كل ما لم يتضمنه التحقيق عن العنصرية في بريطانيا

نادين وايت

ما عادت بريطانيا بلداً “يعمل نظامه بشكل متعمد ضد الأقليات العرقية”، وفقاً للتقرير “المهين” و”الخلافي” الذي وضعته اللجنة المعنية بالنظر في شؤون العنصرية، والتي عينتها الحكومة في أعقاب ظهور حركة “حياة السود مهمة”.

بعد أشهر من التأخير انتهت بصدور التقرير في 258 صفحة، جاءت الخلاصات والتوصيات التي توصل إليها ببعض الادعاءات الصادمة، فيما أغفلت الكثير من النقاط الواضحة.

وتحججت الهيئة التي يرأسها صديق رئيس الوزراء بوريس جونسون ورئيس جمعية خيرية سابق، الدكتور توني سيويل، بأن الجغرافيا والتأثير العائلي والبيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافة والدين كلها عوامل تؤثر على فرص الحياة أكثر من العنصرية. أما العنصرية المؤسسية، فلم يعثر على دليل عليها، كما قالت.

تأسست اللجنة على يد منيرة ميرزا، مستشارة رئاسة الوزراء التي أعربت سابقاً عن تشكيكها في وجود العنصرية المؤسسية. وردد الدكتور سيويل الكلام نفسه، بينما أدلت الوزيرة التي رعت التقرير، كيمي بادنوش، بتعليقات شبيهة، نافيةً وقع “الظلم المؤسسي” على معدلات الوفيات من كوفيد، ومصرحةً بأن تعليم مفهوم تمتع العرق الأبيض بامتيازات عن غيره في المدارس يجب أن يعتبر غير قانوني. وجرى كل هذا بطلب من رئيس الوزراء بسجله الموثق من التصريحات العنصرية.

كما أثيرت بعض التحفظات في شأن أعضاء آخرين في اللجنة وسياساتهم التي يبدو أنها تميل إلى سياسات المحافظين. لذلك تساءل البعض عن مدى استقلالية هذه اللجنة المستقلة المزعومة.

وبالفعل، بعد الإعلان عن تشكيل اللجنة الصيف الماضي، تحدثت مع اللورد سايمون وولي الذي وصف أعضاءها بأنهم “مجموعة متنوعة من النافين للطبيعة المتجذرة للعنصرية المؤسسية” التي فضحها كوفيد-19، و”حياة السود مهمة”، كما أضاف.

وبعد أن نشر التقرير أخيراً الآن – بعد تأخير مذهل مدته أربعة أشهر – من الواضح أن اللجنة انتقت البيانات التي تناسب روايتها، وهي تتجاهل رأي الأقليات العرقية، إذ تلمح إلى أن العنصرية المؤسسية ليست سوى أمر من نسج خيالها.

وهو يعرض صورة منقوصة عن العوامل التي تحفز وجود عدم المساواة والتفاوت في النتائج في المملكة المتحدة وتفوته أجزاء مهمة من الصورة العامة.

المساءلة

تشير اللجنة عبر 258 صفحة تشكل تقريرها إلى مطالبة العديد من الشباب في بريطانيا بالتغيير من خلال تظاهرات “حياة السود مهمة” التي اندلعت العام الماضي.

وهي تقول إنه في حين تتفهم “المثالية” التي يتمتع بها هؤلاء الشباب “ذوو النوايا الحسنة” الذين احتجوا من أجل إحقاق المساواة العنصرية، فهي تشكك بأن الرواية التي تزعم بعدم حصول أي تحسن “ستحقق أي شيء ما عدا إقصاء الوسطية الجيدة”.

لكن الناشطين، ولا سيما الذين لديهم خبرة في الحملات من بينهم، نادراً ما ادعوا بأن لا شيء تغير على الإطلاق. إنما يجب إنجاز المزيد من العمل من أجل التوصل إلى مجتمع عادل، بما في ذلك تفكيك العنصرية المؤسسية.

ونفي الحكومة وجودها يجنبها المساءلة عن المشاكل التي ما زالت تلازم حياة المجموعات المهمشة، وهو ما يظهر بشكل أوضح من خلال دعوة اللجنة إلى القيام بمزيد من الأبحاث لاكتشاف “سبب نجاح بعض مجموعات الأقليات العرقية أكثر من غيرها” وإن كان ذلك يعزى إلى الفوارق في الهيكلية الأسرية أو الشبكات الاجتماعية أو السلوكيات الصحية مثل شرب الكحول والتدخين.

ويلحظ التقرير وجود تحسينات مثل زيادة التنوع في بعض مهن النخبة التي غالباً ما قيست عبر وسم “بايم” نفسه الذي تسعى اللجنة الآن إلى التخلص منه، ويعود ذلك جزئياً إلى المعطيات غير الموثوقة التي تعتمد عليها، بحيث لا تعلم ما هو وضع كل أقلية عرقية في هذا الإطار.

وفي المقابل، وفي تناقض واضح مع ذلك، تظهر الإحصاءات الحالية صورة قاتمة عن الواقع: احتمال وفاة الأمهات ذوات البشرة السوداء خلال الولادة أعلى بأربع مرات، وهو وضع أشير إلى أن العنصرية أحد العوامل المؤدية له. كما تبين أن العنصرية المؤسسية من العوامل التي أدت إلى فضيحة ويندراش، وهي مستمرة، فيما يزيد احتمال توقيف الرجال السود وتفتيشهم من قبل الشرطة تسع مرات أكثر من غيرهم.

الإنسانية

ربما تكون أوضح النقاط التي أسقطها التقرير هي نفيه لتجارب الناس الحقيقية واليومية والمؤلمة في معظم الأحيان. ووضعت عدة تقارير على مر السنين ذكرت وأثبتت وجود العنصرية المؤسسية والتفاوت الهيكلي في المجتمع البريطاني مثل استعراض لورانس The) Lawrence Review) في عام 2020، واستعراض الدروس المستقاة من ويندراش (The Windrush Lessons Learned Review) في عام 2020، بعيداً عن حالات المضايقات العنصرية العشوائية على شبكة الإنترنت التي ذكرها سيويل في هذا التقرير الجديد.

ويروي كل شخص من مجتمعات الأقليات تقريباً تجارب حقيقية جداً عن تعامله مع النوع نفسه من العنصرية المتجذرة، لكن هذا التقرير لا يعترف بها.

ولذلك، لماذا طلبت اللجنة بهدوء تام شهادة الرأي العام لكي “تفهم بشكل أفضل سبب تفشي التفاوت بين الأعراق في بريطانيا” بدل أن تطلق دعوة مفتوحة للمشاركة في كل مكان؟

إن عدم السعي والبحث عن أدلة من كل أنحاء البلاد، وعدم التساؤل المعمق عن هذه التجارب المأساوية المنتشرة من العنصرية يشير إلى تردد مقصود من كتاب التقرير بفتح أعينهم على الأدلة التي لا يريدون رؤيتها.

وفي إحدى فقراته الأكثر صدماً، يحاول التقرير حتى أن يلقي ضوءاً إيجابياً على العبودية – وهي من أفظع الأحداث التي مرت في تاريخ البشرية – والاستعمار.

ويقول “هناك قصة جديدة في شأن تجربة الكاريبي تتناول فترة العبودية ليس من منظور الربحية والمعاناة، بل من منطلق تمكن الشعب الأفريقي من إعادة صياغة نفسه ثقافياً لكي يصبح أفريقياً/ بريطانياً”.

ومع ذلك، ما زال الأشخاص السود يشعرون بآثار العبودية إلى يومنا هذا، بدءاً بنقص المعلومات عن نسب عائلاتهم بعد الانقطاع الذي سببته العبودية، إلى حمل أسماء عائلات مالكي العبيد، وانتهاء دافعي الضرائب مؤخراً في عام 2015 من تسديد الدين المترتب على الحكومة البريطانية لقاء التعويضات التي دفعتها لمالكي العبيد فيما كانوا يحاربون التقشف، ما زالت “القصص القديمة” بحاجة أن تروى وتفهم.

ومن المذهل أنه في مقدمة التقرير، يقول الدكتور سيويل، إن بعض المجتمعات المحلية يطاردها حتى اليوم شبح العنصرية التاريخية، ولديها “عدم رغبة بالاعتراف بأن المملكة المتحدة أصبحت منفتحة، وأكثر عدلاً”. والسؤال هو، لماذا لن يطارد هذا الشبح بعض المجتمعات؟

بعيداً عن التزامه الثابت بالموضوعية والعدل، يبدو أن التقرير يتبنى موقفاً دفاعياً شديداً منذ البداية وحتى النهاية، لكن المقدمة تشير إلى أن “الخلاصات والتوصيات قد تفاجئ البعض”، لكن السياق ناقص. فالتقرير يقتطع بعض البيانات ويدخلها بين تأكيدات مختلفة بما يناسب الرواية القائلة إن بريطانيا منارة المساواة بين الأعراق في عالم بريكست الرائع ما بعد الجائحة.

وعلى امتداد التقرير، يشير الكتاب إلى زيادة التنوع في مهن النخبة وتقلص الفجوة في الأجور بين الأعراق ويعيدون التأكيد على أن أداء الأطفال من المجتمعات العرقية مماثل أو أفضل من الطلاب البيض في التعليم الإلزامي.

الحلول

يثير التقرير بعض الاقتراحات اللافتة، مثل التخلص من التمرين غير الواعي على التمييز واستبداله بالطرق القابلة للقياس والتقييم.

كما أوصى التقرير بأن تؤسس الحكومة هيئة مستقلة جديدة تستهدف التفاوت في مجال الصحة في المملكة المتحدة، وتعمل إلى جانب هيئة الخدمات الصحية الوطنية. والمشكلة هي في أن العنصرية موجودة في قطاع الرعاية الصحية، واللجنة لا تعترف بهذا مع أن هيئة الخدمات الصحية الوطنية اعترفت به. فكيف ستعمل هذه الهيئة إذا وإلى أين نتجه من هذه النقطة؟

وبعض الأفكار التي يعرضها التقرير إما غير مكتملة، أو غير مدروسة، أو شكل بلا مضمون، مثل معجم أو لائحة مفردات بـ”كلمات بريطانية معروفة أصلها هندي”. ربما تكون فكرة لطيفة، لكنها لا تفيد الأقلية العرقية ولا الطلاب السود الذين يكتبون سيرهم الذاتية بالإنجليزية من أجل الحصول على مقابلة عمل.

وخلافاً للتقارير الأولية، لا تدعو اللجنة إلى جعل تقديم البيانات في شأن الفارق في الأجور بين الأعراق إلزامياً، لكنها توصي بأن توفر المنظمات التي تختار أن تفعل ذلك تفسيراً شاملاً لوجود هذا الفارق في الأساس.

لكن لا بد أن يشكل هذا عاملاً يثبط عزيمة الشركات عن الالتزام بهذا النوع من الشفافية بما يعمق عدم المساواة أكثر بعد.

وتقترح اللجنة وضع مرجع تعليمي عن صناعة بريطانيا الحديثة Making of Modern Britain من أجل “إخبار القصص المتفرقة والمختلفة عن مساهمات المجموعات المتنوعة التي حولت هذا البلد إلى ما هو عليه اليوم”، لكنها لا تتحدث عن تنويع المنهج كما يدعو المطالبون بذلك منذ سنوات، وكان آخر هذه الدعوات الصيف الماضي.

ويذكر التقرير تحقيق ماك فيرسون (1999) ليصل إلى خلاصة مفادها أن العنصرية المؤسسية ما عادت موجودة في صفوف الشرطة “بما أن الإبلاغ عن جرائم الكراهية والأحداث المرتبطة بالعنصرية بات أمراً تشجع عليه الشرطة كثيراً”.

لكن أخبرونا، كيف يمكن للإنسان التأكد من هذا دون إطلاق تحقيق بالحجم نفسه في الوقت الحالي لغايات المقارنة؟

تستمر المعركة ضد العنصرية المتجذرة بالنسبة للمجموعات المهمشة في كل أنحاء البلاد، بغض النظر عما يؤكده هذا التقرير. وقد بانت في ردة الفعل على تظاهرات “حياة السود مهمة” الصيف الماضي، لكن كل ما لا يقوله هذا التقرير هو تحديداً السبب الذي سيستمر الناس من أجله بالنزول إلى الشوارع في مسيرات تطالب بالمساواة في الحقوق وبالعدالة.

المصدر: اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى