاً، لضمان أن يكون لهذا الحوار، وما يليه من متابعات وحوارات مستمرّة، فلا يغلق باب الانفتاح على المواطنين مع إعلان المخرجات، ولا تكمّم أفواه النقد والنقاد، لما لذلك من تأثير إيجابي ومستدام في رسم ملامح الحاضر والمستقبل السوريين، وعلى أمل عقد مؤتمر وطني والشعب السوري بخير.

 

المصدر: العربي الجديد

 

تعليق واحد

  1. من تصريحات أعضاء اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني، نستخلص بأن الشعب السوري لا يمتلك إمكانية لفرض مخرجات هذا الحوار مباشرةً، لأنها توصياتٌ غير مُلزمة، وحتى البدايات الحوارية كانت طريقة إختيار المحاورين تعطي إنطباع بأنها ستوضع على الرف وتستخدم للبروباغندا الإعلامية أكثر من مما هو مطلوب منها، فهل يمكن أن تعطي نتائج خلاف ذلك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى